المتابعون

الخميس، 16 ديسمبر 2021

جرائم الاختطاف والقتل.. وخبايا آلاف الوثائق داخل "الشرطة السرية" بالمغرب-4-

 اوفقير وشيخ العرب....الحلقة الرابعة السبت, 29 سبتمبر, 2007


لم يغفل بن بركة عن ذلك فهو يعرف جيداً العسكريين القدامى الذين خدموا في الجيش الفرنسي وطالما أهانهم خلال مرات عدة في أعوام 1956،1957،1958، 1959 أمام الملأ أو في اللقاءات الخاصة 1960م، وكان يرى أن هؤلاء العسكريين المنحدرين من البوادي من مناطق الريف والأطلس بالذات، وكانوا أميين وعديمي الثقافة ولم يتجاوزوا في تعليمهم الصف الخامس الابتدائي قد أصبحوا اليوم يشغلون مناصب عليا في الدولة في ظل حكم الملك الحسن الثاني، ويوجدون في كل المؤسسات والإدارات العامة ويديرون شؤون الأمن والدرك، ويقودون المجالس البلدية ويحتلون الوزارات، بل إنهم يوجدون في الديوان الخاص للملك.
وقد أصبح هؤلاء هم الأعداء الأشد خطراً عليه دون أن يخفوا ذلك؛ إذ كانوا يعلنون في كل مناسبة رغبتهم في القضاء على زعيم اليسار المغربي منذ رجوعه إلى المغرب، وكان من بين هؤلاء العسكريين الكولونيل محمد أوفقير الذي أصبح في ذلك الوقت مسؤولاً عن "الإدارة العامة للأمن الوطني" ورئيساً لمصلحة "الكاب1" وأحمد الدليمي الذي كان يعمل مساعداً له.

مضايقات


كانت رغبة بن بركة لدى عودته إلى المغرب الاستقرار في بلده بشكل نهائي إلى جانب عائلته وأصدقائه، لكنه لم يستطع المكوث أكثر من 14 شهراً، بسبب مضايقات أوفقير والدليمي اللذين لم يتركا وسيلة من الوسائل لإجباره على مغادرة المغرب في أقرب الآجال بهدف إبعاده عن الحزب وعزله.
في يونيو 1963م استقبله رئيس الجمهورية الجزائرية آنذاك أحمد بن بلة بالأحضان، كانت الجزائر في تلك الفترة دولة ضعيفة خرجت لتوها من حرب طاحنة استمرت ثماني سنوات وخلفت نحو مليون شهيد وتوجت بالحصول على الاستقلال، لكن بن بلة كان معجباً ب"بن بركة" الذي كان يرى فيه رجلاً عبقرياً وزعيماً سياسياً من طراز استثنائي بإمكانه تقديم خدمات كبيرة للشعوب المغربية والشعوب العربية وإفريقيا وشعوب العالم الثالث عموماً، فمنحه اللجوء السياسي والجنسية الجزائرية ورفعه إلى مستوى رئيس دولة بكل التشريفات والامتيازات، بل خصص له نفس الراتب الذي يتلقاه هو نفسه كرئيس للجمهورية، ومنحه جواز سفر دبلوماسياً جزائرياً وتعويضات عن كل يوم تنقل، وتكفلت الدولة بتحمل الأعباء المالية لأسفاره في الخارج، كما خصصت له سكناً مريحاً وسيارة وسائقاً خاصاً وطباخاً وبستانياً. وبفضل بن بلة أصبح المهدي بن بركة زعيماً سياسياً تحت الحماية في انتظار الحاجة إليه، يعيش على حساب الدولة الجزائرية، فقد كان صديقاً مخلصاً للرئيس الجزائري الذي وفر له كل شيء في فترة كانت الجزائر دولة فقيرة، قبل الطفرة النفطية في السبعينيات.
لكن بن بركة اختار لدواع تتعلق بأمنه الرحيل إلى سويسرا للعيش كلاجئ سياسي، وفي جنيف أقام في شقة لائقة كان يستعملها كمكتب له في نفس الوقت، قريباً من مصلحة بريد حيث توفر له صندوق بريد خاصاً يستقبل فيه رسائله، تماماً كما كان الحال في الجزائر. وقد اقترح عليه رئيس الجمهورية المصرية جمال عبد الناصر الذي كان يعد زعيماً عربياً منذ حرب السويس عام 1956م، وكان شديد الاحترام والتقدير ل"بن بركة"، أن يأتي إلى مصر مع عائلته للاستقرار مؤقتاً، لمدة شهور أو أعوام، على نفقة الدولة المصرية في كل شيء. وقد جاء اقتراح عبد الناصر في الوقت المناسب، إذ كان صديقاً لكل من بن بلة وبن بركة معاً، فرحل إلى القاهرة مع أفراد عائلته بدعوة رسمية من الحكومة المصرية في بداية عام1964م.
خلال مرحلة المنفى كان بن بركة يسافر باستمرار بين جنيف والجزائر وباريس وألمانيا والقاهرة لرؤية أسرته التي سوف يطول بقاؤها في القاهرة سنوات عدة قبل أن ترحل إلى فرنسا فيما بعد، في رحلة اغتراب استمرت أكثر من أربعين عاماً، وكان بن بركة طيلة هذه الفترة يتلقى من أصدقائه في عالم السياسة الدعم المعنوي والمالي، من بين هؤلاء "تشي جيفارا" و"فيديل كاسترو" زعيمي الثورة الكوبية، ومحمد المصمودي الزعيم السياسي التونسي المعروف، والحبيب عاشور المناضل النقابي التونسي.

