المتابعون

الخميس، 16 ديسمبر 2021

جرائم الاختطاف والقتل.. وخبايا آلاف الوثائق داخل "الشرطة السرية" بالمغرب-5-

 :: "اوفقير" الرجل الثاني في الدولة...الجزء الخامس


السبت, 29 سبتمبر, 2007


كانت نهاية "شيخ العرب" في 7 أغسطس 1964 فرصة بالنسبة لأوفقير للارتقاء بعد أيام قلائل إلى رتبة جنرال ووزير للداخلية خلفاً لأحمد رضا أكديرة، مع بقائه محتفظاً في ذات الوقت بإدارة الأمن الوطني ورئاسة "الكاب1" بشكل أثار حسد الجميع.
وبهذه المهام والمسؤوليات التي اجتمعت له أصبح أوفقير في الواقع الرجل الثاني في الدولة، مباشرة بعد الملك الحسن الثاني، وبخاصة عندما تلقى الضوء الأخضر من أجل إعادة تنظيم وزارة الداخلية والأمن الوطني و"الكاب1"، حيث استغل ذلك لوضع رجاله في المواقع الأولى بتلك المؤسسات:

الضوء الأخضر


في وزارة الداخلية أبقي على السيدة بديعة مسناوي زوجة محمد مسناوي العميل في "الكاب1" ثم مدير الكتابة العامة بالوزارة منذ1961، وتم تعيين العميد الرئيس مولاي أحمد التدلاوي على رأس "إدارة الشؤون العامة" بالوزارة، ومحمد بن عالم كاتباً للدولة، أما بوعزة الغازي الرجل الثاني الحقيقي في الكاب منذ 1960 فقد استولى على قسم التموين والتجهيز بالوزارة، مع بقائه محتفظاً بمهماته في الإدارة العامة للأمن الوطني.
في إدارة الأمن الوطني سُجلت تعيينات جديدة عدة سواء على المستوى المركزي بالرباط أو على المستوى الإقليمي والجهوي، في الشرطة القضائية ومصالح التوثيق والاستعلام ومخافر الشرطة بالعمالات.
في "الكاب1" لم تكن هناك تغييرات في مواقع المسؤولية، ولكن تم ترقية ثلاثة أرباع الموظفين بسرعة عبر حرق المراحل، حيث أصبح العمداء الصغار عمداء رئيسين، وضباط الشرطة عمداء، ومساعدو ضباط الشرطة ضباط شرطة، وأصبح حراس الشرف الذين كانوا كثيرين في الكاب مساعدي ضباط شرطة، وقد فاجأت هذه التعيينات الجديدة الجميع وبدت للكثيرين غير معقولة.
ومن بين هذه التعيينات غير المعقولة هناك ما يستحق أن نشير إليه: فجميل الحسوني مثلاً الذي كان مفتش شرطة في ميناء الدار البيضاء بين 1957 1960، ثم عميلاً بالكاب1 وقائد مفرزة بالدار البيضاء بين 1960 1961 ثم ضابط شرطة مساعداً بنهاية 1962، تمت ترقيته مباشرة إلى رتبة عميد رئيس متخطياً بذلك ثلاث مراحل: ضابط شرطة وضابط شرطة رئيس وعميد شرطة. وعدد كبير من المنحدرين من الجهة الشرقية، وجدة ونواحيها، الذين كانوا حراس شرف في سلك الأمن أو مفتشين رقُوا مباشرة إلى رتبة ضباط شرطة مساعدين، فرقي محمد السوسي الذي ينحدر من الجهة الشرقية من رتبة رئيس مفرزة ضابط شرطة مساعد إلى عميد شرطة، متخطياً درجتين: ضابط شرطة وضابط شرطة رئيس، ومحمد التونسي من رتبة قائد عمليات التدخل كضابط شرطة مساعد أصبح عميد شرطة أيضاً، متخطياً درجتين، ومولاي إبراهيم أوفقير الذي كان مساعد ممرض في القطاع الخاص أصبح حارس شرف رغم أنه لم يتلق أي تكوين (تعليم)، ونفس الشيء بالنسبة لمولاي أحمد أوفقير الذي كان راعي غنم وأمياً.
لقد كان الضوء الأخضر الذي مُنح لأوفقير عام 1964 حدثاً استثنائياً في تاريخ المغرب، فقد مكنه ذلك من تجميد العمل بكل القوانين التي تنظم الوظيفة العمومية وتحدد شروط الترقية في وزارة الداخلية وإدارة الأمن الوطني وأسلاك الشرطة مؤقتاً لمدة 17 شهراً، ما بين أغسطس 1964 وديسمبر 1965، وخلال هذه الفترة كان أوفقير طليق اليد يفعل ما يشاء، فألغيت أهمية الشهادات في التعيين، لأن غالبية المناصب والمسؤوليات أوكلت إلى أشخاص ليس لهم تكوين أو مؤهلات بل جلهم أميون، مقابل قبضة صغيرة من المال.

