المتابعون

الخميس، 24 ديسمبر 2020

اعتقال أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية

 اعتقال أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية

وجهت لهم تهمة محاولة اغتيال الملك والإعداد لحرب أهلية
نشر في المساء يوم 13 - 08 - 2010

شهدت المحاكم المغربية عددا من القضايا المثيرة التي انتهى بعضها بإصدار أحكام إعدام بالجملة، وسط أجواء سياسية مشحونة تميزت بها فترة الستينيات والسبعينيات، كما عرفت ردهات
المحاكم عددا من الملفات التي تحولت إلى قضايا تشغل بال الرأي العام، وهي الملفات التي نرصد أهمها في شكل حلقات تسلط الضوء على الأجواء التي أحاطت بها، والأطوار التي مرت منها المحاكمة.
في يوليوز من سنة 1963 قامت الشرطة بحملة اعتقالات طالت الآلاف أشرف عليها كل من أوفقير والدليمي، كما تم اعتقال 102 شخص من أعضاء الاتحاد الوطني للقوات الشعبية تم التحقيق معهم بعد جلسات من التعذيب قبل أن يصدر بلاغ وزارة الأنباء يعلن إحباط مؤامرة ضد النظام .
محاكمة 1963
شهدت سنة 1963 إحدى أهم المحاكمات في تاريخ المغرب المعاصر, وهي المحاكمة التي جرت وسط أجواء سياسية مشحونة، بعد أن توترت العلاقة بين الملك الحسن الثاني والحركة الاتحادية بكافة فصائلها.
التوتر ظهرت ملامحه الأولى منذ أن كان الحسن الثاني وليا للعهد، وتفاقم بعد تشكيل القوات المسلحة الملكية التي تسرب إلى صفوفها عدد من المرتزقة وأذناب القوة الاستعمارية الفرنسية على حساب أعضاء المقاومة وجيش التحرير، الذين خضع عدد منهم للتصفية، فيما تم إدماج بعضهم برتب متدنية، كما أن رفض الحسن الثاني مطلب انتخاب مجلس وطني تأسيسي لوضع الدستور، زاد, حسب الباحث محمد لومة في كتابه الثورة الموؤودة, من تأزيم هذه العلاقة التي شهدت فصلا آخر بعد معركة المكنسة (اكوافيون) التي وقعت بالجنوب ضد جيش التحرير، ووجهت فيها أصابع الاتهام إلى عناصر متنفذة في الجيش، ساهمت في تقديم الدعم اللوجستيكي من خلال مطار «بنسركاو» بأكادير وعرقلة خطوط النجدة والإمداد.
هذا الوضع فاقم من موجة الاعتقالات والتصفيات خاصة بعد الإعلان عن تأسيس «الفديك» على يد رضا اكديرة، الذي جمع بين عدد من المناصب منها مدير عام الديوان الملكي ووزير الفلاحة ووزير الداخلية، ما زاد من حدة الاحتقان السياسي, وهي الأجواء التي مهدت فيما بعد للإعلان عن مؤامرة تستهدف اغتيال الملك.
في 16 يوليوز انعقدت اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية للبت في مسألة المشاركة في الانتخابات القروية والبلدية والمهنية، وهو الاجتماع الذي حضره 102 من مسؤولي الحزب، ليتخذ قرارا بمقاطعة هذه الاستحقاقات، وفور الشروع في تبليغ هذا القرار إلى الفروع الإقليمية تقاطرت سيارات الأمن على مقر الاتحاد بقيادة الكومسير علي بن قاسم، ونزلت منها عشرات العناصر مدججة بالرشاشات، عملت على اعتقال جميع الحاضرين, في حين تم استثناء أعضاء الجهاز النقابي المتمثل في الاتحاد المغربي للشغل من ذلك، وحسب لومة, فإن الأمور اتضحت بعد ذلك، بعد أن اكتشف مناضلو نقابة البريد خطا هاتفيا مباشرا يربط بين المحجوب بن الصديق ورضا اكديرة, فيما تم اعتقال الفقيه البصري الذي ظل مختفيا أمام مقر الوقاية المدنية الحالي بحي أكدال بالرباط.
موجة الاعتقالات طالت أيضا حوالي 5000 شخص في أنحاء المغرب، وبدا واضحا أن العنوان الأول في المواجهة المباشرة بين الحسن الثاني والمعارضة تم تسطيره, خاصة وأن ضربات شيخ العرب كانت تشتد ويقابلها عجز الأمن عن التوصل إليه، رغم آلاف المناشير التي وزعت والحواجز التي وضعت على الطرق.
محمد لومة أكد أن النظام كان يعتبر شيخ العرب بمثابة الجناح العسكري للاتحاد الوطني, لذا وضع سيناريو ما سمي بالمؤامرة للتخلص دفعة واحدة من جميع الأصوات المزعجة، وهو السيناريو الذي كانت خطوته الأولى هي اعتقال مومن الديوري وبحوزته مسدسين على يد القبطان الدليمي، قبل أن يحال باقي المعتقلين على المحاكمة بعد جلسات تعذيب تم خلالها تصفية عدد من المناضلين، حسب لومة، على يد أوفقير شخصيا, والذي كان يحرص على استعمال رشاش عوزي إسرائيلي الصنع.
المحكمة رفضت السماح لمحامين أجانب بالترافع لصالح المتهمين الذين تراوحت أعمارهم مابين 20و70 سنة، وكان من بينهم فلاحون وموظفون وتجار وعمال وطلبة،حيث تم طرد مجموعة من المحامين الجزائريين في الوقت الذي كانت العلاقات المغربية الجزائرية تمر بمرحلة حرجة في أعقاب حرب الرمال، بدعوى أن القانون لا يسمح لأي محام أجنبي بالترافع في الملف إلا إذا كان حاصلا على قرار خاص من وزير العدل. الجلسة الأولى للمحاكمة تميزت بحضور عدد كبير من الصحفيين وسط إجراءات أمنية مشددة، كما وضعت عدة محجوزات من بينها أسلحة وضع بعضها في أكياس وحقائب، إضافة إلى محفظة وجهاز راديو.
القضية انطلقت أطوارها في23 من نونبر1963، ولائحة التهم التي نسبت للمتهمين 102 والذين تواجدت من بينهم امرأة، إضافة إلى خمسة أعضاء في مجلس النواب، كانت تضم أفعالا يعاقب عليها بالإعدام ومنها محاولة اغتيال الملك، والإعداد لمؤامرة بهدف إشهار حرب أهلية بتسليح فريق من السكان، أو دفعهم إلى التسلح ضد باقي المواطنين، كما وجهت لأبرز المتهمين, ومنهم محمد البصري والمهدي بنبركة, إضافة إلى ذلك تهم المساعدة في الهجوم على القاعدة الأمريكية، وترؤس عصابات مسلحة للهجوم على مراكز الجيش بمراكش والجديدة، وتشكيل خلايا لاغتيال بعض الأفراد. المحاكمة كانت تجري أطوارها بالمحكمة الإقليمية بالرباط ،والتي كان مقرها ببناية مجلس النواب الحالي، كما أن الاعتقالات التي سبقت المحاكمة شملت الآلاف في مختلف أنحاء المغرب، بقي بعضهم رهن الاعتقال والتحقيق لشهور ذاقوا خلالها صنوفا من التعذيب قبل أن يتم إخلاء سبيلهم فيما تقررت متابعة الباقين، وهي الأمور التي تمت في ظل صمت رسمي، قبل أن يصدر بلاغ عن وزارة الأنباء يشير إلى أن الشرطة الوطنية تابعت وعلى مدى أشهر حركة تمردية تستهدف المس بأمن الدولة، كما تلا ذلك تصريحات لكل من وزير الداخلية والعدل، أكدت أن المعارضة كانت تسعى للوصول إلى قلب النظام بالعنف عن طريق تدبير مؤامرة ضد الملك، مستعينة بدعم خارجي، وأن هذه المؤامرة افتضحت بعد أن وصلت تفاصيلها إلى الملك عن طريق ضابط حاول المتؤامرون تجنيده لصالحهم، وهو ما قاد إلى تفكيك هذا التنظيم الذي كان تحت المراقبة منذ سنة 1961, أي بمجرد اعتلاء الحسن الثاني عرش البلاد.


الثلاثاء، 22 ديسمبر 2020

فكرة الدستور لدى المهدي بن بركة

 1) سيرة المهدي بن بركة:

ولد المهدي بن بركة بمدينة الرباط سنة 1920، درس الرياضيات وكان ذكيا وموسوعيا، وقارئا ومناضلا ومثقفا، وقع وثيقة 1944 فدخل السجن مرتين وسجن من 1951 إلى 1954 ، وبعد الاستقلال رفض عضوية الحكومة وترأس المجلس الاستشاري بين 57 و 59.

قاد بن بركة انشقاق حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” سنة 1959، وبدأت المؤامرات ضده منذ أيام محمد الخامس حيث اتهمه الأمن أثناء تواجده بجنيف بتدبير مؤامرة ضد ولي العهد. ثم عاد مع وصول الحسن الثاني للحكم، وانتخب غيابيا في برلمان 1963 كأول تجربة تشريعية بعد الدستور الأول للمملكة.اتخذ موقفا غامضا من حرب المغرب والجزائر كلفته حكما بالإعدام غيابيا، ليتم اختطافه في 29 أكتوبر 1965 من قلب باريس قبل اغتياله عن عمر ناهز 45 سنة بعدما كرس 30 سنة من عمره في النضال من أجل التحرر الوطني والاجتماعي .

أما بخصوص المناصب التي تقلدها المهدي داخليا وخارجيا، فقد تزعم حزب “الاستقلال” خلال الأربعينات خلال غياب الزعيم علال الفاسي، وشارك في محادثات “ايكس ليبان” عن الحزب نفسه، كما انتخب رئيسا للمجلس الوطني الاستشاري سنة 1956، وزار كل قارات العالم، لما كان من قيادات حركة التحرر في العالم الثالث التي كانت تقود الشعوب في معركتها ضد ما تسميه الإمبريالية والاستعمار الجديد في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وهو ما خلق له أعداء كثر خاصة لما بدأ يدافع عن حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال. ولازال الغموض يلف عملية اختطافه واغتياله إلى الآن، مما حوله إلى شخصية شبه أسطورية في التاريخ السياسي الراهن للمغرب.

ولتسليط مزيد من الضوء على شخصية المهدي بن بركة لن نجد أحسن من محاميه “موريس بوتان” ، والذي ألف كتابا بعنوان “الحسن الثاني ، دوكول وبن بركة، ما أعرفه عنهم”، كما نقلت مقتطفات منه مجلة وجهة نظر، حيث يقول “وفي كل فترة كنت أظل مشدوها أمام توقد ذهنه وحصافة أقواله ونشاطه الفياض وتحليله النقدي للوضعية الراهنة ، وكلامه المتحرر وانفتاحه وقابليته للتحاور وللإنصات وحضوره. وأفهم أكثر لماذا استطاع اجتياز امتحانات الباكالوريا بنجاح في تلك الفترة في ثانوية مولاي يوسف وبعدها في ثانوية غورو بالرباط بميزة حسن جدا مع تنويه من اللجنة، رغم أنه لم يكن متسلحا بامتياز الأصول الفرنسية في عهد الحماية. وأفهم أيضا أكثر لماذا كان يعتبر في نظر مسؤولي تلك الفترة المقيم العام عدو فرنسا الأول قبل أن يصبح كذلك بالنسبة إلى الحسن الثاني ” .

