المتابعون

الخميس، 16 ديسمبر 2021

جرائم الاختطاف والقتل.. وخبايا آلاف الوثائق داخل "الشرطة السرية" بالمغرب-2-

 :: الحلقة الثانية


السبت, 29 سبتمبر, 2007

تلقى المكتب التابع ل "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس في الرباط" من باريس توجيهاً يقضي بإيقاعه "في فخ" لوضعه أمام الأمر الواقع وتخييره بين أمرين تحت الإكراه والتهديد:
إما التعاون مع مكتب المصلحة بالرباط أو أن مستقبله السياسي سيتعرض للخطر. ومن أجل تنفيذ هذا المخطط قام عملاء "مصلحة التوثيق الخارجي" و"الاستخبارات العامة" بالمغرب بإجراء عدة تحقيقات سرية ودقيقة للإجابة عن "150 سؤالاً لها علاقة بتحديد موقع المعني بالأمر"، ولكن بما أن بن بركة لم يكن شخصاً ضعيف الإرادة ولم تكن في حياته ثغرة يمكن التسلل منها، صعب إيقاعه في الفخ.

وأفتح هنا قوساً لأقول بأن تقرير "150 سؤالاً لها علاقة بتحديد موقع المعني بالأمر" الشهير هو بمثابة كشف شعاعي للأشخاص، معروف ومطبق لدى مختلف أجهزة الاستخبارات في مختلف بقاع العالم.
نقطة الضعف الوحيدة التي كانت في حياة بن بركة كانت متعلقة بالجانب المالي، ولكن بن بركة كان ذكياً ومنهجياً، فقد كان يخطط جيداً لمصاريفه المالية مكتفياً براتبه كرجل تعليم، وخلال 1940 و1950 كان يعيش حياة عادية ومتكتمة، بدون دعوات أو حفلات ولا سجائر أو خمور، ولم يكن يرتاد النوادي أو جلسات الخمر أو الخرجات العامة والسهرات الليلية، كما لم تكن له "صحبة سيئة" وكان قليل الأصدقاء. كانت عادته أداء الصلاة خمس مرات في اليوم والذهاب إلى المسجد بشكل دائم عندما يسمح له وقته بذلك، إذ إنه كان غارقاً ليل نهار في الشؤون السياسية والتحركات داخل حزب الاستقلال.
لكن السلطات القضائية التابعة لسلطات الحماية الفرنسية في المغرب لجأت إلى وسيلة أخرى لمضايقته ووضع العصا في العجلة لتعطيل سيره، حيث قامت باعتقاله مباشرة عقب توقيع عريضة المطالبة بالاستقلال عام 1944 لمدة سنتين، إذ وجهت المحكمة إليه تهمة التخابر مع السلطات الألمانية المعادية (كانت الحرب العالمية الثانية قائمة وقتها). وفي عام 1951 نفاه الجنرال "جوان" المقيم العام الفرنسي بالمغرب إلى الجنوب المغربي وفرض عليه الإقامة الإجبارية لعزله وإبعاده عن الرباط وعن الحزب الذي بدأ في ذلك الوقت في خلق شبكات سرية للمقاومة المسلحة بالمدن الكبرى. استمرت الإقامة الإجبارية حتى عام 1953، وعندما حل الجنرال "غيوم" محل الجنرال "جوان" نفاه بدوره مرة أخرى إلى جبال الأطلس حتى سبتمبر من عام 1954 بهدف إبعاده عن شؤون الحزب والمقاومة المسلحة في المدن التي كان يقودها محمد الزرقطوني.

فشل الاستخبارات


كان بن بركة شديد الاحترام للسلطة وللقانون، فقد كان حريصاً على ممارسة عمله السياسي في ظل الشرعية القانونية وفقاً للقوانين التي تنظم النشاط السياسي والنقابي في البلاد، وفي التجمعات التي كان ينظمها كانت لديه دائماً الجرأة لقول ما يفكر فيه بصراحة عالية، من غير أن يلقي بالاً لرجال الاستخبارات الفرنسية الحاضرين الذين يسجلون ما يقال وما يحدث، مدققين في برنامج الاجتماعات وما إن كان قد جرى احترام جدول أعمالها، وكانت مواقف بن بركة تعتبر بمثابة الدليل على فشل مصلحة الاستخبارات العامة ومكتب مصلحة التوثيق الخارجي.
في نهاية كل اجتماع كان عناصر الاستخبارات يعدون تقاريرهم لرواية ما حدث وتسجيل ملاحظاتهم، لكن بعض هؤلاء لم يكن يتردد في زيادة أشياء من عنده على لسان بن بركة من أجل خلق مشكلات إضافية له مع سلطات الحماية. كان العديد من هؤلاء العناصر من جنسيات كورسيكية، ولذا لم يكونوا يقبلون بأن يكون هناك سياسي مغربي محنك ومثقف ومعتز بجنسيته المغربية، ويرفض أن يمد إليهم يده لتحيتهم كما يفعل رفاقه في الحزب. ولا تترك قراءة هذه التقارير التي كتبها العملاء الكورسيكيون، خصوصاً في مرحلة ما بين 1940 و1956، أدنى شك حول وجود كراهية قوية، بل أحياناً نزعة عنصرية، موجهة ناحية بن بركة، ونظراً لأنهم لم يكونوا قادرين على إيذائه بطريقة مطابقة للقانون، كانوا يعوضون عن ذلك بتضخيم الأحداث في تقاريرهم لتسمينها.