الرشوة والابتزاز


كانت الرشوة والابتزاز في ذلك العهد عملتين رائجتين، الأمر الذي سمح لعدد من المقربين من أوفقير بجمع ثروات طائلة، وهنا بعض الأمثلة:
لم يتردد بوعزة الغازي في تحديد سقف معين بالنسبة لمنصب مساعد مدير في الإدارة العامة للأمن الوطني ورؤساء المصالح الإقليمية وعمداء الدوائر الأمنية، وكانت المبالغ تختلف بحسب أهمية المدينة، وأصبح كوادر الأمن مجبرين على الخضوع لهذه الشروط للحصول على المناصب التي يطمحون إليها، فكانوا يدفعون مقدماً للمبلغ ويتعهدون بدفع الباقي نهاية كل شهر على دفعات إذا أرادوا البقاء في مناصبهم وفي المدن التي اختاروها، لقد كان هذا غير معقول، ولكنه كان جارياً، وقد در ذلك على بوعزة الغازي ثروة طائلة، كما أن عروض الأثمان المتعلقة بالمشاريع التي كانت تقوم بها وزارة الداخلية وإدارة الأمن الوطني كانت لها هي أيضاً أثمانها، لكن هذا لم يكن كل شيء ما مادامت "الصناديق السوداء" للوزارة والإدارة والتي كانت تقدر بنحو 5 إلى 10 مليارات سنتيم في السنة كانت تدار من دون مراقبة ولا فواتير أو وثائق، من طرف الغازي وحده.
جنت فاطمة أوفقير زوجة أوفقير ثروة طائلة من خلال توسطها لفائدة مئات من المرشحين من منطقة تيفلت الخميسات مسقط رأسها، وأيضاً من منطقة الغرب وتافيلالت، مسقط رأس أوفقير، وكانت التعيينات والترقيات والتبديلات تخضع للتفاوض على حدة بحسب المدينة والدرجة، وغالبية المرشحين كانوا أميين أو عديمي التأهيل بالمرة.

