الشهيد المهدي بنبركة
المَهْدِي ابنُ بَرَكَة وينطق شعبيا: مَهدي بِنبَرْكَة ولد في يناير 1920 بالرباط في المغرب. اختفى في 29 أكتوبر 1965 في فونتني لو فيكونت شمال فرنسا، وكان من السياسيين المغاربة، وأكبر معارض اشتراكي للملك الحسن الثاني وزعيم حركة العالم الثالث والوحدة الأفريقية
الخميس، 20 أكتوبر 2022
الثلاثاء، 18 يناير 2022
بودرقة يحكي قصة حياة االمهدي بن بركة (الحلقة الكاملة)
بودرقة يحكي قصة حياة االمهدي بن بركة (الحلقة الكاملة)
الخميس، 16 ديسمبر 2021
جرائم الاختطاف والقتل.. وخبايا آلاف الوثائق داخل "الشرطة السرية" بالمغرب-5-
:: "اوفقير" الرجل الثاني في الدولة...الجزء الخامس
السبت, 29 سبتمبر, 2007
كانت نهاية "شيخ العرب" في 7 أغسطس 1964 فرصة بالنسبة لأوفقير للارتقاء بعد أيام قلائل إلى رتبة جنرال ووزير للداخلية خلفاً لأحمد رضا أكديرة، مع بقائه محتفظاً في ذات الوقت بإدارة الأمن الوطني ورئاسة "الكاب1" بشكل أثار حسد الجميع.
وبهذه المهام والمسؤوليات التي اجتمعت له أصبح أوفقير في الواقع الرجل الثاني في الدولة، مباشرة بعد الملك الحسن الثاني، وبخاصة عندما تلقى الضوء الأخضر من أجل إعادة تنظيم وزارة الداخلية والأمن الوطني و"الكاب1"، حيث استغل ذلك لوضع رجاله في المواقع الأولى بتلك المؤسسات:
الضوء الأخضر
في وزارة الداخلية أبقي على السيدة بديعة مسناوي زوجة محمد مسناوي العميل في "الكاب1" ثم مدير الكتابة العامة بالوزارة منذ1961، وتم تعيين العميد الرئيس مولاي أحمد التدلاوي على رأس "إدارة الشؤون العامة" بالوزارة، ومحمد بن عالم كاتباً للدولة، أما بوعزة الغازي الرجل الثاني الحقيقي في الكاب منذ 1960 فقد استولى على قسم التموين والتجهيز بالوزارة، مع بقائه محتفظاً بمهماته في الإدارة العامة للأمن الوطني.
في إدارة الأمن الوطني سُجلت تعيينات جديدة عدة سواء على المستوى المركزي بالرباط أو على المستوى الإقليمي والجهوي، في الشرطة القضائية ومصالح التوثيق والاستعلام ومخافر الشرطة بالعمالات.
في "الكاب1" لم تكن هناك تغييرات في مواقع المسؤولية، ولكن تم ترقية ثلاثة أرباع الموظفين بسرعة عبر حرق المراحل، حيث أصبح العمداء الصغار عمداء رئيسين، وضباط الشرطة عمداء، ومساعدو ضباط الشرطة ضباط شرطة، وأصبح حراس الشرف الذين كانوا كثيرين في الكاب مساعدي ضباط شرطة، وقد فاجأت هذه التعيينات الجديدة الجميع وبدت للكثيرين غير معقولة.
ومن بين هذه التعيينات غير المعقولة هناك ما يستحق أن نشير إليه: فجميل الحسوني مثلاً الذي كان مفتش شرطة في ميناء الدار البيضاء بين 1957 1960، ثم عميلاً بالكاب1 وقائد مفرزة بالدار البيضاء بين 1960 1961 ثم ضابط شرطة مساعداً بنهاية 1962، تمت ترقيته مباشرة إلى رتبة عميد رئيس متخطياً بذلك ثلاث مراحل: ضابط شرطة وضابط شرطة رئيس وعميد شرطة. وعدد كبير من المنحدرين من الجهة الشرقية، وجدة ونواحيها، الذين كانوا حراس شرف في سلك الأمن أو مفتشين رقُوا مباشرة إلى رتبة ضباط شرطة مساعدين، فرقي محمد السوسي الذي ينحدر من الجهة الشرقية من رتبة رئيس مفرزة ضابط شرطة مساعد إلى عميد شرطة، متخطياً درجتين: ضابط شرطة وضابط شرطة رئيس، ومحمد التونسي من رتبة قائد عمليات التدخل كضابط شرطة مساعد أصبح عميد شرطة أيضاً، متخطياً درجتين، ومولاي إبراهيم أوفقير الذي كان مساعد ممرض في القطاع الخاص أصبح حارس شرف رغم أنه لم يتلق أي تكوين (تعليم)، ونفس الشيء بالنسبة لمولاي أحمد أوفقير الذي كان راعي غنم وأمياً.
لقد كان الضوء الأخضر الذي مُنح لأوفقير عام 1964 حدثاً استثنائياً في تاريخ المغرب، فقد مكنه ذلك من تجميد العمل بكل القوانين التي تنظم الوظيفة العمومية وتحدد شروط الترقية في وزارة الداخلية وإدارة الأمن الوطني وأسلاك الشرطة مؤقتاً لمدة 17 شهراً، ما بين أغسطس 1964 وديسمبر 1965، وخلال هذه الفترة كان أوفقير طليق اليد يفعل ما يشاء، فألغيت أهمية الشهادات في التعيين، لأن غالبية المناصب والمسؤوليات أوكلت إلى أشخاص ليس لهم تكوين أو مؤهلات بل جلهم أميون، مقابل قبضة صغيرة من المال.