إهانة الملك


خلال فترة منفاه قام بن بركة بعدة سفريات إلى منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط لجمع التبرعات المالية لحزبه "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية"، وكانت تلك التبرعات توجه إلى حسابات بنكية باسمه في كل من باريس والقاهرة، فقد كان هو المسؤول عن الجانب المالي في حزبه بحيث كان يخصص لنفسه ما بين 10 إلى 15% من التبرعات الموجهة إلى الحزب، في الوقت الذي كان الفقيه البصري يخصص لنفسه ما بين 60 إلى 70% في الفترة بين 1966 و1976م.
وكان يتابع من منفاه كل شيء يتعلق بالحزب وأنشطته ويراقب ما يجري في المغرب، ويدلي بالتصريحات للصحافة والإذاعات الأجنبية بشكل متواصل لنقد سياسة الحسن الثاني بقوة والتنديد بانعدام الكفاءة في الدولة على جميع الصعد، وكان الحسن الثاني يرى في تلك التصريحات التي تناقلتها وسائل الإعلام والصحافة في العالم كله تحدياً مباشراً وخيانة وإهانة له ولمحيطه وللعسكريين السابقين في الجيش الفرنسي الذين انتشروا في جميع أجهزة الدولة، لكنه كان متحيراً بخصوص ما يمكن فعله لوقف انتقادات بن بركة الذي أصبح أكثر حضوراً في الإعلام الدولي، وما كان يقلقه أكثر هو أن المغرب في الداخل، في سنوات 1963 1965م، كان يعيش وضعية صعبة جداً، لأن تلك الفترة تزامنت مع فرض حالة الاستثناء عام 1964م لشن الحرب على المعارض المسلح المدعو "شيخ العرب".
شيخ العرب والاستثناء