تهريب السلع


كان للحاج قادة قرابة عائلية مع فاطمة أوفقير، وكان يعمل في مصلحة الأمن بمدينة القنيطرة كضابط أمن رئيس في القاعدة الجوية الأمريكية، ويدير في نفس الوقت شبكتين تابعتين للجنرال أوفقير، الأولى متخصصة في تبييض الأموال والدعارة والشذوذ، والثانية في تهريب السلع الأمريكية التي تأتي من القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الغرب، وقد مكنته تلك القرابة من تحصيل أموال طائلة بسبب توسطه لفائدة المئات من الأشخاص في المحاكم ولدى إدارة الأمن الوطني بالنسبة للراغبين في التعيين أو التبديل أو الترقية، وكان الحاج قادة في مدن القنيطرة وتيفلت والخميسات وسيدي سليمان وسيدي يحيى شخصاً فوق الجميع، بالرغم من أنه كان أمياً.
حصل العقيد الشنا، والد فاطمة أوفقير وصهر الجنرال أوفقير، على ثروة كبيرة بسبب توسطه لفائدة أشخاص عدة لدى بوعزة الغازي، وكان الشنا وابنه يعملان أيضاً في فريق الحاج قادة.
كان الحسن الدليمي، والد أحمد الدليمي، عاملاً إقليمياً من دون مهمة، وضابطاً سابقاً في "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس" الفرنسية مكلفاً بعدة عملاء ما بين 1948 1956 من بينهم أوفقير نفسه، وبفضل نفوذه القوي في منطقة الغرب وتحكمه في سائر العمال التابعين للداخلية ووساطاته في المحاكم وفي إدارة الأمن الوطني في المنطقة استطاع تحصيل أموال ضخمة.
جمع أحمد الدليمي الذي كان عون مدير في "الكاب1" وعوناً في إدارة الأمن الوطني بعد أغسطس 1964 ثروة كبيرة من وراء وساطته لفائدة المئات من الفلاحين المنحدرين من إقليم سيدي قاسم، مسقط رأسه، وكان يدير الصندوق الأسود للكاب الذي قدرت ميزانيته بنحو 5 مليارات سنتيم، حيث كان يحول لمصلحته ما يناهز 50% منها.

تعديلات وترقيات


نفس الأمر بالنسبة لعبد الحق العشعاشي، العميد الرئيس ومدير مكتب أوفقير في الكاب وإدارة الأمن الوطني، ورئيس الشؤون الإدارية والمالية في الكاب، فقد جمع ثروة لا تقدر من وراء ما قام به من تعيينات وتبديلات وترقيات، ومن عمليات إعداد جوازات سفر فردية أو جماعية لليهود المغاربة الراغبين في الهجرة إلى إسرائيل، والذين لم يكونوا يتوفرون على الشروط الإدارية المطلوبة للحصول على الجوازات.
حصل جميل الحسين الذي كان ضابط شرطة مساعداً عام 1962 ثم عميداً رئيساً عام 1964 ومكلفاً بالشؤون المشبوهة للجنرال أوفقير ثروة طائلة من وراء تعاونه مع مافيا الجماعات اليهودية المغربية في الدار البيضاء ومكناس، خصوصاً في منحهم جوازات سفر للهجرة إلى إسرائيل. وبعد اختفاء الجنرال أوفقير عام 1972 عادت كل الشؤون الحقيرة والمشبوهة لهذا الأخير إليه، لأن جميع المقربين من الجنرال اعتقلوا وحكم عليهم بعشرين سنة فما فوق. وما تزال هذه المهام تحت يده اليوم بعد أن أصبح مدير شرطة متقاعداً ومسؤولاً إدارياً ومالياً سابقاً بجهاز المخابرات المغربية (الديستي) إلى جانب إدريس البصري (وزير الداخلية الأسبق المقال عام 1999)، ويتعلق الأمر خصوصاً بالشؤون البحرية المسماة "شيب شاندلرز" (تموين البواخر بميناء الدار البيضاء المحمدية، ورص البضائع في السفن المنجمية، وحراسة المرافئ والأمن في البواخر والسفن).
وأخيراً السيدة بديعة مسناوي، زوجة محمد مسناوي مدير الكتبة الخاصة للجنرال أوفقير ولكل وزراء الداخلية من 1961 إلى أواخر 1999 والمرأة المقتدرة التي أصبحت اليد اليمنى لأوفقير وكانت تهتم بكل الملفات السرية الخاصة به وبملف المهدي بن بركة تحديداً، فقد تمكنت من جمع ثروات طائلة بفضل تدخلاتها ووساطاتها لدى القواد والعمال ومسؤولي الداخلية في جميع مدن المغرب، وإشرافها على توزيع الأراضي والعقارات على أطر كوادر وزارة الداخلية خلال مدة ثلاثين عاما، وهي مدة قياسية داخل الوزارة.