المعروف على بن بركة أنه أول طالب مغربي يحصل على الإجازة في الرياضيات، وهذا دليل على وصفه بالذكاء الثاقب من طرف محاميه، غير أن اعتباره العدو الأول لفرنسا يجد تبريره في العقوبات السجنية التي قضاها خلال الحماية، في حين أن اعتباره عدوا للحسن الثاني استدل فيه بقول لهذا الأخير في “ذاكرة ملك” حول بن بركة أنه “لم يكن ينكر أن الملكية ضرورية للحفاظ على نوع من الوحدة، وفي الواقع كان يتمنى أن يمتلك جزءا من سلطتها وصلاحياتها مع الإبقاء عليها”، ولعل هذا الاعتراف من الحسن الثاني بالطابع “الإصلاحي” لتفكير بن بركة، هو ما حاول محامي الراحل إبرازه، فبن بركة حسب معرفته له، لم يكن شيوعيا، والشاهد على ذلك موقفه من فلسطين وإسرائيل، الذي جعل منه قائدا قوميا عربيا، ورغم أن فكرة الجمهورية قد تكون خطرت بباله غداة الاستقلال سنة 51 و 52 “.. فإنني سمعته مرارا وتكرارا يثير مسألة الملكية البرلمانية، آملا في تحققها، وبما أنه اختار شخصيا طريق القانون والشرعية وليس الكفاح المسلح، فإنه وضع ثقته في السلطان كي يقود البلاد نحو تلك الملكية المنشودة”. وبه نتساءل هل تنضبط الرؤية السياسية لتصوره للمسألة الدستورية كما وردت في تقريره “الاختيار الثوري” مع هذا التحديد للموقف السياسي لبن بركة كما ورد في شهادة محاميه ؟ وكيف بنيت هذه الرؤية ؟ وما هي آليات تنزيلها على أرض الواقع؟

2)  فكرة الدستور لدى المهدي بن بركة:

يعتبر الراحل الجابري في نص المحاضرة التي ألقاها بن بركة أمام مسيري فرع حزب “الاستقلال” في تطوان أهم نص له قبل تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكانت بعنوان جد دال هو “نحو بناء مجتمع جديد”. ولعل العنوان وحده يكفي للتدليل على أن صاحبنا كان يعي أنه بصدد تقديم مشروع مجتمعي لا يجب أن تشكل فيه قضية الدستور أكثر من حجمها، ما دام الأمر يتعلق بمجتمع جديد في كل مكوناته، أو على الأقل هذا ما يفترض. لذا قال “يجب أن نضع صورة تامة لمغرب الغد وأن نمكن جميع المواطنين من الإطلاع على هذه الصورة وأن لا نكتفي بتفسير سطحي للمقارنة بين عهد الاستعمار وعهد الاستقلال، لأن استقلالنا ليس معناه تغيير القبعة بالطربوشة واللغة الأجنبية باللغة العربية وإنما يحتاج إلى تغيير جذري، يتناسب مع الكفاح الذي كافحناه من أجل الاستقلال”. ونلاحظ بأن ربط مطلب التحرر والاستقلال الحقيقي الذي يعني “تغييرا جذريا”، بالكفاح الذي خاضه الشعب هو شرعنة لهذا المطلب حتى لا يتحول إلى منة أو هبة من أي جهة كانت ولو كان السلطان نفسه !

فلابد حسب بن بركة أن يعرف المواطنون، وليس الرعية! أهداف ما بعد الاستقلال ليعملوا على تحقيقها، وهي تتلخص في الرفاهية والعدالة الاجتماعية، والمعرفة للجميع، وتحقيق الازدهار الاقتصادي والفكري والاجتماعي في جميع أنحاء البلاد، ليتمتع جميع المواطنين بخيرات بلدهم بعدما ضحوا جميعا في سبيل تحقيق هذا الازدهار. ورغم ورود الحديث عن العدالة الاجتماعية، ” فالتوزيع العادل لا يعني القضاء على الملكية الفردية، وإنما يعني أن تراقب الدولة هذا التوزيع وتحميه من سيطرة الإقطاعية والاحتكارات الخاصة”.

ولعل هذا التأكيد من الأستاذ الجابري على موقف المهدي بن بركة من الملكية الخاصة أو الفردية، يعزز صفة “الإصلاحية” التي تحدثنا عنها من جهة، وينزع الطابع الشيوعي عن فكر بن بركة من جهة أخرى. ونتساءل : أي لأي نموذج للحكم ولطبيعة الدولة ولعلاقة الحاكم بالمحكوم نظّر بن بركة؟؟

تعتبر وثيقة “الاختيار الثوري”في الأصل تقريرا إيديولوجيا وبرنامج عمل عرضه بن بركة على السكرتارية العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمناسبة المؤتمر الثاني في ماي 1962، حيث يقدمه صاحبه كملاحظات حول المهام الملحة والبعيدة المدى التي تنتظر الحزب، إضافة إلى الوسائل الكفيلة بتحقيقها. وقد استغل المهدي بن بركة فرصة نشره للعموم بفرنسا ليضيف بعض الملاحظات حول ما بعد 62 تاريخ إنجاز التقرير، وهنا نجده يقول :”وقد كنا في إطار هذا الاختيار الثوري قد وضعنا أسس برنامج أدنى لمهامنا المستعجلة بالنسبة إلى دروس سنة 1962، عندما كان القصر يستعد لأن “يمنح” البلاد دستورها الرجعي المصنوع بمخابر الاستعمار الجديد”. وهو موقف واضح من الدستور الذي اعتبر “ممنوحا” من لدن الحزب اليساري آنذاك لعدم احترام الملك لمبدأ انتخاب مجلس تأسيسي لإعداد الدستور، عوض إعداده من طرف الملك بمساهمة المستعمر كما قال بن بركة. وبه لا غرابة أن تفشل تلك التجربة الدستورية حسب المهدي، لأنها فرضت على الشعب في دجنبر 1962 أسلوب حكم جائر يقوم على احتقار مطامع الشعب ويبيح لنفسه كل أساليب التلاعب والتزوير لمنع تمثيل الإرادة الوطنية.. فلا غرابة إذن أن يقع الانفجار الشعبي في 23 مارس 1965 مما جعل الملك يضطر للاعتراف بخطورة الوضع وتوقيف دولة الديمقراطية المزيفة حسب وصف المهدي بن بركة، الذي برر الأحداث ووفر لها غطاء سياسيا قائلا :”فعندما تصبح الانتخابات مزورة وحرية الاجتماع معدومة والصحافة مكمّمة، والمخلصون المعبرون عن مطامع الشعب مطاردين ومحكوم عليهم بالإعدام أو السجن أو مفقودين بالمرة، فكيف يجوز لرئيس الدولة أن يستغرب التجاء الشعب للوسائل المباشرة ليسمع صوته”. والملاحظ هنا أن بن بركة إلى جانب تغطية أحداث البيضاء سياسيا، فإنه يوضح بأن موقفه من الدستور ليس شكليا فحسب، بمعنى شكل وضعه، بل لأن الواقع السياسي يكذب مزاعم الديمقراطية والحرية التي بشر بهما هذا الدستور. إن المسؤولية يجب أن يتحملها حسبه من تسلط على الحكم سنة 1960 ، والذي انتهج سياسة تخدم مصالح الأقلية، والتي تتنافي مع الديمقراطية والاشتراكية التي يتوخاها. ولا نتجاهل حديث المهدي عن “رئيس الدولة ” وليس “مولانا السلطان أو الملك” !!

لقد أثبتت قضية التعليم حسب صاحب “الاختيار الثوري” أن الديمقراطية المزعومة لم تكن إلا يافطة وواجهة تعرض للسياح عوض أن تكون ” حقيقية تفتح في وجه الجميع حظوظ التقدم والثقافة ، وهي تستلزم نظام للمجتمع يقوم على تغيير جذري لأسس بنائه لا مجرد تعديل دستوري يفرض من أعلى وفي غيبة من الممثلين الحقيقيين للشعب ” .نلاحظ أن أصالة طرح بن بركة تكمن في نقده للوضع السائد بعد الدستور أي من 1962 إلى 1965 تاريخ اختطافه ، وبعدما أصبحت كلمة الديمقراطية ، بل وحتى الاشتراكية تستخدم لدى الجميع تقريبا ، فقد وجب تحديد مدلولها بدقة ليتبين تصور كل طرف على حدى. وذلك رغم أن بن بركة يقبل المسلمة التي لا تجعل من الوثيقة الدستورية المفتاح السحري لمشاكل الشعوب ، حيث نجده يوضح: ” وكذلك الأمر فيما يرجع لتحقيق الديمقراطية في الحياة العامة ، فمعناها بالنسبة إلينا هو البحث عن الذين يمسكون بأيديهم حقيقة السلطة من أجل إخضاعهم للإرادة الشعبية أي أنها لا تعني مجرد المبادرة بانتخابات تبقي السلطة بيد القابضين عليها خلف واجهة برلمانية شكلية…إن تحقيق الديمقراطية يستلزم سلسلة من التدابير الجذرية ومن ضمنها إصلاح المجالس القروية والبلدية التي يجب أن يبدأ من القاعدة ويقوم على أساس احترام الإرداة الشعبية “.

يبدو أن تجسيد المشروع السياسي الديمقراطي يتخذ هنا طابعا إجرائيا أو تقنيا في المستوى الأدنى عبر الانتخابات لكن روحه تبقى هي تفعيل وضمان الرقابة الشعبية على ممارسة السلطة ، وفق المفهوم المعاصر للإرادة العامة، وما دام كل مشروع لابد وأن يعلن عن الغايات القصوى من تنفيذه ، فإن بن بركة يصرح بوضوح وفي إطار الأفق المنشود أن ” تلك هي الخطوط الرئيسية لمحتوى الحل الانتقالي الذي لن يكون إلا مرحلة في برنامجنا السياسي وان هدفنا الأقصى لا يمكن أن يكون إلا بناء المجتمع الاشتراكي في المغرب “.

يميز بن بركة كقائد سياسي إذن بين التكتيكي والاستراتيجي في الممارسة السياسية ، وهنا يتجلى الحس العملي والبرغماتي لبن بركة ، والواقعية التي جعلته يقر بأن النظام قد انتصر في انقلابه على السلطة سنة 1960 ، وهو الانقلاب الذي صفى ، حسب المهدي، ما تبقى من مظاهر المشاركة الشعبية في الحكم ، رغم أن ذلك الانقلاب كان نتيجة لضغط “الجماهير” التي فرضت على الحكم اتخاذ أسلوب القسر والتحكم وإماطة القناع عن وجهه وأن يظهر على حقيقته حسب بن بركة. وبه ينطلق من تشخيصه للواقع أو ما يسميه “بالنظام القائم” قبل عرض تصوره للمسألة الدستورية.