كانت مصالح "الكاب1" الخاصة تبحث بشكل حثيث منذ 1962م عن مسلح سابق وعضو في "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" تعتبره الدولة شخصاً خطراً يعيش في السرية بعد اغتياله لمسؤول في جنوب المغرب عام 1960م، وحسب التقارير التي حصلت عليها المصالح المذكورة من مصادر عدة داخل حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن هذا الشخص الذي كان منخرطاً في المقاومة المسلحة عامي 1954 و 1955م، وأصبح منذ ذلك الوقت عنصراً متمرداً ثم دخل في السرية في الأعوام التالية، فإن المبحوث عنه يحاول إجراء اتصالات بالجناح المتشدد داخل الحزب ليقترح عليه التعاون من أجل قلب نظام حكم الحسن الثاني، مدعياً أن عنده الأسلحة التي تساعدهم على تحقيق هذا الهدف، وأنه يحتاج فقط إلى بضع مئات من المقاتلين.
لقد مكن الحصول على تلك المعلومات مصالح "الكاب1" من معرفة أن الأمر يتعلق بشخص يدعى "شيخ العرب"، واسمه الحقيقي "أحمد أكوليز" يعيش في الخفاء منذ بداية الاستقلال، وسبق أن حكم عليه غيابياً بالإعدام عام 1958م من طرف إحدى المحاكم بإقليم سوس جنوب المغرب لاغتياله قاضياً ورجل أمن، وفي الملف المتعلق بمؤامرة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1963م صدر ضده حكم آخر غيابي بالإعدام، لكنه كان دائماً يفلح في الهرب من قبضة رجال الأمن، ما جعل الناس يطلقون عليه لقب "الفالت".
وفي شهر أبريل 1964م تم العثور على حقيبة تحتوي على أسلحة بإحدى الشقق الواقعة بالمدينة الجديدة في الدار البيضاء، وقادت التحقيقات التي قامت بها مصالح "الكاب1" والفرقة الأمنية للدار البيضاء للعثور على صاحب الشقة في "فيلا" بحي "لارميتاج".
وصل رجال الأمن في سيارتين عاديتين بأرقام تسجيل مضللة إلى المكان، فتوقفت الأولى أمام مدخل ال "الفيلا" بينما توقفت الثانية التي كان بها كل من عبد القادر صاكا وعبد القادر الوالي من مصلحة "مكافحة الشغب" الملحقة ب"الكاب1" بعيداً عنها بحوالي عشرة أمتار ثم دفع الرجال الثلاثة الذين نزلوا من السيارة الأولى وهم عباد عباس وخطاب محمد وصدقي حمو من الشرطة القضائية بالدار البيضاء باب الحديقة.. وشرعوا في قرع جرس الباب الرئيس، لكنهم لم يتلقوا رداً لأن الموجودين بداخله كانوا قد لاحظوا من قبل وقوف السيارتين وأدركوا أن الأمر يتعلق برجال أمن مسلحين.
لكن في الوقت الذي كان الأشخاص الثلاثة ينتظرون قرب الباب انهال عليهم وابل من الرصاص من الجانب الآخر للمسكن، فسقط الثلاثة الذين كانوا من خيرة المخابرات السرية منذ 1960م صرعى للتو، فيما انبطح الاثنان الآخران اللذان كانا في السيارة الثانية بعيداً على الأرض تحت السيارة، وبهذه الطريقة تمكن صاكا والوالي من الإفلات من موت محقق.
تلك الحادثة كانت كارثة بالنسبة لمصالح الأمن، وقادت التحقيقات التي أجريت إلى معرفة هوية القتلة ومالك ومستأجر "الفيلا" وصاحب السيارة التي استعملها القتلة للفرار بعد الحادث مباشرة وصاحب الشقة التي عثر فيها على الحقيبة المليئة بالأسلحة. وقد أشرف على هذه التحقيقات التي قامت بها مصالح "الكاب1" أربعة عناصر من "مصلحة مكافحة الشغب" هم: محمد المسناوي وبناصر الكرواني وأحمد زيني وأنا شخصياً، وكانت النتيجة هي التالي:
عرفنا أن أحمد أكوليز المدعو "شيخ العرب" يوجد عنه في أرشيفات مصالح "الكاب1" ملف كبير وبإطلاعنا عليه عرفنا أنه في بداية الاستقلال عام 1956م فشل في الحصول على منصب رجل أمن أو قائد من درجة رفيعة لأنه كان أمياً، في الوقت الذي حصل فيه مقاومون أميون مثله على مناصب مهمة وعينوا قواداً أو قواداً من درجة رفيعة أو حكام أقاليم وولايات، أو رجال أمن بين 1956 و 1957م.
وبسبب خيبته تحول إلى مسلح متمرد وعدو للنظام الملكي العلوي، وفي نهاية 1956م دخل السرية للفرار من ملاحقات رجال الأمن له في عهد الغزاوي الذي كان يريد تصفيته.. وفي 1958م قتل قاضياً ورجل أمن في منطقة سوس التي ينحدر منها، فأصدرت إحدى المحاكم حكماً غيابياً ضده بالإعدام، ومن هذا التاريخ أصبح ملاحقاً، وخرجت دوريات عدة للبحث عنه بعد تزايد الشكاوى ضده بسبب اقترافه أعمال عنف وسرقة في أكادير وتيزنيت وتارودانت، وعندما حصلت الجزائر على استقلالها عام 1962م تمكن من عبور الحدود المغربية الجزائرية للعيش في الجزائر بدون هوية، بانتظار إنشاء معسكرات تدريب لعناصر "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" في الجزائر لتكوين جماعات مسلحة (كوماندوهات) لقلب نظام الحسن الثاني، لكنه في شهر أبريل 1964م عاد إلى المغرب بشكل سري برفقة "عمر الفرشي" وهو معارض مسلح آخر كان مبحوثاً عنه، وسبق أن حكم عليه بالإعدام غيابياً في قضية "بنحمو لوفاخري" عام 1961م، وكان موجوداً في مدينة وهران الجزائرية قبل أن يقرر العودة مع شيخ العرب، وبحوزتهما أسلحة ورشاشات وقنابل ومسدسات أوتوماتيكية حديثة الصنع للقيام بعمليات في المغرب وزرع البلبلة.
عبرا الحدود سراً من منطقة "بني أدرار" التي يعبر منها المهربون، وفي طريق عودتهما مرا على "مونيري بوشعيب" الذي كان مقاوماً سابقاً معهما وأصبح بعد الاستقلال حارساً غابوياً بمدينة وجدة على الحدود مع الجزائر، فنقلهما بصحبة صديقه "عبد القادر الورطاسي" بسيارة الخدمة إلى مقر إقامته الوظيفي، وفي اليوم التالي قام "مونيري" الذي كان صديقاً للاثنين في المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي بنقلهما إلى مدينة الدار البيضاء على متن سيارة الخدمة.