الرشوة والابتزاز
كانت الرشوة والابتزاز في ذلك العهد عملتين رائجتين، الأمر الذي سمح لعدد من المقربين من أوفقير بجمع ثروات طائلة، وهنا بعض الأمثلة:
لم يتردد بوعزة الغازي في تحديد سقف معين بالنسبة لمنصب مساعد مدير في الإدارة العامة للأمن الوطني ورؤساء المصالح الإقليمية وعمداء الدوائر الأمنية، وكانت المبالغ تختلف بحسب أهمية المدينة، وأصبح كوادر الأمن مجبرين على الخضوع لهذه الشروط للحصول على المناصب التي يطمحون إليها، فكانوا يدفعون مقدماً للمبلغ ويتعهدون بدفع الباقي نهاية كل شهر على دفعات إذا أرادوا البقاء في مناصبهم وفي المدن التي اختاروها، لقد كان هذا غير معقول، ولكنه كان جارياً، وقد در ذلك على بوعزة الغازي ثروة طائلة، كما أن عروض الأثمان المتعلقة بالمشاريع التي كانت تقوم بها وزارة الداخلية وإدارة الأمن الوطني كانت لها هي أيضاً أثمانها، لكن هذا لم يكن كل شيء ما مادامت "الصناديق السوداء" للوزارة والإدارة والتي كانت تقدر بنحو 5 إلى 10 مليارات سنتيم في السنة كانت تدار من دون مراقبة ولا فواتير أو وثائق، من طرف الغازي وحده.
جنت فاطمة أوفقير زوجة أوفقير ثروة طائلة من خلال توسطها لفائدة مئات من المرشحين من منطقة تيفلت الخميسات مسقط رأسها، وأيضاً من منطقة الغرب وتافيلالت، مسقط رأس أوفقير، وكانت التعيينات والترقيات والتبديلات تخضع للتفاوض على حدة بحسب المدينة والدرجة، وغالبية المرشحين كانوا أميين أو عديمي التأهيل بالمرة.
تهريب السلع
كان للحاج قادة قرابة عائلية مع فاطمة أوفقير، وكان يعمل في مصلحة الأمن بمدينة القنيطرة كضابط أمن رئيس في القاعدة الجوية الأمريكية، ويدير في نفس الوقت شبكتين تابعتين للجنرال أوفقير، الأولى متخصصة في تبييض الأموال والدعارة والشذوذ، والثانية في تهريب السلع الأمريكية التي تأتي من القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الغرب، وقد مكنته تلك القرابة من تحصيل أموال طائلة بسبب توسطه لفائدة المئات من الأشخاص في المحاكم ولدى إدارة الأمن الوطني بالنسبة للراغبين في التعيين أو التبديل أو الترقية، وكان الحاج قادة في مدن القنيطرة وتيفلت والخميسات وسيدي سليمان وسيدي يحيى شخصاً فوق الجميع، بالرغم من أنه كان أمياً.
حصل العقيد الشنا، والد فاطمة أوفقير وصهر الجنرال أوفقير، على ثروة كبيرة بسبب توسطه لفائدة أشخاص عدة لدى بوعزة الغازي، وكان الشنا وابنه يعملان أيضاً في فريق الحاج قادة.
كان الحسن الدليمي، والد أحمد الدليمي، عاملاً إقليمياً من دون مهمة، وضابطاً سابقاً في "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس" الفرنسية مكلفاً بعدة عملاء ما بين 1948 1956 من بينهم أوفقير نفسه، وبفضل نفوذه القوي في منطقة الغرب وتحكمه في سائر العمال التابعين للداخلية ووساطاته في المحاكم وفي إدارة الأمن الوطني في المنطقة استطاع تحصيل أموال ضخمة.
جمع أحمد الدليمي الذي كان عون مدير في "الكاب1" وعوناً في إدارة الأمن الوطني بعد أغسطس 1964 ثروة كبيرة من وراء وساطته لفائدة المئات من الفلاحين المنحدرين من إقليم سيدي قاسم، مسقط رأسه، وكان يدير الصندوق الأسود للكاب الذي قدرت ميزانيته بنحو 5 مليارات سنتيم، حيث كان يحول لمصلحته ما يناهز 50% منها.
تعديلات وترقيات
نفس الأمر بالنسبة لعبد الحق العشعاشي، العميد الرئيس ومدير مكتب أوفقير في الكاب وإدارة الأمن الوطني، ورئيس الشؤون الإدارية والمالية في الكاب، فقد جمع ثروة لا تقدر من وراء ما قام به من تعيينات وتبديلات وترقيات، ومن عمليات إعداد جوازات سفر فردية أو جماعية لليهود المغاربة الراغبين في الهجرة إلى إسرائيل، والذين لم يكونوا يتوفرون على الشروط الإدارية المطلوبة للحصول على الجوازات.
حصل جميل الحسين الذي كان ضابط شرطة مساعداً عام 1962 ثم عميداً رئيساً عام 1964 ومكلفاً بالشؤون المشبوهة للجنرال أوفقير ثروة طائلة من وراء تعاونه مع مافيا الجماعات اليهودية المغربية في الدار البيضاء ومكناس، خصوصاً في منحهم جوازات سفر للهجرة إلى إسرائيل. وبعد اختفاء الجنرال أوفقير عام 1972 عادت كل الشؤون الحقيرة والمشبوهة لهذا الأخير إليه، لأن جميع المقربين من الجنرال اعتقلوا وحكم عليهم بعشرين سنة فما فوق. وما تزال هذه المهام تحت يده اليوم بعد أن أصبح مدير شرطة متقاعداً ومسؤولاً إدارياً ومالياً سابقاً بجهاز المخابرات المغربية (الديستي) إلى جانب إدريس البصري (وزير الداخلية الأسبق المقال عام 1999)، ويتعلق الأمر خصوصاً بالشؤون البحرية المسماة "شيب شاندلرز" (تموين البواخر بميناء الدار البيضاء المحمدية، ورص البضائع في السفن المنجمية، وحراسة المرافئ والأمن في البواخر والسفن).