ينبهنا بن بركة إلى خطا شائع في الحديث عن طبيعة النظام السياسي في المغرب المستقل،إذ ” يظهر أن اقتصارنا على وصف أسلوب الحكم ومواطن ضعفه العديدة جعلنا نستغني عن تحليل سياسي عميق لأصوله، فإذا كان صحيحا أن نظام الحكم في المغرب هو الحكم الفردي فإن هذا التعريف وحده لا يكفي، ما لم نوضحه بتحليل متطلباته الداخلية والخارجية . فإن الاكتفاء بالحديث عن الحكم الفردي قد يفيد استقلال هذا الحكم في اختياراته السياسية بينما نحن نرى مطابقة واضحة وبسيطة لسياسة النظام مع خطة الاستعمار في بلادنا ” . إن النظام وجه داخلي للمستعمر إذن وهذه حقيقة واضحة وبسيطة، وبالتالي يقينية وفق المنهج الديكارتي الذي لاشك يستبطنه بن بركة.

وبذلك فحيث أنه نظام لا يعتمد على ثقة الجماهير الشعبية والتفافها الإرادي حوله ، فإنه محكوم عليه ، بأن يبقى تحت رحمة العون الخارجي وأن يظل معتمدا في الداخل على عناصر أقل ما يقال عنها بأنها فاقدة لكل فعالية وهي الأجهزة العليا والمتوسطة إلى جانب الجيش والشرطة ، وهذا حسب تشخيص بن بركة لأسس استقرار النظام السياسي طبعا.وهي الأسس التي شكلت موضوع عدة أبحاث بعد الاستقلال خاصة مع جون واتربوري وريمي لوفو وعبد الله الحمودي، وعلى حد علمنا لم يمنح أي منهم أهمية مثل بن بركة للعامل الخارجي في دعم استقرار النظام، لأن فرضياتهم بنيت على أساس أن السياسة المغربية تصاغ في الداخل كما صرح واتربوري !!

ورغم ذلك يتفق هؤلاء ضمنا أو صراحة مع تشخيص بن بركة لموقع ودور البورجوازية، والتي اتهمها هذا الأخير بالتقاعس لضعفها كما ونوعا ، وخوفها من الحركة العمالية وزحف الجماهير الشعبية مما جعلها حسبه تستسلم للإقطاع والاستعمار الجديد ، ” ونحن نرى نتيجة لذلك الموقف المتخاذل للمتكلمين باسمها في المسألة الدستورية مع أن مصلحتها الطبقية كانت تفرض عليها الوقوف في وجه سيطرة القوة الحاكمة وبذلك فقد حكمت على نفسها بالعبودية والتبعية بدون قيد ولا شرط ” . وبه لم يكن ممكنا الرهان على هذه البورجوازية لدعم المطلب السياسي ، وتبقى “القوات الشعبية” والمقصود به العمال والفلاحين وأعضاء المقاومة والحرفيين وصغار الموظفين وحدها الفئات التي يمكن الرهان عليها لتبني هذا الخيار…

لا يهمل بن بركة التأكيد على أن أي حكومة مسؤولة لابد وأن تكون لها كامل السلطة التنفيذية ، ذلك أن هذا هو المبدأ الذي بدون احترامه ستكون الحكومة إسما بلا مسمى ، وبه يجب ” أن تكون بيد الحكومة سائر وسائل السلطة وبالأخص الجيش والشرطة والدرك ، الذي كان القصر يعمل على احتكارها”. ولعل الصراع الذي دار بين الملك والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وقبله الاستقلال امتد أيضا إلى أسلوب الاقتراع في انتخابات المجالس المحلية حيث فرض القصر نمط الاقتراع الفردي بدل اللائحة مما نتج عنه عودة الإقطاع والرجعيين إلى المشهد حسب بن بركة. في حين أن النتيجة البديهية لمفاوضات “ايكس ليبان” حسبه كانت بالنسبة للحزب هي حدوث ” مراجعة كاملة للجهاز السياسي والإداري في البلاد لا فحسب لان ذلك كان هو المطلب الشعبي الأول قبل أن توضع المسألة الملكية سنة 1953 ، بل ليتسنى تحديد المسؤوليات دون تأخير …إلا أن خطة السلطات الاستعمارية نجحت في أن تجعل قضية السيادة المغربية وكأنها تتلخص في رجوع الملك كرمز لهذه السيادة ” . وهنا يتضح بأن بن بركة كان ورفاقه يتوقعون إعادة بناء جذرية لنظام الحكم الذي خلفته فرنسا لفك الارتباط بها من جهة ، ولبناء نموذج مجتمعي جديد كما نظّر له بن بركة نفسه من جهة أخرى. كما لاحظ أن النظام والإقطاع المتحالف معه نجحا في إبعاد النظر والنقاش حول المسألة الدستورية ، وهو ما يفسر كيف أن الحكومات كانت تتعاقب ، فتتشكل ثم تحل دون الخضوع لأي قاعدة مستقرة، كما كانت الأحزاب السياسية توضع في مستوى واحد ، الحقيقي منها والمزيف حسب بن بركة ، وذلك بمبرر أن فقدان المقاييس مرده إلى ضرورة مواجهة كبريات القضايا الوطنية ، ” وأنه لم يحن بعد موعد الديمقراطية، وأدهى من ذلك أن خصوم الديمقراطية كانوا يستعملون ضدنا بعض نظرياتنا في الديمقراطية الواقعية مدعين أن المشكلة الدستورية إنما هي مشكلة شكلية لا تحل جوهر المشاكل الاقتصادية والاجتماعية “. وفي استمرار لجدل الكائن والممكن ، يستمر بن بركة في تشخيصه لحالة النظام وموقع حزبه ضمنه ومواقفه من الأحداث الجارية في تلك الفترة ، وهنا يقر بأن القصر قد استفاد من الثورة المصطنعة للإقطاع على كيان الدولة ، ويقصد تمرد عدي وبيهي عامل تافيلات والريف، وذلك للضغط على الحزب للتعاقد معه على تأسيس حكومة عبد الله ابراهيم مع تنحية المطلب الدستوري جانبا، وكعادة القادة الواقعيين يعترف بن بركة بذلك الخطأ قائلا: ” يحق لنا اليوم أن نتساءل إلى أي حد لم نكن مخطئيين في تجميد المطلب الدستوري ، حتى أظهرت التجربة بعد سنتين بصفة قاطعة أنه يستحيل إنجاح أي إصلاح في دارة الحكم المطلق القائم”. ليس ذلك وحسب ، بل إن أهمية الدستور تجعل من توضيح موقف الحزب منه أمام الشعب أمرا ضروريا ، فلا يجب حسب بن بركة ترك الناس يعتقدون بأن كلمة دستور هي بمثابة كلمة سحرية تحل سائر المشاكل ، ففي رأيه يتعين على الدستور حتى لا يكون شعارا مضللا أن يضمن ممارسة الحريات العامة ممارسة فعلية تمكن من تتبع السلطة ومراقبتها وأن يضمن كذلك الحيلولة دون تأثير المصالح الخاصة في السياسة الوطنية ، ” والمهم فيما يخصنا هو أن يعرف الدستور مختلف السلطات ويحدد مسؤولياتها أمام الشعب وأن يقيم مؤسسات شعبية صحيحة ، فالقرينة الدستورية إذن إنما هي جزء من المشكلة الديمقراطية لأنها تطرح مسألة تنظيم الجماهير وتعبئتها كأضمن وسيلة لفرض تحقيق هذا المطلب الشعبي “، وذلك لأن الخلاف بين الحزب ، حسب بن بركة ، والنظام لا يختزل في المسألة الدستورية ، مادام الدستور ليس سوى إطارا للعمل ووسيلة إضافية للمزيد من تنظيم الجماهير وتعبئتها ضد الاستعمار الجديد ، وبه فما يحدد موقفهم من النظام أكثر من غيره هو الموقف من الاستعمار…

وهنا نلاحظ أن بن بركة وكما ربط في تشخيصه بين الوضع الداخلي والخارجي ، يربط في مشروعه بين المهام الداخلية ومواجهة الامبريالية أو ما يسميه “بالاستعمار الجديد” ، وهذا هو الأفق الثوري الذي اقترحه لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وهو الأفق الذي يشكل غاية المهام الواجب إنجازها في الميدان الديمقراطي لمحاربة الإقطاع والاستعمار الذي يدعمه ، وهو ما يعني حسب بن بركة الاتجاه نحو الاشتراكية ، ” ومعنى ذلك من الوجهة الفنية أن كل محاولة لتحقيق التنمية في البلاد في إطار الاقتصاد الليبرالي كالتي يقوم بها النظام حاليا دون الإفصاح عنها مآلها الفشل لا محالة “. والواقع أن بن بركة يشير إلى الدلالات العديدة التي أصبحت تعطى لمفهوم الاشتراكية بل وتمييع مدلوله إلى جانب مفهوم الديمقراطية، حتى من طرف اليمين كما سبق ذكره، وهو ما جعله أيضا يقدم تدقيقا للنموذج الاشتراكي الذي يرغب في بنائه في المغرب قائلا: ” إن مضمون الاشتراكية العلمية عندنا يقتضي حلا لمشكلة الحكم بإقامة مؤسسات سياسية ، تمكن الجماهير الشعبية من رقابة ديمقراطية على أجهزة الدولة وعلى توزيع ثرواتها وإنتاجها القومي، وأسسا اقتصادية لا تترك أي مظهر من مظاهر سيطرة الاستعمار ولا لسيطرة حليفه الإقطاع والبورجوازية الكبرى الطفيلية” . والملاحظ هنا أن أهم ما يأخذه بن بركة من الاشتراكية هو مضمونها الاجتماعي خاصة العدالة الاجتماعية القائمة على أساس حسن توزيع الثروات في إطار اقتصاد متحرر من كل تبعية للرأسمال الخارجي ، أو احتكار داخلي من طرف أقلية من الإقطاعيين والبورجوازيين الطفيليين الذين يمثلون الوجه الداخلي للاستعمار المتحالف مع وجهه الخارجي عبر حلقة نظام الحكم القائم الذي يصفه بن بركة بأنه فردي ومطلق بعد استقلال البلاد السياسي.

ولعل الطابع الإصلاحي أو البرغماتي لبن بركة يتجلى في إعلانه الاستعداد التام للحزب للتعاون مع أي جهة كانت في البلاد لتنزيل هذا المشروع ولو كان القصر نفسه !! ف ” مثل هذا البرنامج صالح لكي يكون إطار عمل مشترك مع الهيئات السياسية الأخرى ، بل مع الحكم نفسه ، وهو في نفس الوقت سيقوم بدور ولادة الرافعة التي ستغير أسس الحكم لأنه لا يعقل أن يسير معنا النظام في خط هذا البرنامج دون أن ينقلب رأسا على عقب “، ولعل هذا ما يؤكد شهادة محاميه التي عرضناها سابقا من كون مشروع بن بركة يبقى إصلاحيا أكثر منه ثوريا ، ما دام يؤمن بإمكانية الإصلاح من الداخل تدريجيا، بغض النظر عن مدى السلطة التي أراد منحها لممثلي الشعب من جهة وللملك كرئيس للدولة كما كان يحلو له تسميته من جهة أخرى. فالواضح أنه لم يعبر عن نوايا جمهورية على الأقل بشكل صريح.