القرار المناسب


في الدار البيضاء استقر شيخ العرب وعمر الفرشي عدة أيام لدى شخص من منطقة سوس يعرف الأول جيداً، ومعهما حقائبهما المليئة بالأسلحة والمسدسات والقنابل اليدوية، وبعد أسبوعين تعرف شيخ العرب على صديق آخر هو "مسليل إبراهيم الحلاوي" فقرر الافتراق عن "عمر الفرشي" لأسباب أمنية وترك حقيبة مليئة بالأسلحة لدى الصديق الجديد، وذات يوم بينما كانت ابنة الحلاوي تقوم بالأعمال المنزلية إذا بها تكتشف الحقيبة تحت السرير، فتحتها فاندهشت أمام رؤية الأسلحة، ولم تتردد عن إخبار خطيبها "مصطفى الطرفاوي" الذي كان للمصادفة رجل شرطة، ومباشرة بعد علمه بالنبأ أخبر رئيسيه: العميد يوسف قدور، رئيس المصلحة الجهوية للشرطة القضائية، وعميد الشرطة الحاج بوعلي رئيس مصلحة محاربة العصابات في مركز شرطة الدار البيضاء، فقام هذان الأخيران بإبلاغ النبأ إلى العميد الممتاز للشرطة لجهة الدار البيضاء "علي بلقاسم" الذي أخبر هو بدوره ممثلي "الكاب1" في الدار البيضاء، وبعث هؤلاء ببرقية عاجلة إلى مصلحة "الكاب1" بالرباط لرفع الخبر إلى "محمد العشعاشي" رئيس قسم "محاربة الشغب" فيها، وفور وصول البرقية أرسلها إلى أوفقير والدليمي، وقام بتعيين الرجال الثلاثة الذين سيتابعون هذه المهمة، وهم الذين قتلوا أمام الفيلا، كما عين الاثنين الآخرين للقيام بالمهام التقنية المساعدة، وكان هؤلاء الخمسة جميعهم مختصين في قضايا الاختطافات والاعتقالات خارج القانون في الفترة بين 1960 و 1964م، كما أنهم أثناء مباشرة مهمتهم كانوا جميعاً في حالة سكر، لأنهم قضوا ليلة ساهرة بحانة "الطالب" التي تقع في حي عين برجة بالدار البيضاء، ولذلك لم يستطيعوا التحكم في أنفسهم في الحادث وأخطؤوا في اتخاذ القرارات المناسبة، فقد تعاملوا مع المسألة باعتبارها شيئاً اعتيادياً وروتينياً، ومثل هذه الأحداث من هذا النوع وقعت مرات عدة بين 1960 و1973م.
كانت الشقة التي وجدت بها حقيبة الأسلحة في حي "سيدي معروف" مستأجرة من طرف إبراهيم الحلاوي، وتعود إلى ملكية شخص يسمى سعيد لا أذكر كنيته، ولم تكن مستأجرة بعقد، كما أن المستأجر لم يكن لديه عقد اشتراك في الماء والكهرباء، وهي أمور كانت شائعة في ذلك الوقت.
جمعت تلك الأسلحة التي أصبحت ملكاً ل"الكاب1"، وبعد أعوام تم استخدام تلك الأسلحة نفسها في المؤامرة المزعومة التي ألصقت ب"الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" عامي 1969 1970م والمعروفة باسم "قضية البعثيين التابعين للاتحاد الوطني للقوات الشعبية"!
أما الفيلا التي قتل بها رجال الأمن الثلاثة التابعين ل"الكاب1" فقد كانت تعود لشخص يدعى أحمد أوزي، وتم اعتقال هذا الأخير وخضع للتعذيب شهوراً عدة بدون حكم حتى 1965م، بينما لم يكن ذنبه سوى أنه قام بتأجير مسكنه لمقاوم سابق.