وأخيراً السيدة بديعة مسناوي، زوجة محمد مسناوي مدير الكتبة الخاصة للجنرال أوفقير ولكل وزراء الداخلية من 1961 إلى أواخر 1999 والمرأة المقتدرة التي أصبحت اليد اليمنى لأوفقير وكانت تهتم بكل الملفات السرية الخاصة به وبملف المهدي بن بركة تحديداً، فقد تمكنت من جمع ثروات طائلة بفضل تدخلاتها ووساطاتها لدى القواد والعمال ومسؤولي الداخلية في جميع مدن المغرب، وإشرافها على توزيع الأراضي والعقارات على أطر كوادر وزارة الداخلية خلال مدة ثلاثين عاما، وهي مدة قياسية داخل الوزارة.
مجموعة من الأعداء
لم يكن الحظ القوي الذي يتمتع به المهدي بن بركة خرافة بل كان حقيقة. فقبل اختفائه في 29 أكتوبر 1965 في باريس حالفه حظه القوي هذا في أن ينجو أربع مرات من موت محقق، فقبل باريس كان زعيم المعارضة المغربية قد واجه الموت في الرباط عام 1957م، وفي الطريق بين الرباط والدار البيضاء عام 1962م ثم في الجزائر عام 1964م، وأخيراً في القاهرة في أكتوبر 1965م.
بعد حصول المغرب على الاستقلال وجد بن بركة نفسه في مواجهة مجموعة من الأعداء، خاصة من المقاومين السابقين الحقيقيين منهم والزائفين وأعضاء جيش التحرير المغربي وضباط القوات المسلحة الملكية وفي داخل حزبه، حزب الاستقلال، كان هناك الأعيان وكل المحافظين الذين يحيطون بالزعيم علال الفاسي، وقد كان المقاومون القدامى هم الأكثر استعداداً وحماساً لتصفيته لأنهم كانوا يتهمونه باغتيال عباس المساعدي عام 1956م.
من بين هؤلاء كان هناك ضابط صف مغربي من القوات الفرنسية ظهر في الساحة السياسية عام 1956م بفضل مشاركته المزعومة في صفوف جيش التحرير المغربي وخاصة لدوره في اغتيال عباس المساعدي، وقد قرر هذا الشخص الذي أصبح واحداً من المقاومين القدامى في الساعة الأخيرة أن يستأجر رامياً محترفاً لاغتيال بن بركة، تم اختياره بدقة من بين قدماء المقاومين الذين تحولوا إلى رجال أمن في الشرطة السياسية التابعة لمحمد الغزاوي، وهو شخص داعر التحق بهذه الأخير بعد تلقيه تدريباً في مايو يونيو1956م، وكان المبلغ المالي المتفق عليه لتنفيذ المهمة يوازي أجرته خلال عام كامل، تسلمه مقدماً.
أولى محاولات اغتياله: وفي مساء نفس اليوم أخذ هذا الشخص مكانه قريباً من بيت بن بركة يترصد عودته لتصفيته بطريقة خاطفة وسريعة، كما اعتاد أن يفعل في "مهمات" الشرطة السياسية، ولكن الحظ كان إلى جانب بن بركة لأن الرصاصات الثلاث أو الأربع التي أطلقت عليه أخطأت الهدف. وكانت هذه هي أولى محاولات الاغتيال التي تعرض لها بن بركة عام 1957م، وأنا أعرف جميع تفاصيلها لأن الشخص الذي قام بالمحاولة اتصل بي قبلها من أجل المشاركة في العملية، ولكن لحسن الحظ لم أتمكن من ذلك لأنني في ذلك الوقت كنت في مهمات خاصة أخرى مع الدائرة السابعة للأمن في حي البلدية بالدار البيضاء.
منذ تلك اللحظة بدأ منفذ العملية وصاحبه الذي استأجره للمهمة يسلكان طريق النجاح في الحياة السياسية، كل على شاكلته. وهذا المنفذ لا يزال على قيد الحياة محالاً على المعاش في السبعين من عمره وبالغ الثراء، وهو يدير منذ أربعين عاماً مزرعة كبيرة في منطقة الغرب ويملك شركة لنقل البضائع، أما بالنسبة لشريكه فقد تولى تكوين عدة أحزاب سياسية أو قيادة انشقاقات داخل الأحزاب التي تهتم بالعالم القروي، وشغل مناصب حكومية مهمة عدة، بل كان في وقت ما وزيراً للدفاع، وهو اليوم لا يزال على قيد الحياة في الثمانين من العمر ويقود حزباً سياسياً منذ زمن طويل.
محاولة الاغتيال الثانية قام بها ضابط صف من الجيش الفرنسي، نجل أحد الضباط الذين عملوا في "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس" الفرنسية في فرع المغرب. كان ذلك في 18 نوفمبر 1962م وكان صاحب الخطة هو أحمد الدليمي الذي أعطى أوامره بذلك إلى مجموعة من ثلاثة أشخاص لاغتيال زعيم "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" على الطريق الرابط بين الرباط والدار البيضاء، وقام المنفذون بالاصطدام بسيارة بن بركة فوق جسر معدني قرب بوزنيقة، وقيدت الحادثة ضد مجهول، لكنها كانت غير مهيأة لها بشكل دقيق. وفي هذه المرة وقف الحظ إلى جانب بن بركة وخرج سالماً، ولكن ليس تماماً ما دام أنه سافر لتلقي العلاج في ألمانيا، ومنذ ذلك الوقت دأب على حمل قوام العنق طيلة ما تبقى من حياته لتجبير الكسر الذي أصيب به. ويجب تسجيل ملاحظة هنا: فهذه المحاولة قادها الدليمي وحده ولم يعلم بها أوفقير أو العشعاشي إلا فيما بعد، أما الرجال الثلاثة الذين تولوا تنفيذها فهم: بناصر الكرواني والمعطي ريان ومحند أوزين، الأول توفي في يناير 2003م بنوبة قلبية، والثاني أصبح مقاولاً عقارياً بعد أن عمل لسنوات عدة قائداً في بني ملال، وهو ما يزال حياً ويقيم بحي "المعاريف" بالدار البيضاء، أما الثالث فهو محال إلى المعاش اليوم حيث يعيش حياة رغيدة في مدينة "تيفلت".