مجموعة من الأعداء

لم يكن الحظ القوي الذي يتمتع به المهدي بن بركة خرافة بل كان حقيقة. فقبل اختفائه في 29 أكتوبر 1965 في باريس حالفه حظه القوي هذا في أن ينجو أربع مرات من موت محقق، فقبل باريس كان زعيم المعارضة المغربية قد واجه الموت في الرباط عام 1957م، وفي الطريق بين الرباط والدار البيضاء عام 1962م ثم في الجزائر عام 1964م، وأخيراً في القاهرة في أكتوبر 1965م.
بعد حصول المغرب على الاستقلال وجد بن بركة نفسه في مواجهة مجموعة من الأعداء، خاصة من المقاومين السابقين الحقيقيين منهم والزائفين وأعضاء جيش التحرير المغربي وضباط القوات المسلحة الملكية وفي داخل حزبه، حزب الاستقلال، كان هناك الأعيان وكل المحافظين الذين يحيطون بالزعيم علال الفاسي، وقد كان المقاومون القدامى هم الأكثر استعداداً وحماساً لتصفيته لأنهم كانوا يتهمونه باغتيال عباس المساعدي عام 1956م.
من بين هؤلاء كان هناك ضابط صف مغربي من القوات الفرنسية ظهر في الساحة السياسية عام 1956م بفضل مشاركته المزعومة في صفوف جيش التحرير المغربي وخاصة لدوره في اغتيال عباس المساعدي، وقد قرر هذا الشخص الذي أصبح واحداً من المقاومين القدامى في الساعة الأخيرة أن يستأجر رامياً محترفاً لاغتيال بن بركة، تم اختياره بدقة من بين قدماء المقاومين الذين تحولوا إلى رجال أمن في الشرطة السياسية التابعة لمحمد الغزاوي، وهو شخص داعر التحق بهذه الأخير بعد تلقيه تدريباً في مايو يونيو1956م، وكان المبلغ المالي المتفق عليه لتنفيذ المهمة يوازي أجرته خلال عام كامل، تسلمه مقدماً.
أولى محاولات اغتياله: وفي مساء نفس اليوم أخذ هذا الشخص مكانه قريباً من بيت بن بركة يترصد عودته لتصفيته بطريقة خاطفة وسريعة، كما اعتاد أن يفعل في "مهمات" الشرطة السياسية، ولكن الحظ كان إلى جانب بن بركة لأن الرصاصات الثلاث أو الأربع التي أطلقت عليه أخطأت الهدف. وكانت هذه هي أولى محاولات الاغتيال التي تعرض لها بن بركة عام 1957م، وأنا أعرف جميع تفاصيلها لأن الشخص الذي قام بالمحاولة اتصل بي قبلها من أجل المشاركة في العملية، ولكن لحسن الحظ لم أتمكن من ذلك لأنني في ذلك الوقت كنت في مهمات خاصة أخرى مع الدائرة السابعة للأمن في حي البلدية بالدار البيضاء.
منذ تلك اللحظة بدأ منفذ العملية وصاحبه الذي استأجره للمهمة يسلكان طريق النجاح في الحياة السياسية، كل على شاكلته. وهذا المنفذ لا يزال على قيد الحياة محالاً على المعاش في السبعين من عمره وبالغ الثراء، وهو يدير منذ أربعين عاماً مزرعة كبيرة في منطقة الغرب ويملك شركة لنقل البضائع، أما بالنسبة لشريكه فقد تولى تكوين عدة أحزاب سياسية أو قيادة انشقاقات داخل الأحزاب التي تهتم بالعالم القروي، وشغل مناصب حكومية مهمة عدة، بل كان في وقت ما وزيراً للدفاع، وهو اليوم لا يزال على قيد الحياة في الثمانين من العمر ويقود حزباً سياسياً منذ زمن طويل.
محاولة الاغتيال الثانية قام بها ضابط صف من الجيش الفرنسي، نجل أحد الضباط الذين عملوا في "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس" الفرنسية في فرع المغرب. كان ذلك في 18 نوفمبر 1962م وكان صاحب الخطة هو أحمد الدليمي الذي أعطى أوامره بذلك إلى مجموعة من ثلاثة أشخاص لاغتيال زعيم "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" على الطريق الرابط بين الرباط والدار البيضاء، وقام المنفذون بالاصطدام بسيارة بن بركة فوق جسر معدني قرب بوزنيقة، وقيدت الحادثة ضد مجهول، لكنها كانت غير مهيأة لها بشكل دقيق. وفي هذه المرة وقف الحظ إلى جانب بن بركة وخرج سالماً، ولكن ليس تماماً