إن ما يهم بن بركة هو ما سمّاه “بالديمقراطية الواقعية ” ، والتي تقوم على مشاركة الشعب الحقيقية عبر المجالس القروية والبلدية ومجلس وطني منتخب يراقب تطبيق بنود الدستور ويراقب سير الحكومة ويحاسبها على أخطائها  إذا ما ارتكبت أخطاء ويحقق التوازن بين الحاكمين والمحكومين ، وهذا التصور نقله أيضا إلى رجال السلطة أنفسهم وليس للمناضلين في الحزب أو المتعاطفين معه ، فقد أكد في محاضرة ألقاها في فوج  جديد من رجال السلطة المتخرجين من مركز التكوين التابع لوزارة الداخلية أن الوقت قد “حان لجعل مفهوم الحدود الترابية يحل محل مفهوم الحدود القبلية ، وبذلك لن تبقى روابط الدم والنسب التي كانت توحد أعضاء القبيلة ، هي وحدها السائدة. بل ستقوم إلى جانبها روابط جديدة لا تقل عنها مفعولا ، فضلا عن أنها أكثر منها تجاوبا مع معطيات العصر ، إن “الجْماعة” القديمة ستتحول إلى الجَماعية القروية “.هذه الوحدة الترابية البسيطة تقوم على أساس الحقائق الجغرافية والإنسانية والدينية والسياسية ، وحيث سيصبح ” السوق” نواة مركزية بالقرية كما أن الشيخ سيعوّض برئيس منتخب من المجلس الجماعي ، ولن يبقى عونا من أعوان السلطة ، وبذلك سنؤسس لحياة ديمقراطية حقيقية تقوم على اللامركزية والتسيير الذاتي مما سيمكن الجماعة سواء القروية أو الحضرية من إنجاز التقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتصدي لما قد يصيب الإدارة من تباطؤ وتراخ، وهذا هو الدور الذي أراده المهدي بن بركة للمجالس المنتخبة ، أدوات للدمقرطة والتنمية.

وبه يمكن القول بأن رؤية بن بركة لطبيعة الحكم في البلاد قد اتضحت ، بل لم يترك مسألة تنزيل هذه الرؤية السياسية للصدفة ، إذ حدد بدقة فائقة كيفيات وشروط تحقيق هذا المشروع المجتمعي ، والذي ينطلق من برامج قطاعية جزئية لكن يجب أن يصب في غايات عامة كالعدالة الاجتماعية وإقرار الديمقراطية بمضمونها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الحقيقي، ليس على المستوى المركزي أو الوطني فحسب ، بل على المستوى القاعدي ، وذلك لكي تخدم هذه الديمقراطية مصالح أوسع الفئات الاجتماعية ، وتحديدا ما يسميه المرحوم بن بركة بالقوات الشعبية أو الجماهير الكادحة والتي كان يعتبر نفسه ناطقا باسمها، وكانت تعتبره كذلك، خاصة في مغرب ما بعد الاستقلال السياسي. 

عن موقع 

لكم 



قرارات اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية حول مقاطعة الاستفتاء

 قرارات اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية 

حول مقاطعة الاستفتاء

إن اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي اجتمعت يوم 14 نوفمبر 1962 بالدار البيضاء.

بعدما حللت الوضعية التي نشأت عن قرار الحكم المطلق بالقيام باستفتاء في موضوع دستور مصنوع، طبخ في الخفاء وبمساعدة فنيين أجانب في خدمة الاستعمار القديم والجديد.

وبعد ما درست النتائج التي ستنجم عن هذه العملية المزدوجة سواء على الصعيد الوطني

أو بالنسبة لمجموع المغرب العربي.

– تنبه إلى أن ما يسمى بالاستفتاء في نطاق نظام الحكم الفردي الإقطاعي القائم منذ سنة 1960، إنما هو عملية منافية من أساسها للديمقراطية وشكل من أشكال الاختلاس السياسي.

إن الحكم المطلق الذي استحوذ منذ ماي 1960 على الشؤون المالية والاقتصادية وسيطر على الجيش والشرطة وإدارة الشؤون الخارجية والداخلية جاد في تجنيد كل هذه الوسائل للضغط على الشعب المغربي حتى يتأكد سلفا من نجاح العملية، وهو لذلك ساهر منذ بضعة شهور على تعيينات جديدة وتنقلات وإقالات في سلك رجال السلطة المدنية والعسكريين على اختلاف درجات سلم الإدارة حتى يتم تنصيب جهاز إداري قادر على تلبية رغائب الحكم من وراء الاستفتاء.

وعلاوة على ذلك فإن الظهير المتعلق بتنظيم الاستفتاء الدستوري يترك لرجال السلطة في الأقاليم وفي الإدارة المركزية المجال واسعا للتصرف المطلق-وعمليا بدون رقابة- في النتائج الجزئية للاقتراع خاصة بعد إحراق أوراق التصويت حتى يستخلص النظام لنفسه النتائج التي يريدها على الصعيد الوطني.

وإن اللجنة المركزية لتؤكد أن الغرض من عملية الاستفتاء في الظروف المذكورة أعلاه هو في الحقيقة تزكية لدستور وضع لتقنين نظام الحكم الفردي المطلق.

فلا يمكن للشعب المغربي الذي لم يشارك في أية مرحلة من مراحل وضع الدستور المزعوم أن يقول كلمته بصفة مجملة وبدون اطلاع تام على تفاصيل نص قانوني يحتوي على شتى البنود التي يتطلب عادة كل بند منها مداولة خاصة ودراسة فنية.

ومن جهة أخرى فبينما كان مشروع الدستور يحضر في الخفاء عمد النظام الإقطاعي إلى الزج بالبلاد في طريق التبعية التامة للاستعمار الجديد في الميادين الاقتصادية والاجتماعية بل وحتى العسكرية.

وهكذا يعمل الحكم القائم على تدعيم الدستور الذي وضعه لتركيز نظامه الرجعي بميثاق يقيد علائقنا الخارجية ولا يرمي فقط إلى عرقلة سير الشعب المغربي في سبيل إقامة نظام ديمقراطي واشتراكي بل وكذلك إلى إحباط بناء المغرب العربي، ويبلغ احتقار الحكم القائم للشعب المغربي إلى أن يرهن مصير البلاد دون أن ينتظر -ولو شكليا- تنصيب المؤسسات التي سينص عليها الدستور المصنوع.

وقد برهن الحكم المطلق على مزيد استخفافه بالشعب المغربي عندما أقدم أخيرا على إصدار ظهير يدخل تغييرات جوهرية على قانون المسطرة الجنائية بدون أن ينتظر تطبيق دستوره ذلك، إن هذا الظهير يلغي بجرة قلم الضمانات القضائية التي كانت مقررة من قبل ويعرض المواطنين لتحكم الشرطة وتصرفها المطلق يعلن عن عزم الحكم على سلوك سبيل القمع بكيفية مدبرة، وهذا وحده عربون عما يسمونه بالنظام الدستوري الذي يهيأ للمستقبل.

الحيثيات العملية لقرار اللجنة المركزية حول مقاطعة الاستفتاء

ولهذا فإن اللجنة المركزية التي تؤكد تشبتها بالخطة السياسية المقررة في المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

– تعتبر أن كل مشاركة والحالة هذه سواء بنعم، أو، لا. لا معنى لها ولا نتيجة من ورائها سوى استسلام الجماهير الشعبية وتنازل الشعب المغربي الذي هو مصدر السلطات.

– أولا: عن حقه المقدس في وضع دستوره بواسطة نوابه المنتخبين.

– وثانيا: عن مطامحه في التحرر الاقتصادي والاجتماعي ومحاربة

التخلف الاقتصادي والاستعمار الجديد.

وتقرر اللجنة المركزية تعبئة سائر المناضلين وإطارات الجماهير العمالية والفلاحية لتنظيم مقاطعة الاستفتاء المقرر حتى تتخلص الجماهير الشعبية من أساليب الضغط والتهديد التي يريد استخدامها ضد الشعب أعوان الحكم القائم.

وتتوجه اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى سائر المواطنين مخاطبة ضميرهم الوطني وشعورهم بالكرامة لكي يؤلفوا جبهة وطنية ضد الاستفتاء الدستوري الذي إنما هو مناورة تضليلية وعملية تزييف سياسي.

من اللجنة المركزية الكتابة العامة

 

الدار البيضاء 15 نوفمبر 1962

 


الاثنين، 21 ديسمبر 2020

معاناة عائلات الشهداء والمختطفين والمعتقلين السياسيين /غيتة بناني زوجة المهدي بنبركة

معاناة عائلات الشهداء والمختطفين والمعتقلين السياسيين /غيتة بناني زوجة المهدي بنبركة: معاناة عائلات الشهداء والمختطفين والمعتقلين السياسيين /غيتة بناني زوجة المهدي بنبركة


المهدي والحسين يقتحمان الجموع

المهدي والحسين يقتحمان الجموع: المهدي والحسين يقتحمان الجموع


رشيد سكيرج: رحيل المغربي الذي كشف تفاصيل التعذيب و...

 رشيد سكيرج: رحيل المغربي الذي كشف تفاصيل التعذيب و...:   رشيد سكيرج: رحيل المغربي الذي كشف تفاصيل التعذيب والاغتيال في سجون الحسن الثاني السرية وعجز أوفقير والدليمي عن اغتياله  .. رش...


هذا هو الشخص الذي قتل المهدي بنبركة ولهذه الأسباب

 هذا هو الشخص الذي قتل المهدي بنبركة ولهذه الأسباب: هذا هو الشخص الذي قتل المهدي بنبركة ولهذه الأسباب  .. هذا هو الشخص الذي قتل المهدي بنبركة ولهذه الأسباب — 21 أغسطس, 2016 ...


بيان صادرعن عائلة المهدي بن بركة و المحامي موريس ب...

 بيان صادرعن عائلة المهدي بن بركة و المحامي موريس ب...: بيان صادرعن عائلة المهدي بن بركة و المحامي موريس بيتان على إثر الشكاية التي تقدم بها ميلود التونزي ًالشتوكي ً عائلة بنبركة تواجه تهمة &...


يوسف الطاهري: الحسن الثاني دبر عملية اغتيال بنبركة...

 يوسف الطاهري: الحسن الثاني دبر عملية اغتيال بنبركة...: October 12, 2015 يوسف الطاهري: الحسن الثاني دبر...



رفاق رفيقات النهج الديموقراطي ...المهدي بن بركة يب...

 رفاق رفيقات النهج الديموقراطي ...المهدي بن بركة يب...: ............................. Abdella Birdaha حينما يبدع نور الدين ا...