أما المحاولة الثالثة لاغتيال بن بركة فحدثت في أغسطس 1964م بعد فترة قصيرة على تصفية شيخ العرب بالدار البيضاء، وفي هذه المرة كان الدليمي أيضاً هو صاحب الخطة ولم يعرف بها لا أوفقير ولا العشعاشي كذلك. فقد عين الدليمي عصابة من ثلاثة رجال لاغتيال بن بركة في مسكنه بالجزائر، غير أن هذا الأخير حالفه الحظ مرة ثالثة. فبعد أن علمت مصالح المخابرات الجزائرية أن هناك مخططاً لاغتياله عبر مصادر وثيقة عملت بكرم على "تبديله" بشخص مشابه له من سلك الأمن الجزائري، وقد أصيب هذا الأخير بجروح من طلقات مسدس أحد المنفذين الثلاثة في مدخل الفيلا التي يقيم بها بن بركة، وبعد أن اعتقدوا أن المهمة انتهت غادر الثلاثة التراب الجزائري بسرعة بالرغم من الحواجز الكثيرة التي تم نصبها في الطرقات وحالة الطوارئ، واستقلوا القطار إلى وهران ومن ثم أخذوا الباخرة إلى مارسيليا، ومنها إلى الرباط. لقد كان هؤلاء الثلاثة الذين قاموا بتلك المهمة السرية جد معروفين في "الكاب"، ويتعلق الأمر ببناصر الكرواني وعبدالقادر الوالي وأنا. الأول توفي في يناير 2003، وقد شارك في عدة عمليات في مغرب الاستقلال، وكان إلى جانب أوفقير في جل المجازر والمذابح التي وقعت في جبال الريف عام 1959م، كما شارك في المجارز التي وقعت أثناء انتفاضة 23 مارس 1965م بالدار البيضاء، حيث كان أيضاً مع أوفقير داخل الحوامة (الهيليكوبتر) التي كان يطلق منها الرصاص على المتظاهرين، وفي أحداث قصر الصخيرات في 16 أغسطس 1972م كان حاضراً إلى جانب الدليمي ساعات قليلة بعد فشل المحاولة الانقلابية التي قام بها أوفقير وتفجير طائرة "البوينج" الملكية. أما عبد القادر الوالي الذي نجا بأعجوبة من حادث أبريل 1964م بالدار البيضاء خلال محاولة قتل شيخ العرب، فقد توفي خلال السبعينيات متأثراً بسرطان خبيث رغم أنه كان قد أجرى عملية تركيب رجل أخرى في فرنسا عام 1969م. ويجب أن أفتح قوساً هنا لأقول بأنه كان هناك كوماندوز آخر من ثلاثة أشخاص كان قد أرسل إلى الجزائر ووهران في نفس تلك الفترة من طرف "الكاب" لاغتيال أجار محمد المعروف بسعيد بونعيلات المعروف جيداً داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والمقاومين القدامى، وبعد أن علمت مصالح الاستخبارات الجزائرية بالمهمتين معاً، استدعت الأشخاص الثلاثة، وكان من بينهم شخص اسمه خويا محمد من مدينة الفقيه بن صالح عين بين 1962 و1963 بالقسم الإداري والمالي ل"الكاب" إلى جانب كل من عبد الله مسناوي وعبد الرفيع العلوي، وقد اختفى هو وهذان الأخيران عام 1964م دون أن يتركوا خلفهم أي أثر أو ما يدل على أنهم أحياء. لكن في عام 2001م بعدما نشر تصريحاتي واعترافاتي اتصلت بي أسرة "خويا" عبر صحيفة "الاتحاد الاشتراكي" و"منتدى الحقيقة والإنصاف" لمعرفة أي معلومات عن ابنهم المختفي الذي كان واحداً من الفريق العامل في "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس".
قنَّاص محترف
أما المحاولة الرابعة والأخيرة لاغتيال بن بركة، فقد حدثت قبل أيام قليلة فقط من اختطافه في باريس، وكانت بالقاهرة في أكتوبر 1965م. أرسل أوفقير كوماندوز مكون من أربعة أشخاص إلى العاصمة المصرية، أحدهم رام محترف جداً في إصابة الهدف، لاغتيال الزعيم الاتحادي. نزل القتلة الأربعة بأحد فنادق القاهرة بجوار الغرفة التي كان ينزل بها ميلود التونسي ومحمد حليم اللذان كانا يلاحقان خطوات بن بركة في إطار العملية المسماة "بويا بشير"، وكان هؤلاء الأربعة مسلحين إلى الأسنان ومصحوبين ببنات الهوى، لكن الثقة الزائدة في أنفسهم وانعدام الخبرة في مثل هذه العمليات في السابق أديا إلى انكشاف أسلحتهم غير المخبأة جيداً من طرف الفتيات اللواتي أصبن بنوبة عصبية، وبدأن في الصراخ من الرعب، فانتشر الصراخ في جميع غرف الفندق، فهرع رجال الأمن الخاص بالفندق ثم حضرت قوات الأمن على عجل لتسجيل محضر بالواقعة، واقتيدت الفتيات والرجال الأربعة وكذلك الاثنان اللذان كانا في الغرفة المجاورة، التونسي وحليم، وقضى الجميع تلك الليلة في مخفر للشرطة، وفي الصباح قام السفير المغربي في القاهرة بالإجراءات اللازمة لدفن القضية دون فضائح، وتم إطلاق سراح الجميع قبل الظهر. وفي اليوم ذاته استقل الأربعة الطائرة إلى المغرب بعد "مهمة غير مكتملة" و"هدف أخطئ ولم يكتمل"، أما التونسي وحليم فقد بقيا في القاهرة بعد أن غيرا الفندق كنوع من التدبير الأمني الاحتياطي.