ما دام أنه سافر لتلقي العلاج في ألمانيا، ومنذ ذلك الوقت دأب على حمل قوام العنق طيلة ما تبقى من حياته لتجبير الكسر الذي أصيب به. ويجب تسجيل ملاحظة هنا: فهذه المحاولة قادها الدليمي وحده ولم يعلم بها أوفقير أو العشعاشي إلا فيما بعد، أما الرجال الثلاثة الذين تولوا تنفيذها فهم: بناصر الكرواني والمعطي ريان ومحند أوزين، الأول توفي في يناير 2003م بنوبة قلبية، والثاني أصبح مقاولاً عقارياً بعد أن عمل لسنوات عدة قائداً في بني ملال، وهو ما يزال حياً ويقيم بحي "المعاريف" بالدار البيضاء، أما الثالث فهو محال إلى المعاش اليوم حيث يعيش حياة رغيدة في مدينة "تيفلت".
أما المحاولة الثالثة لاغتيال بن بركة فحدثت في أغسطس 1964م بعد فترة قصيرة على تصفية شيخ العرب بالدار البيضاء، وفي هذه المرة كان الدليمي أيضاً هو صاحب الخطة ولم يعرف بها لا أوفقير ولا العشعاشي كذلك. فقد عين الدليمي عصابة من ثلاثة رجال لاغتيال بن بركة في مسكنه بالجزائر، غير أن هذا الأخير حالفه الحظ مرة ثالثة. فبعد أن علمت مصالح المخابرات الجزائرية أن هناك مخططاً لاغتياله عبر مصادر وثيقة عملت بكرم على "تبديله" بشخص مشابه له من سلك الأمن الجزائري، وقد أصيب هذا الأخير بجروح من طلقات مسدس أحد المنفذين الثلاثة في مدخل الفيلا التي يقيم بها بن بركة، وبعد أن اعتقدوا أن المهمة انتهت غادر الثلاثة التراب الجزائري بسرعة بالرغم من الحواجز الكثيرة التي تم نصبها في الطرقات وحالة الطوارئ، واستقلوا القطار إلى وهران ومن ثم أخذوا الباخرة إلى مارسيليا، ومنها إلى الرباط. لقد كان هؤلاء الثلاثة الذين قاموا بتلك المهمة السرية جد معروفين في "الكاب"، ويتعلق الأمر ببناصر الكرواني وعبدالقادر الوالي وأنا. الأول توفي في يناير 2003، وقد شارك في عدة عمليات في مغرب الاستقلال، وكان إلى جانب أوفقير في جل المجازر والمذابح التي وقعت في جبال الريف عام 1959م، كما شارك في المجارز التي وقعت أثناء انتفاضة 23 مارس 1965م بالدار البيضاء، حيث كان أيضاً مع أوفقير داخل الحوامة (الهيليكوبتر) التي كان يطلق منها الرصاص على المتظاهرين، وفي أحداث قصر الصخيرات في 16 أغسطس 1972م كان حاضراً إلى جانب الدليمي ساعات قليلة بعد فشل المحاولة الانقلابية التي قام بها أوفقير وتفجير طائرة "البوينج" الملكية. أما عبد القادر الوالي الذي نجا بأعجوبة من حادث أبريل 1964م بالدار البيضاء خلال محاولة قتل شيخ العرب، فقد توفي خلال السبعينيات متأثراً بسرطان خبيث رغم أنه كان قد أجرى عملية تركيب رجل أخرى في فرنسا عام 1969م. ويجب أن أفتح قوساً هنا لأقول بأنه كان هناك كوماندوز آخر من ثلاثة أشخاص كان قد أرسل إلى الجزائر ووهران في نفس تلك الفترة من طرف "الكاب" لاغتيال أجار محمد المعروف بسعيد بونعيلات المعروف جيداً داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والمقاومين القدامى، وبعد أن علمت مصالح الاستخبارات الجزائرية بالمهمتين معاً، استدعت الأشخاص الثلاثة، وكان من بينهم شخص اسمه خويا محمد من مدينة الفقيه بن صالح عين بين 1962 و1963 بالقسم الإداري والمالي ل"الكاب" إلى جانب كل من عبد الله مسناوي وعبد الرفيع العلوي، وقد اختفى هو وهذان الأخيران عام 1964م دون أن يتركوا خلفهم أي أثر أو ما يدل على أنهم أحياء. لكن في عام 2001م بعدما نشر تصريحاتي واعترافاتي اتصلت بي أسرة "خويا" عبر صحيفة "الاتحاد الاشتراكي" و"منتدى الحقيقة والإنصاف" لمعرفة أي معلومات عن ابنهم المختفي الذي كان واحداً من الفريق العامل في "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس".