الأحد، 20 ديسمبر 2020

لهذه الأسباب تخبئ فرنسا أسرار اختطاف بنبركة

 لهذه الأسباب تخبئ فرنسا أسرار اختطاف بنبركة

نشر في المساء يوم 21 - 12 - 2008

مرت 43 سنة دون أن يتم الكشف عن الحقيقة كاملة حول مصير المعارض المغربي المهدي بنبركة ومكان دفن جثمانه، ودون معرفة أي شيء عن هوية مخططي ومنفذي الجريمة والمشاركين فيها، وذلك بالرغم من إقدام السلطات الفرنسية قبل أربع سنوات على رفع ما يسمى ب«أسرار الدفاع» عن بعض الوثائق المرتبطة بالملف، وبالرغم أيضا من فتح تحقيقات وإنابات قضائية متتالية، كان آخرها انتداب قاضي التحقيق الفرنسي، باتريك راماييل، الذي حل بالمغرب للتحقيق في قضية المهدي بنبركة، والاستماع إلى عدد من الشهود وزيارة المعتقل السري بالرباط المسمى «دار المقري» والمعروف ب P.F.3.
غير أن قاضي التحقيق المغربي، الذي عينه وزير العدل، أجهض عملية التحقيق قبل ولادتها عندما رد على القاضي الفرنسي رماييل بأن عناوين الشهود والمعتقل السري «PF3» غير معروفة، في حين أن أغلب الشهود لا زالوا يحتلون مراكز نافذة في أجهزة الدولة، وعناوينهم الخاصة ووظائفهم معروفة، كما أن أجهزة الأمن والمئات من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان يعرفون موقع هذا المعتقل السري.
يد إسرائيلية
بن بركة الذي أصدرت إحدى المحاكم المغربية في حقه حكما بالإعدام غيابيا بتهم تبدأ بالتآمر على النظام المغربي وتصل إلى الخيانة العظمى والمساس بأمن الدولة، تعرض يوم 29 أكتوبر 1965 للاختطاف في واضحة النهار وسط العاصمة الفرنسية باريس، ولم يظهر له أثر بعد أن تم اغتياله من طرف عدة جهات لم يتم الكشف حتى اليوم عن مصدرها أو هويتها. وإذا كانت أصابع الاتهام تتجه أساسا نحو المخابرات المغربية ونظيرتها الفرنسية، فإن مصادر، تعتبر نفسها ذات دراية بخبايا الملف، ترجح أن يكون للاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية ضلوع واسع في هذه القضية على اعتبار الدور الرائد الذي اضطلع به بنبركة كواحد من زعماء حركات التحرر العالمية، المتضامنين آنذاك مع الأنظمة الثورية في البلاد العربية وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولا تستبعد هذه المصادر أن تكون خطة اختطافه واغتياله قد وضعت من لدن أجهزة فرنسية مغربية مع مساعدة تقنية أمريكية إسرائيلية.
وكانت محكمة فرنسية قد أدانت عام 1967 ضابطين في الشرطة الفرنسية وحكمت عليهما بالسجن سنتين لضلوعهما في عملية الاختطاف، إلا أن القضاء الفرنسي اعتبر أن المتهم الرئيسي في القضية هو الجنرال محمد أوفقير، وزير الداخلية آنذاك.
قضية مخابرات
وفي سياق مماثل، يحكي بيرنار فيولي في كتابه «قضية بن بركة»، الصادر عن دار النشر فايار سنة 1991، أنه عندما اختطف بنبركة بقلب باريس من طرف الشرطيين الفرنسيين لوي سوشون وروجي فيتوت، فإنه تم اقتياده إلى منزل جورج بوشسيش وهو من بين العملاء الذين استقطبتهم المخابرات الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. وكان بوشسيش هو أول عميل للمخابرات الفرنسية التحق بالمغرب بعد ثلاثة أيام من عملية الاختطاف، أي في الفاتح من نونبر 1965، مما يؤكد، حسب المحامي بوتان، أن المجرمين كانوا يساومون مشاركتهم في العملية بالحصول من أوفقير وأجهزة الاستخبارات المغربية على امتيازات مادية من بينها امتلاك بعض الفنادق بالدار البيضاء إلى جانب فندق سفانكس بالمحمدية، وكلها كانت محلات للرذيلة والدعارة. وقد غادرت السيدة بوشسيش المغرب سنة 1972 ولم تعد إليه بعد أن منعت من الدخول بقرار من السلطات الأمنية المغربية آنذاك. وكان القاضي الفرنسي، باتريك راماييل فجر قضية بنبركة من جديد عندما قام في السنة الماضية بإصدار مذكرة للقبض على خمسة أشخاص يشتبه في تورطهم في عملية اختطاف واغتيال المعارض المغربي، من بينهم الجنرال حسني بنسليمان، المسؤول الحالي عن الدرك الملكي الذي كان يشتغل في ديوان أوفقير عندما تم اغتيال بنبركة. وتعتبر الصحافة الفرنسية الجنرال بنسليمان «واحدا من الأوفياء للمؤسسة الملكية المتبقين ضمن الأجهزة الأمنية التي كانت لها مسؤولية في جريمة الاغتيال قبل أن يدخل عليها الملك محمد السادس تغييرات واسعة».
وتهم المذكرة الدولية التي أصدرها راماييل، إلى جانب الجنرال بنسليمان الذي كان ملحقا بديوان أوفقير سنة 1965، كلا من الجنرال عبد الحق القادري المسؤول سابقا عن الإدارة العامة للدراسات والمستندات، وميلود التونسي الملقب بالعربي الشتوكي الذي يشتبه في مشاركته في اختطاف بنبركة، والممرض بوبكر الحسوني ثم عبد الحق العشعاشي اللذين كانا يعملان في الوحدة الاستخبارية الكاب1.
وبإصداره مذكرة القبض بتزامن مع زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للمغرب، كان القاضي راماييل يسعى إلى وضع السلطات المغربية ونظيرتها الفرنسية أمام مسؤولياتها، وخاصة وزارة العدل الفرنسية المدعوة إلى تحمل العواقب التي قد تترتب عن رفضها تبليغ المذكرة عبر القنوات الدبلوماسية لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حق المشتبه في تورطهم في الاغتيال. غير أن وزارة العدل الفرنسية لم تعط أي أهمية لمذكرات القاضي رماييل بدليل أن الجنرال بنسليمان سافر إلى بكين خلال الألعاب الأولمبية الأخيرة من دون أدنى مضايقة قضائية من طرف الشرطة الدولية، الأنتربول، وهو ما أثار استغراب الدوائر القضائية الفرنسية ومعها وكيل أسرة بنبركة، المحامي موريس بوتان، الذي لم يخف استياءه من تستر السلطات القضائية الفرنسية ب«المصلحة العليا للدولة». وتكون فرنسا، حسب بعض المصادر، بهذا التعامل غيرالجدي مع مذكرات القاضي الفرنسي قد وجهت إشارة واضحة إلى أسرة الفقيد وكل المعنيين بهذه القضية وهي أن فرنسا لا مصلحة لها حاليا في الذهاب بعيدا في قضية اغتيال المهدي بنبركة، أي أن الاستماع إلى الشهود وملاحقة الجناة، سواء في المغرب أو فرنسا، لا يدخل ضمن أجندتها حاليا.
تهميش الملف
وقد أكد البشير بنبركة، في تصريح مقتضب ل»المساء» بمناسبة «يوم المختطف» الذي يخلد ال29 من أكتوبر لذكرى اختطاف واغتيال أحد رموز النضال التحرري أن «القاضي الفرنسي طلب منذ أربع سنوات، وأعاد الكرة وبإلحاح قبل سنتين، من السلطات القضائية المغربية الاستماع إلى الأشخاص الخمسة المشتبه فيهم بشكل من الأشكال بحكم مناصبهم آنذاك أو بحكم تواجدهم في مكان الجريمة. «فهؤلاء، يقول نجل بنبركة، يتوفرون على معلومات ستفيدنا في معرفة بعض جوانب الحقيقة، غير أنه قيل لنا إن القضاء المغربي لم يتمكن من الحصول على عناوين هؤلاء الأشخاص، كما قيل لنا أنه يجب انتظار إنهاء أعمال أشغال هيئة الإنصاف والمصالحة، لكن الذي وقع هو أن هذه الهيئة أنهت أعمالها بتهميش ملف المهدي بنبركة، ولم يتم الاستماع إلى الأشخاص الخمسة»، مشيرا إلى أنه قيل لنا أيضا أنه يجب انتظار إنهاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لتحرياته.
أربعة أفلام أجنبية بحقائق غير مكتملة في قضية بنبركة
تناولت أربعة أفلام قضية المهدي بنبركة وأعادتها إلى الواجهة بمختلف تداعياتها. من هذه الأفلام ما أنجز على شكل أشرطة روائية مثل «الاغتيال» للمخرج إيف بواسي (1972)، ومنها ما استوحى من القضية شريطا وثائقيا «المهدي بنبركة : المعادلة المغربية»، للمخرجة الإسرائيلية المعادية للصهيونية، سيمون بيتون، التي رأت في الجدل حول قضية الاختطاف محاولة لحجب النظر عن شخصية بنبركة ومكانته على الساحة السياسية بصفته واحدا من قادة التحرر والوطنية في العالم الثالث ومنها أيضا ما مزج بين الروائي والوثائقي مثل شريط «رأيت بنبركة يقتل» للمخرج الفرنسي سيرج بيرون، الذي قدم مقاربة أكثر شمولية عن خلفيات مؤامرة تصفية بن بركة.. ومنها أخيرا ما أنجز على شكل دراما تلفزيونية «القضية بن بركة»، من إنتاج «فرانس تلفزيون» وإخراج جان بيار سينابي. وكان الفيلم قد عرض مؤخرا في مهرجان روما للدراما، في نسخة سينمائية (120 دقيقة).
جميع هذه الأفلام من إخراج وإنتاج أجنبيين، ولا يعرف عنهما المواطن سوى ما يصله من بعض وسائل الإعلام من تعاليق تلامس الحدث من زاوية التعامل الذكي والحساس مع القضية، وليس من منظور النفاذ والغوص في تفاصيلها وأسرارها. من هذه الأفلام ما استحسنته عائلة بنبركة واعتبرته دعامة كبيرة للمسار النضالي للراحل بنبركة، ومنها ما قوبل باستنكار وتنديد قويين من لدن الإبن الأكبر، البشير بنبركة، الذي رأى فيها تشويها للحقائق التاريخية وحاجزا إضافيا في وجه التحريات الجارية للوصول إلى الحقيقة والكشف عن كل الجهات التي تتقاسم مسؤولية الاغتيال.
وإذا كان الهدف من بعض هذه الأفلام، ومن بعض ما كتبته الصحافة الأجنبية عن تعامل بنبركة مع أجهزة استخباراتية شرقية هو كما يقول البشير، إفراغ عملية الاختطاف والاغتيال من كل جوانبها السياسية والتآمرية وإخراجها من خانة القمع المنهجي الذي طال لعقود قادة التنظيمات اليسارية، فإن عائلة الفقيد هي الأخرى لم تكلف نفسها يوما عناء الشروع في إنجاز عمل فني كبير، على شكل شريط روائي أو توثيقي، يعطي مقاربة مكتملة عن خلفيات الاغتيال، ويقدم إلى المغاربة وليس إلى الأوربيين فقط، إجابات شافية عن مصير بنبركة وضحايا الاختفاء القسري بشكل عام. هل ستظل عائلة الفقيد تقتصر كل سنة على تخليد «ذكرى المختطف» في الحي اللاتيني، سان جرمان أونلي بباريس، تلتقط عدسات التلفزيون الفرنسي بعض تفاصيلها وتنتهي الذكرى بانتهاء المدة الزمنية المخصصة لها من قبل السلطات الفرنسية. يتساءل مصدر مقرب من العائلة قبل أن يضيف: «أليست شخصية من حجم المهدي جديرة بعمل إبداعي كبير يؤرخ لفصول النضال الوطني وسنوات الجمر التي اكتوى بلهيبها كل من تجرأ على النبش في المحرمات؟». أما عن أصدقائه وعن المنظمات السياسية التي ناضل في كنفها، فلا رجاء ولا أمل، يقول المصدر ذاته. ويتابع مصدرنا حديثه: «فلا حزب الاستقلال الذي نما الشهيد وترعرع في أحضانه، ولا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي كان من مؤسسيه، ولا أيضا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي خرج من رحم الاتحاد الوطني، راودتها فكرة التأريخ لقضية مازالت تصنع الأحداث إلى يومنا هذا، من خلال الروايات والشهادات وانعكاسات مسار المغرب السياسي الراهن».