أخيراً بقيت جزئية مهمة جداً لم أقلها: إن هذه المهمة لم تكن في علم محمد العشعاشي رئيس مصلحة مكافحة الشغب، الذي كان يشرف على المراحل النهائية لعملية "بويا بشير"!.
جرائم الاختطاف والقتل.. وخبايا آلاف الوثائق داخل "الشرطة السرية" بالمغرب-4-
اوفقير وشيخ العرب....الحلقة الرابعة السبت, 29 سبتمبر, 2007
لم يغفل بن بركة عن ذلك فهو يعرف جيداً العسكريين القدامى الذين خدموا في الجيش الفرنسي وطالما أهانهم خلال مرات عدة في أعوام 1956،1957،1958، 1959 أمام الملأ أو في اللقاءات الخاصة 1960م، وكان يرى أن هؤلاء العسكريين المنحدرين من البوادي من مناطق الريف والأطلس بالذات، وكانوا أميين وعديمي الثقافة ولم يتجاوزوا في تعليمهم الصف الخامس الابتدائي قد أصبحوا اليوم يشغلون مناصب عليا في الدولة في ظل حكم الملك الحسن الثاني، ويوجدون في كل المؤسسات والإدارات العامة ويديرون شؤون الأمن والدرك، ويقودون المجالس البلدية ويحتلون الوزارات، بل إنهم يوجدون في الديوان الخاص للملك.
وقد أصبح هؤلاء هم الأعداء الأشد خطراً عليه دون أن يخفوا ذلك؛ إذ كانوا يعلنون في كل مناسبة رغبتهم في القضاء على زعيم اليسار المغربي منذ رجوعه إلى المغرب، وكان من بين هؤلاء العسكريين الكولونيل محمد أوفقير الذي أصبح في ذلك الوقت مسؤولاً عن "الإدارة العامة للأمن الوطني" ورئيساً لمصلحة "الكاب1" وأحمد الدليمي الذي كان يعمل مساعداً له.
وقد أصبح هؤلاء هم الأعداء الأشد خطراً عليه دون أن يخفوا ذلك؛ إذ كانوا يعلنون في كل مناسبة رغبتهم في القضاء على زعيم اليسار المغربي منذ رجوعه إلى المغرب، وكان من بين هؤلاء العسكريين الكولونيل محمد أوفقير الذي أصبح في ذلك الوقت مسؤولاً عن "الإدارة العامة للأمن الوطني" ورئيساً لمصلحة "الكاب1" وأحمد الدليمي الذي كان يعمل مساعداً له.
مضايقات
كانت رغبة بن بركة لدى عودته إلى المغرب الاستقرار في بلده بشكل نهائي إلى جانب عائلته وأصدقائه، لكنه لم يستطع المكوث أكثر من 14 شهراً، بسبب مضايقات أوفقير والدليمي اللذين لم يتركا وسيلة من الوسائل لإجباره على مغادرة المغرب في أقرب الآجال بهدف إبعاده عن الحزب وعزله.
في يونيو 1963م استقبله رئيس الجمهورية الجزائرية آنذاك أحمد بن بلة بالأحضان، كانت الجزائر في تلك الفترة دولة ضعيفة خرجت لتوها من حرب طاحنة استمرت ثماني سنوات وخلفت نحو مليون شهيد وتوجت بالحصول على الاستقلال، لكن بن بلة كان معجباً ب"بن بركة" الذي كان يرى فيه رجلاً عبقرياً وزعيماً سياسياً من طراز استثنائي بإمكانه تقديم خدمات كبيرة للشعوب المغربية والشعوب العربية وإفريقيا وشعوب العالم الثالث عموماً، فمنحه اللجوء السياسي والجنسية الجزائرية ورفعه إلى مستوى رئيس دولة بكل التشريفات والامتيازات، بل خصص له نفس الراتب الذي يتلقاه هو نفسه كرئيس للجمهورية، ومنحه جواز سفر دبلوماسياً جزائرياً وتعويضات عن كل يوم تنقل، وتكفلت الدولة بتحمل الأعباء المالية لأسفاره في الخارج، كما خصصت له سكناً مريحاً وسيارة وسائقاً خاصاً وطباخاً وبستانياً. وبفضل بن بلة أصبح المهدي بن بركة زعيماً سياسياً تحت الحماية في انتظار الحاجة إليه، يعيش على حساب الدولة الجزائرية، فقد كان صديقاً مخلصاً للرئيس الجزائري الذي وفر له كل شيء في فترة كانت الجزائر دولة فقيرة، قبل الطفرة النفطية في السبعينيات.
لكن بن بركة اختار لدواع تتعلق بأمنه الرحيل إلى سويسرا للعيش كلاجئ سياسي، وفي جنيف أقام في شقة لائقة كان يستعملها كمكتب له في نفس الوقت، قريباً من مصلحة بريد حيث توفر له صندوق بريد خاصاً يستقبل فيه رسائله، تماماً كما كان الحال في الجزائر. وقد اقترح عليه رئيس الجمهورية المصرية جمال عبد الناصر الذي كان يعد زعيماً عربياً منذ حرب السويس عام 1956م، وكان شديد الاحترام والتقدير ل"بن بركة"، أن يأتي إلى مصر مع عائلته للاستقرار مؤقتاً، لمدة شهور أو أعوام، على نفقة الدولة المصرية في كل شيء. وقد جاء اقتراح عبد الناصر في الوقت المناسب، إذ كان صديقاً لكل من بن بلة وبن بركة معاً، فرحل إلى القاهرة مع أفراد عائلته بدعوة رسمية من الحكومة المصرية في بداية عام1964م.
خلال مرحلة المنفى كان بن بركة يسافر باستمرار بين جنيف والجزائر وباريس وألمانيا والقاهرة لرؤية أسرته التي سوف يطول بقاؤها في القاهرة سنوات عدة قبل أن ترحل إلى فرنسا فيما بعد، في رحلة اغتراب استمرت أكثر من أربعين عاماً، وكان بن بركة طيلة هذه الفترة يتلقى من أصدقائه في عالم السياسة الدعم المعنوي والمالي، من بين هؤلاء "تشي جيفارا" و"فيديل كاسترو" زعيمي الثورة الكوبية، ومحمد المصمودي الزعيم السياسي التونسي المعروف، والحبيب عاشور المناضل النقابي التونسي.