قنَّاص محترف


أما المحاولة الرابعة والأخيرة لاغتيال بن بركة، فقد حدثت قبل أيام قليلة فقط من اختطافه في باريس، وكانت بالقاهرة في أكتوبر 1965م. أرسل أوفقير كوماندوز مكون من أربعة أشخاص إلى العاصمة المصرية، أحدهم رام محترف جداً في إصابة الهدف، لاغتيال الزعيم الاتحادي. نزل القتلة الأربعة بأحد فنادق القاهرة بجوار الغرفة التي كان ينزل بها ميلود التونسي ومحمد حليم اللذان كانا يلاحقان خطوات بن بركة في إطار العملية المسماة "بويا بشير"، وكان هؤلاء الأربعة مسلحين إلى الأسنان ومصحوبين ببنات الهوى، لكن الثقة الزائدة في أنفسهم وانعدام الخبرة في مثل هذه العمليات في السابق أديا إلى انكشاف أسلحتهم غير المخبأة جيداً من طرف الفتيات اللواتي أصبن بنوبة عصبية، وبدأن في الصراخ من الرعب، فانتشر الصراخ في جميع غرف الفندق، فهرع رجال الأمن الخاص بالفندق ثم حضرت قوات الأمن على عجل لتسجيل محضر بالواقعة، واقتيدت الفتيات والرجال الأربعة وكذلك الاثنان اللذان كانا في الغرفة المجاورة، التونسي وحليم، وقضى الجميع تلك الليلة في مخفر للشرطة، وفي الصباح قام السفير المغربي في القاهرة بالإجراءات اللازمة لدفن القضية دون فضائح، وتم إطلاق سراح الجميع قبل الظهر. وفي اليوم ذاته استقل الأربعة الطائرة إلى المغرب بعد "مهمة غير مكتملة" و"هدف أخطئ ولم يكتمل"، أما التونسي وحليم فقد بقيا في القاهرة بعد أن غيرا الفندق كنوع من التدبير الأمني الاحتياطي.
أخيراً بقيت جزئية مهمة جداً لم أقلها: إن هذه المهمة لم تكن في علم محمد العشعاشي رئيس مصلحة مكافحة الشغب، الذي كان يشرف على المراحل النهائية لعملية "بويا بشير"!.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة

  جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...