الحسن الثاني، أوفقير والآخرون.. من اتخذ قرار اختطاف المهدي بنبركة؟

 الحسن الثاني، أوفقير والآخرون.. من اتخذ قرار اختطاف المهدي بنبركة؟


حسب بوتان، إن تصريحات الحسن الثاني لا تعفيه من المسؤولية في «القضية». إذ صرح الدكتور كليري، في دجنبر 2005، أثناء الاستماع إليه من قبل القاضي راماييل:أن «الاختطاف تقرر في اجتماع عقده مع أَوْفى المساعدين، وهذا ما حكاه لي الجنرال مولاي حفيظ. حضر الاجتماع، الجنرال مولاي حفيظ، كل من أوفقير وشخصين آخرين أجهل اسميهما. (...) وساعات بعد الاختطاف، قال لي نفس مستشار الملك شخصيا: انتهى بن بركة، لقد قبضنا عليه».
هكذا، يضيف المحامي، فالحسن الثاني يتحمل أمام التاريخ، مسؤولية كل ما كان يمكن أن يحصل لزعيم المعارضة. أما الظروف التي أحاطت باتخاذ مثل هذا القرار، فهي: الاتصالات مع سفارة فرنسا بالرباط لطلب «استرجاع» المهدي بن بركة من طرف المخابرات الفرنسية، سقوط بنبلة، تنظيم مؤتمر القمة العربي بالبيضاء، إرادته في أن يبرز للعالم أنه «السيد: الوحيد في المغرب وذلك قبيل انعقاد مؤتمر القارات الثلاث ... الخ».
وبعد عملية الاختطاف، يضيف بوتان، هناك عدة وقائع تؤشر على المسؤولية المؤكدة للدولة، حيث صرحت كذبا حول توقيت علمها بالجريمة، البطء في مطالبة فرنسا بكشف كل ملابسات اختطاف المواطن والزعيم المغربي الأكثر شهرة في العالم، الاختطاف الذي حصل في قلب باريس. ويضيف الكاتب إلى هذا مقتطفا من كتاب «ذاكرة ملك» قال فيه الحسن الثاني إن الندوة الصحفية التي عقدها الجنرال ديغول ، عقب الاختطاف، لم تترك له الوقت ليقوم برد فعل وطلب توضيحات من فرنسا، ذلك أن كلمات الجنرال كانت غير مقبولة. والواقع أن المهدي اختطف يوم 29 أكتوبر 1965، بينما لم يعقد ديغول ندوته إلا في 21 فبراير 1966. وفي السياق ذاته، يبرز المحامي عدة مؤشرات أخرى من بينها : فرض الصمت على الصحافة المغربية ومنع الصحف الفرنسية طوال أسابيع، رفض تسليم بوشيش، رفض مثول أوفقير والدليمي أمام القضاء الفرنسي، القرار المفاجئ القاضي بتعيين أحمد بلحاج، نقيب هيئة المحامين بالرباط ومساعد بوتان في جميع المحاكمات السياسية، على رأس المكتب الشريف للفوسفاط في يوم 29 أكتوبر 1965 بالذات، استقبال المجرمين الفرنسيين الأربعة ومراقبتهم مراقبة لصيقة مع السماح لهم بتسيير حانات ودور دعارة، قبل تصفيتهم بعد سنوات...
ومن المحتمل أن يكون قرار الاختطاف، يشرح بوتان، بعد نصيحة من طرف المخابرات الأمريكية وإقناعه من قبل لوبيز بأن بعض أطر المخابرات الفرنسية، إن لم يكن الجهاز برمته، متفقون على العملية. وفي هذا الإطار، وحسب أرشيف سفارة باريس بالرباط المحفوظ حاليا بمدينة نانت، فإن الجنرال المذبوح صرح للسفير جيلي: «اعتقدت الأجهزة المغربية التي نفذت العملية، بحسن نية، أن زميلتها الفرنسية موافقة على الأمر، وقد أخطأت في هذا».
وإذا كان الحسن الثاني قد قال إن قضية بن بركة «قضية فرنسية فرنسية»، فإن ادريس البصري كرر نفس المقولة أمام القاضي راماييل حين استماعه إليه يوم 22 ماي 2006.
ووفق بوتان دائما، فالملك الراحل صرح للكولونيل تويا في يناير 1966: «حتى إذا افترضنا مسؤولية أوفقير عن اختفاء بن بركة، فإن العملية كانت قانونية. والقرآن يؤكد أنه لا يجب التردد في التخلص من الثلث لإنقاذ الثلثين». ولنفس الكولونيل، قال الملك الراحل بحضور الأمير مولاي علي بمفرده، في 28 يونيو 1966: «لماذا تريد أن أشفق على مصير منتفض لم يكن يبتغي سوى شيء واحد: إثارة ثورة في المغرب لصالح أعداء بلدك وبلدي».
وعن الجنرال أوفقير، يكتب بوتان أن الأحياء، من بين المشاركين في عملية الاختطاف، هم الوحيدون الذين يعرفون بدقة دوره، مؤكدا أن تجربته المغربية تجعله يعتقد أن الجنرال الدموي كان مجرد منفذ... هكذا، حين علم أوفقير، في الساعة الثالثة من بعد زوال الجمعة، وهو بالرباط، بخبر اختطاف المهدي، فإنه توجه توا إلى فاس للقاء الحسن الثاني . وهو ما فعله أيضا مساء نفس اليوم بعد اتصال لوبيز به ورده عليه: سأذهب حالا لمقابلة «الباطرون».
وحسب بوتان، فالجنرال قام بزيارة فرنسا عدة مرات رغم مذكرة اعتقاله، وخاصة مدينة سان تروبي السياحية خلال صيف 1969 حيث التقاه صدفة المحامي جافري الذي أخبر الكاتب بذلك.
من جهتها، صرحت فاطمة أوفقير، زوجة الجنرال، للقاضي راماييل أثناء استماعه لها في 24 يناير 2007: «يوم 29 أكتوبر، قال لي زوجي السابق إن عليه الذهاب إلى باريس على وجه الاستعجال وأن الملك هو من أمره بذلك. (...) وقد قال لي لاحقا (أيضا) إنه لم يقتل بن بركة وأن التاريخ بمفرده سيصدر حكمه في الموضوع».
يكتب بوتان، كذلك، أن تبرئة الدليمي من طرف القضاء الفرنسي تعتبر خطأ، متسائلا عن عدم تنفيذ الإنابة القضائية في حق المغاربة الأحياء المتهمين بالمشاركة في عملية الاختطاف ليكشفوا ما جرى، شرط أن يقولوا (أو أن يسمح لهم بقول) الحقيقة.