إهانة الملك
خلال فترة منفاه قام بن بركة بعدة سفريات إلى منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط لجمع التبرعات المالية لحزبه "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، وكانت تلك التبرعات توجه إلى حسابات بنكية باسمه في كل من باريس والقاهرة، فقد كان هو المسؤول عن الجانب المالي في حزبه بحيث كان يخصص لنفسه ما بين 10 إلى 15% من التبرعات الموجهة إلى الحزب، في الوقت الذي كان الفقيه البصري يخصص لنفسه ما بين 60 إلى 70% في الفترة بين 1966 و1976م.
وكان يتابع من منفاه كل شيء يتعلق بالحزب وأنشطته ويراقب ما يجري في المغرب، ويدلي بالتصريحات للصحافة والإذاعات الأجنبية بشكل متواصل لنقد سياسة الحسن الثاني بقوة والتنديد بانعدام الكفاءة في الدولة على جميع الصعد، وكان الحسن الثاني يرى في تلك التصريحات التي تناقلتها وسائل الإعلام والصحافة في العالم كله تحدياً مباشراً وخيانة وإهانة له ولمحيطه وللعسكريين السابقين في الجيش الفرنسي الذين انتشروا في جميع أجهزة الدولة، لكنه كان متحيراً بخصوص ما يمكن فعله لوقف انتقادات بن بركة الذي أصبح أكثر حضوراً في الإعلام الدولي، وما كان يقلقه أكثر هو أن المغرب في الداخل، في سنوات 1963 1965م، كان يعيش وضعية صعبة جداً، لأن تلك الفترة تزامنت مع فرض حالة الاستثناء عام 1964م لشن الحرب على المعارض المسلح المدعو "شيخ العرب".
شيخ العرب والاستثناء
كانت مصالح "الكاب1" الخاصة تبحث بشكل حثيث منذ 1962م عن مسلح سابق وعضو في "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" تعتبره الدولة شخصاً خطراً يعيش في السرية بعد اغتياله لمسؤول في جنوب المغرب عام 1960م، وحسب التقارير التي حصلت عليها المصالح المذكورة من مصادر عدة داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن هذا الشخص الذي كان منخرطاً في المقاومة المسلحة عامي 1954 و 1955م، وأصبح منذ ذلك الوقت عنصراً متمرداً ثم دخل في السرية في الأعوام التالية، فإن المبحوث عنه يحاول إجراء اتصالات بالجناح المتشدد داخل الحزب ليقترح عليه التعاون من أجل قلب نظام حكم الحسن الثاني، مدعياً أن عنده الأسلحة التي تساعدهم على تحقيق هذا الهدف، وأنه يحتاج فقط إلى بضع مئات من المقاتلين.
لقد مكن الحصول على تلك المعلومات مصالح "الكاب1" من معرفة أن الأمر يتعلق بشخص يدعى "شيخ العرب"، واسمه الحقيقي "أحمد أكوليز" يعيش في الخفاء منذ بداية الاستقلال، وسبق أن حكم عليه غيابياً بالإعدام عام 1958م من طرف إحدى المحاكم بإقليم سوس جنوب المغرب لاغتياله قاضياً ورجل أمن، وفي الملف المتعلق بمؤامرة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1963م صدر ضده حكم آخر غيابي بالإعدام، لكنه كان دائماً يفلح في الهرب من قبضة رجال الأمن، ما جعل الناس يطلقون عليه لقب "الفالت".
وفي شهر أبريل 1964م تم العثور على حقيبة تحتوي على أسلحة بإحدى الشقق الواقعة بالمدينة الجديدة في الدار البيضاء، وقادت التحقيقات التي قامت بها مصالح "الكاب1" والفرقة الأمنية للدار البيضاء للعثور على صاحب الشقة في "فيلا" بحي "لارميتاج".
وصل رجال الأمن في سيارتين عاديتين بأرقام تسجيل مضللة إلى المكان، فتوقفت الأولى أمام مدخل ال "الفيلا" بينما توقفت الثانية التي كان بها كل من عبد القادر صاكا وعبد القادر الوالي من مصلحة "مكافحة الشغب" الملحقة ب"الكاب1" بعيداً عنها بحوالي عشرة أمتار ثم دفع الرجال الثلاثة الذين نزلوا من السيارة الأولى وهم عباد عباس وخطاب محمد وصدقي حمو من الشرطة القضائية بالدار البيضاء باب الحديقة.. وشرعوا في قرع جرس الباب الرئيس، لكنهم لم يتلقوا رداً لأن الموجودين بداخله كانوا قد لاحظوا من قبل وقوف السيارتين وأدركوا أن الأمر يتعلق برجال أمن مسلحين.
لكن في الوقت الذي كان الأشخاص الثلاثة ينتظرون قرب الباب انهال عليهم وابل من الرصاص من الجانب الآخر للمسكن، فسقط الثلاثة الذين كانوا من خيرة المخابرات السرية منذ 1960م صرعى للتو، فيما انبطح الاثنان الآخران اللذان كانا في السيارة الثانية بعيداً على الأرض تحت السيارة، وبهذه الطريقة تمكن صاكا والوالي من الإفلات من موت محقق.