عفو ملكي


إن أصدقاء ومرافقي شيخ العرب عام 1964م الذين لا يزال بعضهم حياً حتى اليوم قد شاركوا في صنع هذه القضية المهمة التي تعد إحدى القضايا التي تم طمس حقائقها في مغرب الاستقلال، ويتعلق الأمر بكل من عمر ناصر الفرشي، وهو قائد شبكة للمقاومين في جهة الدار البيضاء، حكم عليه بالإعدام غيابياً في قضية "بنحمو لوفاخري" ثم بالسجن المؤبد في مؤامرة "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" عام 1963م، وقد أفرج عنه بظهير ملكي في عهد الحسن الثاني عام 1998م، وعبد الله الدكالي الذي حكم عليه بالسجن المؤبد غيابياً مع الأشغال الشاقة في بداية الستينيات، وقد كان صديقاً لشيخ العرب ثم للفقيه البصري فيما بعد بين 1966 1977م، وعضواً في "التنظيم" (خلية مسلحة) الذي قام بتدبير مؤامرات بين 1969 و1970م ومارس 1973م، وصدر في حقه عفو ملكي عام 1998م.
لقد شكل مقتل الرجال الثلاثة الذين قاموا بالتحقيق في القضية إهانة لأوفقير والدليمي ومحمد العشعاشي، ولم يتردد الحسن الثاني في فرض حالة الاستثناء، فوضعت القوات المسلحة والشرطة والأمن والقوات المساعدة في حالة استنفار قصوى، وتم نصب حواجز على الطرق الرابطة بين المدن وفي مداخلها، وفي المدن الكبرى نصبت حواجز على مداخل بعض الأحياء السكنية لمراقبة هويات الناس، وانتشرت مئات الأوراق التي تحمل صور شيخ العرب ومرافقيه في عموم مناطق المغرب تحث الناس على التبليغ عنهم في حال العثور عليهم. واستمرت هذه الوضعية حتى 7 أغسطس 1964م؛ إذ في هذا اليوم كان شيخ العرب ومرافقوه مختبئين لمدة أربعة أشهر في شقة تعود إلى أحد الأصدقاء وكان يعمل في القوات المساعدة بالدار البيضاء ويدعى "مبارك بوشوا"، وقد بدأ سقوط المجموعة بعد أن رفض أحد المرافقين وهو "أحمد أوزي" البقاء في شقة صغيرة لا تتعدى مساحتها 50 متراً مربعاً، فانسحب وقرر تبليغ رجال الأمن بوجودهم مقابل مبلغ مالي عرضته السلطات على من يدلها على مكان تواجد الفارين في بلاغ كانت تبثه الإذاعة، وتمكن أوزي من مغادرة الشقة بحجة الذهاب إلى الحمام، لأن لا أحد كان قادراً على الخروج من دون إذن شيخ العرب، ومن ثم استطاع الفرار وإبلاغ الشرطة التي جاءت بعد دقائق وحوطت المكان، ثم التحقت قوات الأمن المدججة بالأسلحة وحاصرت الشقة التي كان بها أشهر مطلوبين للسلطة في تاريخ المغرب الحديث.
وبعد دقائق من الصمت، بدأ الرجال الثلاثة المطلوبون في الخروج من باب الشقة أمام رجال الأمن المسلحين، كان شيخ العرب يرفع أسلحته في الهواء، فأطلق رجال الأمن النار، فسقط "مبارك بوشوا" قتيلاً وأصيب شيخ العرب إصابات بالغة في مواضع من جسمه، ثم أطلقت رصاصة على رأسه فأردته قتيلاً، وأصيب إبراهيم الحلاوي في مواضع من جسمه لكنه استطاع البقاء على قيد الحياة، أما أحمد أوزي فقد نجا من الموت وربح أيضاً المبلغ الذي عرضته السلطات على من يبلغ عن المطلوبين.
حضر بمسرح الأحداث في ذلك اليوم قبل إعطاء الإذن بإطلاق النار الذي تكلف به "علي بلقاسم" العميد الرئيس للشرطة بالدار البيضاء، كل من محمد أوفقير ومساعده أحمد الدليمي، وعبد الحق العشعاشي وشقيقه محمد، ومعاونوهم عينان محمد وجميل الحسين وصاكا ورزيق والكرواني والغيناوي وريان المعطي والوالي وكواشا وخمسي، وبمقتل شيخ العرب انتهت حالة الاستثناء!



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة

  جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...