مسؤولية الفرنسيين في عملية الإختطاف-2-

 مسؤولية الفرنسيين في عملية الإختطاف


لمحاولة فهم دور «المسؤولين الفرنسيين» في عملية اختطاف واغتيال المهدي بن بركة، بعد أزيد من 44 سنة، لابد من قراءة نسبية لتأكيدات الجنرال شارل دوغول في ندوته الصحفية التي أكد فيها أن لا علاقة للدولة الفرنسية في هذه القضية، غير أن سؤاله قبل ذلك في اجتماع حكومته (19 يناير 1966)، كانت أقل تحفظا، بل وتلتها قرارات صارمة، حيث تم سحب مصلحة الاستعلامات الخارجية ومكافحة التجسس (SDECE) من إشراف الوزير الاول مثلا. صحيح انه لم تكن، فيما يبدو، مصلحة للدولة الفرنسية في تصفية المهدي، وأن المصالح الامنية باختلاف درجاتها ومستوياتها لم «تتستر» صراحة على عملية الاختطاف، ولكن على الاقل وفي كل الاحوال بعض عناصرها وعملائها، في مستويات عليا في بعض الاحيان كانوا على علم بإمكانية وقوع حدث وشيك، وربما عملية اختطاف، دون ان يتوقعوا إمكانية حدوث «وفاة» أو «اغتيال»، وبالتالي أهملوا تلك المعلومات و أصبحوا «شركاء» في الجريمة.
كيف يمكن تجاهل الروابط القوية والمعقدة في بعض الاحيان بين الدولتين منذ استقلال المغرب، والتعاون الوثيق في الكثير من الميادين،خاصة الميدان العسكري، والعلاقات الشخصية التي تربط بين كبار المسؤولين في البلدين.
وهكذا فالذين كانت لهم روابط مع المغرب أغمضوا أعينهم إما إرضاء لملك المغرب وإما لمكافأة الجنرال أوفقير على الخدمات التي قدمها خلال حرب الجزائر، واما كإجراء المعاملة بالمثل بعد حادث تسليم بن بلة ورفاقه سنة 1956. ومن يعرفون دور المهدي بن بركة عبر العالم «كثوري يلعب دورا مهما في حركة التمرد العالمية» صمتوا ربما بسبب «معاداة الشيوعية» او التعاطف مع الولايات المتحدة، واخيرا الذين كانوا يعادون الجنرال دوغول من قدماء «منظمة الجيش السري» (OAS)، الذين يسعدهم تلطيخ سمعة دوغول قبيل الحملة الانتخابية التي كانت على الابواب.
وعلينا ان لاننسى ان المهدي اختطف يوم الجمعة 29 اكتوبر اي في بداية نهاية اسبوع طويل (أعياد كل القديسين Tousaint) المعروف عادة بالهدوء وتأجيل العمل... حيث يتوقف العمل تقريبا في كل المصالح الادارية بما فيها مصالح الشرطة وهو ما يفسر ربما تأخرها في التحرك حتى 2 نونبر، وهذا ربما يفسر انه لم يتخذ أي شيء «لحماية» الزعيم المغربي ولو من بعيد، رغم انه قد تم الاخبار بوصوله الى باريس عبر برقية لشرطة المطار.. إلا أن هذا «الاهمال» وعدم التحرك استمر أبعد من ذلك، اذ لم يتم اعتقال سوشون وفواتو إلا بعد أيام، واعتقال فيغون تأخر لأسابيع
ومغادرة المجرمين الاربعة بكل حرية الى المغرب.
وربما «حرب مصالح الشرطة» آنذاك (بين الحزب الشعبي، الادارة العامة للامن الوطني، مصالح الاستعلامات الخارجية ومكافحة التجسس، مديرية مراقبة التراب، الشرطة الرسمية والشرطة الموازية وغيرها من جماعات الجريمة...) ربما تفسر الكثير من جوانب التقصير... وفي هذه القضية حيث كل طرف متورط بدرجة او باخرى، لم يتحرك احد، وربما هذا ما يفسر قرار دوغول اعادة ترتيب وتنظيم مصالح الشرطة في الاجتماع الوزاري يوم 19 يناير 1966، لكن هذه الاوضاع التي كانت سائدة آنذاك لا تفسر كل شيء... وسنحاول استعراض الادوار المحتملة لبعض الذين ذكرت اسماؤهم في الملف من الفرنسيين.
انطوان لوبيز: يبدو دوره في العملية محوريا وخطيرا، ويصفه بابون امام قاضي التحقيق راماييل بكونه عامل الاختطاف.. والرجل المحوري، قائد الكومندو الذي اعد عملية الاختطاف بتعاون مع المغاربة، لوبيز هو الرجل الذي كان على علم بالعملية وأعد لها ماديا، الرجل المخبر لجميع المخابرات. كان يعمل مفتشا رئيسا لشركة اير فرانس في مطار اورلي منذ 1963 ومنذ 1965 شغل منصب رئيس المداومة، معروف لدى الجميع وحر في تحركاته داخل المطار، عميل للمخابرات الفرنسية، يقدم المعلومات عن وصول الشخصيات الاجنبية، لا سيما القادمة من المغرب، كان يتلقى الى جانب راتبه منحة بقيمة 500فرنك من مصالح المخابرات الفرنسية، وظل يتوصل بها حتي بعد سجنه.. دافع عن نفسه بأنه اخبر مصالح المخابرات الفرنسية بنوايا المغاربة....
كان رجل الاتصال لصالح ولاية الشرطة، بطلب من الوزير الاول جورج بومبيدو ،اختاره لوروا فانفيل شخصيا،. وكان على اتصال دائم مع مصلحة مكافحة المخدرات. التي يقوها سوشون وقدم خدمات مهمية ساهمت في حل العديد من القضايا الشائكة، كان معروفا لدى جميع مصالح الشرطة في باريس، واستفاد مابين 1964 - 1965 من جواز مرور دائم، مسلم من طرف والي الشرطة بابون وهو عبارة عن وثيقة تخصص عادة للشخصيات المهمة... الا ان كل هذه الوثائق سحبت منه اثناء تفتيشه واستنطاقه من طرف العميد بوفيي، ولم توضع في ملف القضية.
كان عميلا مزودجا يعمل لصالح المغاربة، حاول الحصول على منصب مهم في شركة الخطوط الملكية المغربية بالرباط.. كان يسمح له بالاستمرار في تقديم المعلومات للمخابرات الفرنسية، لوبيز كان على صداقة وثيقة مع اوفقير. في غشت 1965 استقبل لوبيز وعائلته من طرف اوفقير بالرباط الذي وضع رهن اشارته اقامة وظيفية، وهو من سلم لاوفقير مفاتيح منزله يوم 30 أكتوبر وهو ايضا صديق الدليمي و الماحي، ويعرف جيدا عبد الحق العشعاشي وبوبكر الحسيني وصديق للعائلة الملكية... كان يتوفر على جواز مرور من طرف وزارة الداخلية المغربية سلمه له الدليمي يوم 29يونيه 1965 وهذه وثيقة تؤكد عمالته المزدوجة... لوبيز صديق لأوساط «المجرمين» و هو جار لعائلة بوشيش. و هنا تعرف على المجرمين لوني، دوباي، وباليس...
بخصوص يوم وقوع الجريمة يقول لوبيز إن «الأمر يتعلق بلقاء مع شخصية مغربية مرموقة.. نظرا لمعرفتي بمحاولات تفاوض بين السلطات المغربية و بن بركة... وأنه فهم ذلك من الرسميين المغاربة الذين جاؤوا إلى باريس لأمر يتعلق بالمهدي، كان المغاربة يريدون اتصالا مباشرا وسريا معه...».
في كتابه الثاني «اعترافات جاسوس» يكشف لوبيز معطيات مهمة مثل أن «الجنرال أوفقير لم يكن ضمن ركاب... (أورلي يوم الجمعة 29 أكتوبر علي الساعة الثانية صباحا)، ولكن مغربيا طلب مني الذهاب به عند بوشيش، وخلال الرحلة قدم نفسه، كان اسمه الحسيني.. كان ممرضا...» لكنه لم يذكر ذلك أمام القاضي،مثال آخر يقول لوبيز في كتابه«نزلت طائرتان للشحن تابعتين للجيش المغربي، بعد وقت قليل من هبوط طائرة الرحلة العادية القادمة من الدار البيضاء (الطائرة التي وصل على متنها أوفقير يوم السبت على الساعة الخامسة) لماذا لم يذكر هذه الواقعة أمام القاضي.
مثال آخر «كانت الساعة حوالي السادسة مساء عندما أوصلت أوفقير عند بوشيش ثم عدت الى منزلي، وهنا قررت الاتصال هاتفيا بلوروا فانڤيل (مشغله في الاستخبارات الفرنسية) وهو من رد على الهاتف. قلت له سأغيب إلى منطقة لواري، هل تستطيع أن تضع أحدا مكاني لمتابعة العملية؟» وهذه كذبة أخرى لأنه لم يتأكد حصول أي اتصال من منزله في تلك الساعة.
مثال آخر: «يوم 10 أكتوبر، قررت تأخير اقلاع الطائرة المتوجهة إلى جنيف..، وأنا أعبر المطار التقيت وجها لوجه مع الشتوكي وفيغون. كان واضحا انهما قررا هذه المرة تحاشي المرور عبري.. صعدت الطائرة.. رأيتهما جنبا إلى جنب ولكنهما لم يكونا و حدهما... غير بعيد عنهما كان يجلس مغربي آخر أعرفه جيدا: أحمد الدليمي.. سجل نفسه ضمن الرحلة تحت اسم الحسين.. قررت وقتها أن أذهب بدوري إلى جنيف..« وهذا خطأ في التاريخ. لوبيز سافر إلى جنيف صحبة بوشيش يوم 6 أكتوبر 1965. ولكن حتى إن كان ما قاله صحيحا لماذا لم يخبر به القاضي زولينغر.
مثال آخر: «الأحد 31 أكتوبر، استيقظت علي الساعة 5 صباحا.. محمد أوفقير دخل غرفتي دون أن يطرق الباب.. قال لي هل تعلم، لقد وقعت كارثة، يجب أن تعلم أنني اتصلت بفري لهذا الغرض، إن سمعة الملك في الميزان. أنا لا أ جهل أنك تشتغل لحساب المخابرات الفرنسية، والمخابرات المغربية والفرنسية توجدان يدا في يد في هذه القضية...» ومرة أخرى، إذا كانت هذه الأقوال صحيحة لماذا لم يدل بمعلومات بهذه الأهمية أمام القضاة الذين سألوه خلال المحاكمتين؟...
والأكيد في نهاية الأمر أن لوبيز تكلم وربما تكلم أكثر من اللازم ولم يقل أبدا كل ما يعرف عن القضية. وكما قال محاميه خلال المحاكمة الأولى: «لوبيز أكثر دهاء، لوبيز الذي يعرف كل شيء لن يقول لنا شيء، لأنه إذا أخبرنا باغتيال المهدي سيكون متابعا بالمشاركة في الاغتيال وليس فقط بتهمة الاحتجاز».