تلك الحادثة كانت كارثة بالنسبة لمصالح الأمن، وقادت التحقيقات التي أجريت إلى معرفة هوية القتلة ومالك ومستأجر "الفيلا" وصاحب السيارة التي استعملها القتلة للفرار بعد الحادث مباشرة وصاحب الشقة التي عثر فيها على الحقيبة المليئة بالأسلحة. وقد أشرف على هذه التحقيقات التي قامت بها مصالح "الكاب1" أربعة عناصر من "مصلحة مكافحة الشغب" هم: محمد المسناوي وبناصر الكرواني وأحمد زيني وأنا شخصياً، وكانت النتيجة هي التالي:
عرفنا أن أحمد أكوليز المدعو "شيخ العرب" يوجد عنه في أرشيفات مصالح "الكاب1" ملف كبير وبإطلاعنا عليه عرفنا أنه في بداية الاستقلال عام 1956م فشل في الحصول على منصب رجل أمن أو قائد من درجة رفيعة لأنه كان أمياً، في الوقت الذي حصل فيه مقاومون أميون مثله على مناصب مهمة وعينوا قواداً أو قواداً من درجة رفيعة أو حكام أقاليم وولايات، أو رجال أمن بين 1956 و 1957م.
وبسبب خيبته تحول إلى مسلح متمرد وعدو للنظام الملكي العلوي، وفي نهاية 1956م دخل السرية للفرار من ملاحقات رجال الأمن له في عهد الغزاوي الذي كان يريد تصفيته.. وفي 1958م قتل قاضياً ورجل أمن في منطقة سوس التي ينحدر منها، فأصدرت إحدى المحاكم حكماً غيابياً ضده بالإعدام، ومن هذا التاريخ أصبح ملاحقاً، وخرجت دوريات عدة للبحث عنه بعد تزايد الشكاوى ضده بسبب اقترافه أعمال عنف وسرقة في أكادير وتيزنيت وتارودانت، وعندما حصلت الجزائر على استقلالها عام 1962م تمكن من عبور الحدود المغربية الجزائرية للعيش في الجزائر بدون هوية، بانتظار إنشاء معسكرات تدريب لعناصر "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" في الجزائر لتكوين جماعات مسلحة (كوماندوهات) لقلب نظام الحسن الثاني، لكنه في شهر أبريل 1964م عاد إلى المغرب بشكل سري برفقة "عمر الفرشي" وهو معارض مسلح آخر كان مبحوثاً عنه، وسبق أن حكم عليه بالإعدام غيابياً في قضية "بنحمو لوفاخري" عام 1961م، وكان موجوداً في مدينة وهران الجزائرية قبل أن يقرر العودة مع شيخ العرب، وبحوزتهما أسلحة ورشاشات وقنابل ومسدسات أوتوماتيكية حديثة الصنع للقيام بعمليات في المغرب وزرع البلبلة.
عبرا الحدود سراً من منطقة "بني أدرار" التي يعبر منها المهربون، وفي طريق عودتهما مرا على "مونيري بوشعيب" الذي كان مقاوماً سابقاً معهما وأصبح بعد الاستقلال حارساً غابوياً بمدينة وجدة على الحدود مع الجزائر، فنقلهما بصحبة صديقه "عبد القادر الورطاسي" بسيارة الخدمة إلى مقر إقامته الوظيفي، وفي اليوم التالي قام "مونيري" الذي كان صديقاً للاثنين في المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي بنقلهما إلى مدينة الدار البيضاء على متن سيارة الخدمة.
القرار المناسب
في الدار البيضاء استقر شيخ العرب وعمر الفرشي عدة أيام لدى شخص من منطقة سوس يعرف الأول جيداً، ومعهما حقائبهما المليئة بالأسلحة والمسدسات والقنابل اليدوية، وبعد أسبوعين تعرف شيخ العرب على صديق آخر هو "مسليل إبراهيم الحلاوي" فقرر الافتراق عن "عمر الفرشي" لأسباب أمنية وترك حقيبة مليئة بالأسلحة لدى الصديق الجديد، وذات يوم بينما كانت ابنة الحلاوي تقوم بالأعمال المنزلية إذا بها تكتشف الحقيبة تحت السرير، فتحتها فاندهشت أمام رؤية الأسلحة، ولم تتردد عن إخبار خطيبها "مصطفى الطرفاوي" الذي كان للمصادفة رجل شرطة، ومباشرة بعد علمه بالنبأ أخبر رئيسيه: العميد يوسف قدور، رئيس المصلحة الجهوية للشرطة القضائية، وعميد الشرطة الحاج بوعلي رئيس مصلحة محاربة العصابات في مركز شرطة الدار البيضاء، فقام هذان الأخيران بإبلاغ النبأ إلى العميد الممتاز للشرطة لجهة الدار البيضاء "علي بلقاسم" الذي أخبر هو بدوره ممثلي "الكاب1" في الدار البيضاء، وبعث هؤلاء ببرقية عاجلة إلى مصلحة "الكاب1" بالرباط لرفع الخبر إلى "محمد العشعاشي" رئيس قسم "محاربة الشغب" فيها، وفور وصول البرقية أرسلها إلى أوفقير والدليمي، وقام بتعيين الرجال الثلاثة الذين سيتابعون هذه المهمة، وهم الذين قتلوا أمام الفيلا، كما عين الاثنين الآخرين للقيام بالمهام التقنية المساعدة، وكان هؤلاء الخمسة جميعهم مختصين في قضايا الاختطافات والاعتقالات خارج القانون في الفترة بين 1960 و 1964م، كما أنهم أثناء مباشرة مهمتهم كانوا جميعاً في حالة سكر، لأنهم قضوا ليلة ساهرة بحانة "الطالب" التي تقع في حي عين برجة بالدار البيضاء، ولذلك لم يستطيعوا التحكم في أنفسهم في الحادث وأخطؤوا في اتخاذ القرارات المناسبة، فقد تعاملوا مع المسألة باعتبارها شيئاً اعتيادياً وروتينياً، ومثل هذه الأحداث من هذا النوع وقعت مرات عدة بين 1960 و1973م.
كانت الشقة التي وجدت بها حقيبة الأسلحة في حي "سيدي معروف" مستأجرة من طرف إبراهيم الحلاوي، وتعود إلى ملكية شخص يسمى سعيد لا أذكر كنيته، ولم تكن مستأجرة بعقد، كما أن المستأجر لم يكن لديه عقد اشتراك في الماء والكهرباء، وهي أمور كانت شائعة في ذلك الوقت.