حزب الاستقلال


كان العديد من قادة حزب الاستقلال رجالاً أثرياء، جلهم من مدينة فاس ويقيمون جميعاً تقريباً في الأحياء الراقية بكل من فاس والرباط والدار البيضاء ومراكش وآسفي وأجادير. وقد اعتادوا على إقامة "ولائم" وحفلات ليلية فيما بينهم بالمناوبة، حيث يستمعون إلى طرب الملحون الذي تؤديه مغنية جميلة. لكن هذه الحفلات كانت بمثابة اجتماعات سرية لنخبة الحزب، وكان المهدي بن بركة يشارك في هذه الحفلات عادة حيث كان يتناول الكلمة لمدة ساعتين أو ثلاث ليقول ما يفكر فيه علناً حول الحماية الفرنسية في المغرب والسياسة الفرنسية العامة المطبقة في المستعمرات الفرنسية الأخرى وتفقير الشعب وانتشار الأمية والتخطيط للمقاومة المسلحة لإرغام فرنسا على الانسحاب.
بين هؤلاء الأثرياء من حزب الاستقلال كان هناك مخبرون يعملون لفائدة الاستخبارات العامة ومكتب مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس الفرنسيين، ومن خلالهم كان كل ما يحصل في تلك الاجتماعات "السرية" يصبح معروفاً ومقيداً في التقارير التي يعدها هؤلاء، لذا كان كل ما يقوله بن بركة موثقاً، خاصة في الفترة ما بين 1943 و1955، وكانت هذه التقارير الضخمة مصنفة كالتالي:
ملف المهدي بن بركة "رقم 1"، خاص بالاستخبارات العامة في الفترة ما بين 1940 و1956 .
ملف المهدي بن بركة "رقم 2"، خاص بمصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس فرع المغرب، في الفترة ما بين 1948 و1956 .
إن القراءة المتأنية لهذه التقارير وتحليل ملف بن بركة الذي قام به العقيد "مارتان" وأنا شخصياً في المكاتب التابعة لإدارة "مكافحة الشغب" خلال سنوات الستينيات سمحت لنا بملاحظة أن الشرطة الفرنسية السرية لتلك الفترة كان لديها ميل إلى تضخيم الوقائع وتهويلها وتحريفها، والحقيقة الدامغة هي أن الوقائع المسجلة عن بن بركة في تقارير الاستخبارات العامة تختلف كثيراً عن تلك المسجلة في تقارير مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس، الأقرب إلى الصحة.
في عام 1955 قررت الحكومة الاشتراكية الفرنسية التي كان يقودها "إدغار فور" الشروع في مفاوضات مع المغرب من أجل الاستقلال، عبر وفد مغربي مكون من شخصيات من مختلف التيارات السياسية، وقد أشرفت مصلحة التوثيق الخارجي فرع المغرب، بالتعاون مع الاستخبارات العامة على وضع قائمة بأسماء أعضاء الوفد بعناية فائقة، لاستبعاد الأشخاص غير المرغوب فيهم أو المشكوك في ولائهم، وشكل بن بركة أحد أعضاء هذا الوفد الذي ذهب إلى "إيكس ليبان" في فرنسا للتفاوض حول الاستقلال عام 1955، كما كان هناك أشخاص آخرون سينشئون مع بن بركة عام 1959 حزب "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية". بدأت المفاوضات في 20 أغسطس 1955، أي سنتين بعد نفي السلطان محمد بن يوسف والعائلة الملكية إلى جزيرة مدغشقر، واستمرت ثلاثة أشهر تقريباً وقادت إلى اتفاق مجحف حول الاستقلال، فالنتائج كانت كارثية على الشعب المغربي، فلا بن بركة ولا السياسيون الذين كانوا يشاطرونه مواقفه وكانوا أقلية في الوفد المفاوض استطاعوا تحقيق إنجاز كبير في هذا الاتفاق التاريخي مع فرنسا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة

  جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...