مسؤولية الفرنسيين في عملية الإختطاف

 مسؤولية الفرنسيين في عملية الإختطاف


رغم بعض المعطيات المهمة مثلا بخصوص دوره على رأس عصابة المجرمين، حيث يؤكد أن «روجي فري كان باستمرار على إطلاع بكل تفاصيل تحركاتنا». ويؤكد بخصوص قضية المهدي أن «الحدث المهم وقع يوم 2 نونبر» وكان يعني لقاءه مع فيغون، الذي كانت الشرطة تبحث عنه، لومارشان كان وسيطا بين مسؤولي الشرطة (كاي، بابون وفري) وفيغون الذي قبل إخبارهم بكل شيء لكن بشروط، ويؤكد أن اللقاء تم بين كاي وفيغون بمنزل لومارشان، حيث تم قبول شروط فيغون المتمثلة في الحصول على جواز سفر بهوية مزورة وضمان مغادرة أصدقائه لوني، باليس ودوباي لفرنسا دون إزعاج.. لكن هذه الوقائع لم يذكرها أمام القاضي.
ومن المعطيات المهمة الأخرى التي ذكرها لومارشان،اللقاءات بين عدد من الديغوليين في نادي سري ساهم في تأسيسه بكاباريه «دون كاميليو» وهو المكان الذي لجأ إليه لوبيز مباشرة بعد تنفيذ عمليته عند بوشيش يوم 29 أكتوبر.
ويضيف لومارشان «أما الاعتقاد بأن جاك فوكار، روجي فري أو أنا كانت لنا أية علاقة بالعملية بدون موافقة الإليزيه، فهذا أمر لا يمكن تصوره بالنظر إلى ولائنا التام للجنرال.. ويضيف أن «كاي ضمن حمايات من دوائر عليا».
ويبدو من خلال عدة أحداث ووقائع أن علاقات المحامي والنائب لومارشان مع دوائر الجريمة المنظمة ثابتة من خلال استغلال النفوذ والتدخلات والوساطات.. لكن كل هذه الوقائع والشكوك لم تحرك المتابعة أو حتى الاستفسار من طرف القاضي..
وبطلب من المحامي بوتان تم الاستماع للمحامي والنائب السابق لومارشان.. ويظهر في محضر الاستماع أنه بعد التفتيش في مقر الإقامة الثانوية لمارشان، أن لومارشان اعترف طواعية أنه أنكر بعض الوقائع خلال جلستي الإستماع الماضيتين، حيث قدم اعترافات لم يذكرها في كتابه: «... قبل شهر أو شهرين من تنفيذ عملية بن بركة، أخبرني فيغون أنه يعمل على قضية كبيرة ستدر عليه أموالا كثيرة. كان الأمر يتعلق باختطاف المهدي بن بركة لحساب المغاربة وتسليمه لهم. وطلب مني أن أتحقق ما إذا كانت هذه العملية مطلوبة من المغاربة كما قيل له. اتصلت بوزير الداخلية روجي فري وصرح لي أنه لا يعلم شيئا عن الأمر، وأحالني على جان كاي الذي كنت أعرفه، اخبرته بما قال لي فيغون، لكنه لم يدل بأية ملاحظة..»
وخلال الاستماع إليه أوضح لومارشان.. « توسطت ليتم اللقاء بين كاي و فيغون وبعد ذلك اتصل بي كاي وأخبرني أنه سعيد لأنه حصل على معلومات مهمة من ذلك اللقاء.. وأخبري أنه ذهب للقاء بابون. وأعلم أن والي الأمن أخذ هذه المعلومات على محمل الجد إلى حد أنه اطلع عليها وزير الداخلية فري.. هذا الأخير استدعاني ليسألني عن حقيقة الأمر، وأخبرته أن فيغون ربما كان مجنونا، ولكن مع ذلك يجب مراقبة هذه القضية. وأخبرني فري أنه سيطلب من كاي الاهتمام بالأمر. ويبدو أن فيغون شرح لكاي أن مشروع اختطاف بن بركة بطلب من المغاربة... في تلك اللحظة لم يكن أحد يعرف حقيقة من يكون بن بركة. كاي، بابون، وفري لم يكونوا يظنون أن الأمر يتعلق بشخصية مهمة. وعندما اندلعت القضية، اتصل بي كاي ليطلب مني أن أؤكد له مشاركة فيغون في الاختطاف.. أكدت له ذلك لأنني اتصلت هاتفيا بفيغون في صباح اليوم الموالي. قال لي أنه منزعج جدا لأنه كان يعتقد أن القضية كانت معروفة لدى الفرنسيين وبالتالي كانت «محمية». أخبرت كاي بهذه المعلومات وطلب مني لقاء فيغون.
ما قاله لومارشان كون المسؤولين الأمنيين الفرنسيين كانوا يجهلون من يكون بن بركة، لا يمكن تصديقه إذا علمنا أن بابون سبق أن شغل منصب سكرتير عام الإقامة الفرنسية بالرباط، والتقى زعيم المعارضة المغربية سنة 1955.
ثم يحكي لومارشان للمحققين ما ذكره في كتابه عن لقاء بين كاي وفيغون بمنزل لومارشان في باريس يوم 2 نونبر والذي استغرق حوالي ساعة. اللقاء تم بعد أن حصل فيغون، عن طريق لومارشان على وعد بعد اعتقاله.. ثم تحدث عن تفاصيل عملية الاختطاف وماتلاها ولكن بطريقة مختلفة بعض الشيء، حيث يقول: «تم احتجاز بن بركة في منزل بوشيش حتى وصول المغاربة في شخص أوفقير والدليمي، ثم تطورت الأمور بسرعة، اكتشف فيغون واصدقاؤه أن نية المغاربة كانت هي اغتيال المهدي، أبدوا عدم موافقتهم لأنهم لم يكونوا يريدون أن يتم تعذيب واغتيال المهدي في منزل بوشيش. إضافة إلى أن الاتفاق لا يتضمن ذلك. اقتادوه (المهدي) إلى منزل لوبيز الذي ظل وفيا لأوفقير - وغادروا المكان وكان بن بركة لايزال حيا»..
ورغم التناقضات في روايات فيغون حول تفاصيل اغتيال المهدي، إلا أن مسؤولية الفرنسيين في القضية تتأكد في ما قاله لومارشان للمحققين. «بعد إطلاع والي الأمن على الأحداث، طلب كاي مقابلة وزير الداخلية. ويقول لومارشان في كتابه ظهر بسرعة أن الحجم الذي أخذته هذه القضية يضع كل من كان له علم بها قبل وقوعها في حرج...
لومارشان، وخلال جلسة الاستماع إليه من طرف القاضي راماييل يوم 16 أكتوبر 2005 ، سيقول نفس الرواية ويضيف «أنا مقتنع بأن فيغون كان يجهل تماما أنه سيتم اغتيال بن بركة. أعتقد أن جميع الذين كانوا حاضرين، باستثناء أوفقير، كانوا يجهلون ما كان سيحدث فعلا».
اعترفات لومارشان تطرح عدة أسئلة حول وفاة فيغون منتحرا. هل خانه صديقه أو مساعدوه حول آخر مكان كان يختبئ فيه؟ من أخبر الشرطة؟ لم يتم منع فيغون من الكشف آنذاك عما يقوله لومارشان اليوم؟ على كل حال، رسالة بوشيش الى القاضي زولينغر (21 يناير 66) تسير في هذا الاتجاه، حيث يقول فيها «أنا لا أتهم الشرطة الحقيقية ولكن أتهم شرطة أخرى، التي كانت لها مصلحة كاملة في ألا يتكلم فيغون عن الحقيقة في اختطاف المهدي بن بركة. وحده فيغون بإمكانه أن يورط أحد أصدقاء طفولته، المحامي لومارشان».
من جانبها تؤكد والدة فيغون بعد ان استمع إليها القاضي بانسو يوم 27 يناير 1977 أن ابنها قال لها في اتصال هاتفي: لومارشان يريد إغراقي إنه نذل، لا يجب أن تكون لك معه علاقة وهو مافعلت»
دور العميد كاي
لم يستدع أمام القاضي إلا عدة اسابيع بعد الاختطاف. كان دائما يقدم ذريعة بأنه مريض ومنذ البداية يقول للقاضي «إنه سيقول كل الحقيقة» لكنه بدأ شهادته يوم 1نونبر وفي النهاية يثير واجب السر المهني لرفض الكشف عن مصادرمعلوماته. وفي مواجهته مع لومارشان، لا يتردد في التأكيد على :«لا أفهم لماذا يصر البعض على أنني التقيت فيغون في ذلك اليوم عند لومارشان، والادعاء بأن هذا اللقاء المزعوم كان مشروطا بضمانة عدم متابعة فيغون، ثم ينهي شهادته برفض الكشف عن مصادر معلوماته.
ويختم كاي شهادته كالتالي: «لو لم أكن في المداومة ذلك الاحد، ما كان لي أن أتدخل في هذه القضية، أوضح بأنني لم أكن اعرف حتى من يكون بن بركة في ذلك الوقت» وهذا تأكيد مثير للدهشة من طرف إطار كبير في الاستعلامات العامة، مكلف بشكل خاص بالسياسة العامة.
كان كاي رغم أقواله على علم بعملية الاختطاف قبل وبعد وقوعها، كما أخبر على الفور بابون وفري بما أخبر به فيغون، ولم يخبر القاضي زولينغر لماذا؟
وفي شهاداته أمام القاضي راماييل، يؤكد بابون بخصوص العميد كاي: «لقد رفض الكشف عن مصدر معلوماته حتى بالنسبة لي. لقد تحدثنا وديا لفترة طويلة، لأفهم في النهاية أن مخبره كان هو لومارشان، النائب البرلماني ولايجب أن ننسى أن بابون هو من كلف كاي بالتحقيق.
دور موريس بابون
من أعطى «ضمانات» لسوشون وحتى لوبيز نفسه قبل أن يشاركا في الاختطاف؟ من هو هذا المسؤول الكبير الذي أعطى الامر لسوشون وفواتو بالسكوت لمدة 12يوما؟ أي خطأ كبير ومحرج هذا حاول التستر عليه؟
عدة شهادات تؤكد أن بابون كان صديقا حميما لروجي فري، الرجل المتكتم.. وتؤكد عدة شهادات أن الرجلين (بابون وفري) يعرفان أكثر من الكثيرين. وزير الداخلية آنذاك روجي فري - مثل العديد من الوزراء - كان صديقا للحسن الثاني. كان يتلقى باستمرار دعوات للصيد مع الملك. وبالتالي لايمانع في تقديم خدمة له. لكن لا أحد وبالاخص فري، كان يتصور أن الامور ستتحول الى كارثة ، ويؤكد الماحي نفسه في أحد استنطاقاته من طرف القاضي زولينغر «اوفقير وفري كانا صديقين حميمين».
يقول الوالي شارل غريمو تأكيدا لاعترافات لومارشان أمام القاضي راماييل، والتي ينفيها كاي: «لومارشان أخبر بالتحضير للاختطاف من طرف فيغون، واخبر بذلك من يعنيه الامر (أي وزير الداخلية .. فري) وبعد ان فاجأته تطورات الاحداث مع مشاركة افقير، وعصابة من المجرمين، أحس بسرعة مثل فوكار، بحجم الاضرار التي يمكن ان تخلفها هذه العملية... وعندها كلف المدعي العام بتقديم النصح للومارشان لتفادي اعترافات غير محسوبة قد تقود الابحاث الى ما أبعد من «المنفذين الصغار».
وحسب الوالي شارل غريمو: «كاي كان يعرف عن الاختطاف الكثير.. وحسب بعض الشهادات كان رجاله يتابعون اختطاف بن بركة... وهذا يؤكد انه كان على علم بالمشروع وبحيثياته...»
والاكيد أنه لم يكن الوحيد الذي كان يعلم بالعملية قبل وقوعها، فالامر نفسه ينطبق على لومارشان، هل كان الرجلان متواطئين؟
دور روجي فري
منذ صباح السبت، أي غداة اختطاف المهدي، كان روجي فري على علم بالحادث، لماذا لم يعط الامر بإطلاق مخطط الطوارىء، الجاهز منذ 1961 والذي استعمل سنة 64 بعد اختطاف زوجة صانع الطائرات مارسيل داسو؟ أي على الاقل مراقبة الحدود، ومتابعة الدليمي وافقير اللذين حلا بباريس...
لكن الاوامر لم تصدر إلا يوم 2 نونبر .. وحتى المعلومات المتوفرة يوم 3 نونبر، لم تشر الى احتمال مشاركة المغاربة في الاختطاف. لكن المعطيات تؤكد أن كاي كان يعرف أن الدليمي واوفقير كانا متواجدين في فانتوني واورموي... بل ان الجنرال جاكيي نفسه اعترف امام المحكمة قائلا: «يوم 2 نونبر الجميع كان يعرف أن وجود الدليمي وأفقير في باريس، له علاقة باختفاء المهدي بن بركة«...
بل إن لوبيز اعترف للضابط بوفيي عشية 3 نونبر، أنه اقترح عليه مصاحبته الى فيلا سعيد، حيث كان اوفقير والدليمي ليسألهما عن مصير بن بركة. وليلتها كان فري على علم بكل شيء لأنه لم يذهب الى حفل العشاء الذي كان يقيمه السفير المغربي. وفي كل الاحوال إذا كان من الصعب اعتقال وزير داخلية دولة أجنبية ، مدعو لحفل على شرف الضيوف المغاربة، لم يكن هناك أي سبب لعدم اعتقال مدير الامن الوطني الدليمي.
والواقع أن مسؤولية وزير الداخلية في العملية لم تثر أبدا في الايام الاولى التي تلت الاختطاف، ولم تثر إلا بعد أن خرج لومارشان من مكتب قاضي التحقيق وصرح امام الصحافة قائلا: «من خلالي، فإن المستهدف هو صديقي فري. ألم يطلق مارشان هذا الاسم إلا لكي يغطي على إمكانية اتهامه من طرف القاضي؟
ولكن روجي فري وزير الداخلية، هل كان يعرف شخصية المهدي بن بركة وما يمثله بالنسبة للشعب المغربي وشعوب العالم الثالث؟
يحكي ميشيل جوبير وكان وقتها مدير ديوان الوزير الاول جورج بومبيدو أنه عندما أخبر فري بأن بن بركة اختفى، سأل «من يكون هذا الجزائري»، ولو أن الوزير كان قد استقبل في الرباط في الصيف. لومارشان قال للقاضي « إن فري كان يجهل، كما كنت أجهل من يكون المهدي بن بركة».
دور جاك فوكار
كان يشغل منصب السكرتير العام لرئاسة الجمهورية، مكلف بالشؤون الافريقية والملغاشية. كان رجل ثقة الجنرال دوغول، هل كان على «علم» بالقضية حسب تعبير لوبير؟ سوشون قال إنه لم يشارك في العملية التي طلبها رجل المخابرات الفرنسية إلا أن هذا الاخير ألمح له بأن العملية تحظى بتغطية من أعلى. فيليب دوغول يقول نقلا عن والده توحي بعكس ذلك: «فوكار المسكين هذا.
(يتبع)


جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة

  جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...