جمعت تلك الأسلحة التي أصبحت ملكاً ل"الكاب1"، وبعد أعوام تم استخدام تلك الأسلحة نفسها في المؤامرة المزعومة التي ألصقت ب"الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" عامي 1969 1970م والمعروفة باسم "قضية البعثيين التابعين للاتحاد الوطني للقوات الشعبية"!
أما الفيلا التي قتل بها رجال الأمن الثلاثة التابعين ل"الكاب1" فقد كانت تعود لشخص يدعى أحمد أوزي، وتم اعتقال هذا الأخير وخضع للتعذيب شهوراً عدة بدون حكم حتى 1965م، بينما لم يكن ذنبه سوى أنه قام بتأجير مسكنه لمقاوم سابق.
عفو ملكي
إن أصدقاء ومرافقي شيخ العرب عام 1964م الذين لا يزال بعضهم حياً حتى اليوم قد شاركوا في صنع هذه القضية المهمة التي تعد إحدى القضايا التي تم طمس حقائقها في مغرب الاستقلال، ويتعلق الأمر بكل من عمر ناصر الفرشي، وهو قائد شبكة للمقاومين في جهة الدار البيضاء، حكم عليه بالإعدام غيابياً في قضية "بنحمو لوفاخري" ثم بالسجن المؤبد في مؤامرة "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" عام 1963م، وقد أفرج عنه بظهير ملكي في عهد الحسن الثاني عام 1998م، وعبد الله الدكالي الذي حكم عليه بالسجن المؤبد غيابياً مع الأشغال الشاقة في بداية الستينيات، وقد كان صديقاً لشيخ العرب ثم للفقيه البصري فيما بعد بين 1966 1977م، وعضواً في "التنظيم" (خلية مسلحة) الذي قام بتدبير مؤامرات بين 1969 و1970م ومارس 1973م، وصدر في حقه عفو ملكي عام 1998م.
لقد شكل مقتل الرجال الثلاثة الذين قاموا بالتحقيق في القضية إهانة لأوفقير والدليمي ومحمد العشعاشي، ولم يتردد الحسن الثاني في فرض حالة الاستثناء، فوضعت القوات المسلحة والشرطة والأمن والقوات المساعدة في حالة استنفار قصوى، وتم نصب حواجز على الطرق الرابطة بين المدن وفي مداخلها، وفي المدن الكبرى نصبت حواجز على مداخل بعض الأحياء السكنية لمراقبة هويات الناس، وانتشرت مئات الأوراق التي تحمل صور شيخ العرب ومرافقيه في عموم مناطق المغرب تحث الناس على التبليغ عنهم في حال العثور عليهم. واستمرت هذه الوضعية حتى 7 أغسطس 1964م؛ إذ في هذا اليوم كان شيخ العرب ومرافقوه مختبئين لمدة أربعة أشهر في شقة تعود إلى أحد الأصدقاء وكان يعمل في القوات المساعدة بالدار البيضاء ويدعى "مبارك بوشوا"، وقد بدأ سقوط المجموعة بعد أن رفض أحد المرافقين وهو "أحمد أوزي" البقاء في شقة صغيرة لا تتعدى مساحتها 50 متراً مربعاً، فانسحب وقرر تبليغ رجال الأمن بوجودهم مقابل مبلغ مالي عرضته السلطات على من يدلها على مكان تواجد الفارين في بلاغ كانت تبثه الإذاعة، وتمكن أوزي من مغادرة الشقة بحجة الذهاب إلى الحمام، لأن لا أحد كان قادراً على الخروج من دون إذن شيخ العرب، ومن ثم استطاع الفرار وإبلاغ الشرطة التي جاءت بعد دقائق وحوطت المكان، ثم التحقت قوات الأمن المدججة بالأسلحة وحاصرت الشقة التي كان بها أشهر مطلوبين للسلطة في تاريخ المغرب الحديث.
وبعد دقائق من الصمت، بدأ الرجال الثلاثة المطلوبون في الخروج من باب الشقة أمام رجال الأمن المسلحين، كان شيخ العرب يرفع أسلحته في الهواء، فأطلق رجال الأمن النار، فسقط "مبارك بوشوا" قتيلاً وأصيب شيخ العرب إصابات بالغة في مواضع من جسمه، ثم أطلقت رصاصة على رأسه فأردته قتيلاً، وأصيب إبراهيم الحلاوي في مواضع من جسمه لكنه استطاع البقاء على قيد الحياة، أما أحمد أوزي فقد نجا من الموت وربح أيضاً المبلغ الذي عرضته السلطات على من يبلغ عن المطلوبين.
حضر بمسرح الأحداث في ذلك اليوم قبل إعطاء الإذن بإطلاق النار الذي تكلف به "علي بلقاسم" العميد الرئيس للشرطة بالدار البيضاء، كل من محمد أوفقير ومساعده أحمد الدليمي، وعبد الحق العشعاشي وشقيقه محمد، ومعاونوهم عينان محمد وجميل الحسين وصاكا ورزيق والكرواني والغيناوي وريان المعطي والوالي وكواشا وخمسي، وبمقتل شيخ العرب انتهت حالة الاستثناء!
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة
جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...
-
مشبال: قال لي بن بركة إن الخطابي يعتبر "إيكس ليبان" ضد الوحدة المغاربية ناظورسيتي | المساء لعل أهم إنجاز لك في «راديو إفريقيا»، ...
-
1) سيرة المهدي بن بركة: ولد المهدي بن بركة بمدينة الرباط سنة 1920، درس الرياضيات وكان ذكيا وموسوعيا، وقارئا ومناضلا ومثقفا، وقع وثيقة 1944...
-
عندما أوْصى بنبركة الحسن الثاني برفع هيمنة فرنسا على المغرب هسبريس - عبد السلام الشامخ الخميس 15 غشت 2019 - لمْ يكنْ في حاجة إلى تاريخ وف...