المتابعون

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020

هكذا تم اغتيال المهدي بن بركة*محمد الحبابي*

 ظل محمد لحبابي أحد المؤسسين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والصديق الحميم للمهدي بن بركة يحمل على عاتقة ثقل هذه الشهادة، إلى أن استدعاني إلى بيته وطلب مني تسجيلها بالصوت والصورة لتكون بمثابة وصية يقدمها بأمانة للمغاربة، فالرجل بلغ من العمر عتيا وظل يطالب حزبه بتحريك القضية للكشف عن ملابساتها ووجهها المظلم، لكنه أفضى لنا بأنه تعب من المناداة منذ نصف قرن بالكشف عن حقيقة مقتل بن بركة، وفهم بأن القضية برمتها تحتاج إلى قرار سياسي جريء يفرج عن معطيات، شهادات وملابسات خطيرة في الموضوع، لهذا استدعاني وحملني مسؤولية نشر شهادته التي سبق وأن أدلى بها لهيئة الإنصاف والمصالحة، وظلت طي الكتمان.

فما هو الجديد الذي أفصح عنه لحبابي بعد أن سال مداد كثير في تصور سيناريوهات اختطاف وقتل الزعيم بن بركة؟ ومن هم المتورطون في هذا الملف؟

فلنكتشف حقائق مثيرة في هذا الحوار (الشهادة) والتي يخالف بعضها ما تم تداوله من سيناريوهات محتملة.

- كان المهدي بن بركة رجلا يحمل أفكاراً كبيرة، لكنه كان صغيرا وسط العمالقة مثل الاتحاد السوفياتي، الصين، الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الدول الغربية، لكن المثير في القضية هو مقتل جون كنيدي قبل سنتين من مقتل بن بركة، هل هنالك علاقة بين مقتل الرجلين؟

+ هنالك رابط بين مقتل كنيدي ومقتل بن بركة، فكنيدي حضر الجيش الأمريكي لمهاجمة الاتحاد السوفياتي سياسيا وعسكريا، حيث انفجرت قضية الصواريخ مع كوبا، ولذلك بعد مقتل كنيدي بسنتين، جاء المهدي ليقوم بدور أكبر من الرئيس الأمريكي المغتال، أراد أن ينهض بإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا ضد الرأسمالية الأمريكية والأوربية، وخاف الأمريكيون وقرروا أن يجمدوا تحركات المهدي كي لا ينعقد مؤتمر القارات الثلاث، لأنه كان رأس الحربة، وقرروا أن يخطف بنبركة قبل اجتماع هافانا المقرر في 6 يناير 1966، و أن يدخل إلى المغرب ولا يخرج منه أبداً، لتموت فكرة عقد المؤتمر، وأخبروا الملك الحسن الثاني بذلك.

- كيف عرفتم بأن الأمريكان أخبروا الملك الراحل الحسن الثاني بنيتهم في خطف بن بركة؟

+ أولا لأن أوفقير هو رجل الحسن الثاني ويشتغل لحساب المخابرات الأمريكية (CIA) ولصالح الموساد الإسرائيلي وله أصدقاء في المخابرات الفرنسية، فأوفقير كان يتعامل مع الاستخبارات العالمية لصالح المغرب، حيث كان مقرراً أن يدخلوا المهدي إلى المغرب وينخرط في الحياة السياسية وتموت فكرة عقد مؤتمر هافانا وهذا هو الأساس، لكن بن بركة ظل متشبثا بفكرة عقد مؤتمر القارات الثلاث.. فماذا فعل الملك؟ 

لقد أرسل إليه مولاي علي وهو من عائلة الحسن الثاني وكان سفيراً للمغرب في باريس، واتصل مولاي علي بأخ بن بركة الذي كان مقيما بين فرنسا وألمانيا لإقناع المهدي ليعود إلى المغرب ولا يذهب إلى مؤتمر القارات الثلاث، وقبل بن بركة بشروط العودة لكن بعد عقد المؤتمر.ثانيا: اتصل الحسن الثاني بكاسترو ودعاه إلى إلغاء عقد مؤتمر القارات الثلاث في العاصمة الكوبية هافانا، وإلا سيوقف المغرب عقد استيراد السكر من كوبا، لكن كاسترو رفض الطلب.ثالثا: أرسل الملك الراحل في طلب عبد الرحيم بوعبيد يدعوه إلى تشكيل حكومة برئاسة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، يكون فيها المهدي بن بركة وزيراً للخارجية، لتكون جميع اتصالاته التي يقوم بها مع الدول الأجنبية باسم الدولة المغربية، لكن طلب منه أن يعود إلى المغرب قبل انعقاد مؤتمر القارات الثلاث.

- هذه مؤشرات تدل على أن القضية خطيرة وعودة المهدي قرار لا رجعة عنه، ما الذي قمتم به كحزب لإقناع بن بركة بالرجوع إلى المغرب؟

+ لقد اتصل بي عبد الرحيم بوعبيد وطلب مني أن أسافر إلى باريس ولقاء بن بركة ومن تم إخباره بما اتفقنا عليه مع الملك، وبأنه سيكون وزيرا للخارجية في الحكومة التي ننوي تشكيلها، على أن يعود فوراً إلى المغرب، وكلمت محمد الطاهري نائب الاتحاد الوطني في باريس، ورتب لي موعدا مع بن بركة في مقهى بـ "الشانزيليزي"، وعقدنا لقاء نحن الثلاثة دام لساعات، فقبل المهدي بالاتفاق الذي أبرمناه مع الملك، لكنه رفض العودة فوراً، وقال لي "لن أعود إلى المغرب إلا بعد عقد مؤتمر القارات الثلاث في كوبا، فقد التزمت مع دول كبرى ولا يمكنني التراجع، ما نقدرش نقول ليهم الله يهنيكم"، وحدث أثناء جلوسنا في مقهى "الشانزيليزي" أن أثار انتباهه ثلاثة أشخاص، فقال لي: "أنظر إلى أولئك الأشخاص الثلاثة الذين يجلسون هناك، إنهم ينتمون إلى المخابرات المغربية، ويسجلون ما نقوله بالحرف".

- رفض بن بركة التراجع عن فكرة عقد المؤتمر قلب موازين القوى السياسية في المغرب، حيث أصبح الاتفاق بين الراحلين الملك الحسن الثاني وعبد الرحيم بوعبيد بلا جدوى، ما الذي جرى تحديدا في ضوء ذلك الرفض؟

+ اتفق عبد الرحيم بوعبيد مع الملك الحسن الثاني على تشكيل حكومة اتحادية لكن بعد إجراء انتخابات برلمانية، وقرروا أن تكون الانتخابات بعد الصيف، واقترح بوعبيد على الملك أن يعلن حالة الاستثناء لثلاثة أشهر، تم يحضروا للانتخابات في غشت من نفس السنة، وأجلت الانتخابات عن موعدها بعد اعتذار الحسن الثاني بسبب انعقاد القمة العربية في شهر شتنبر 1965 بفاس، وفي مطلع أكتوبر لم يكن هنالك حديث عن الانتخابات، وفي 29 أكتوبر اختطف المهدي.

- سيناريو قبل الاختطاف كان يشير إلى الخطر المحدق ببن بركة، فما هو سيناريو الاختطاف؟

+ الذي وقع هو كالتالي، لو كنا نعرف كاتحاد وطني للقوات الشعبية المخطط الأمريكي لاختطاف بن بركة لكننا ألححنا على المهدي أن يدخل إلى المغرب ثم يخرج بعد ذلك إلى المؤتمر، والملك الحسن الثاني ارتكب غلطة عندما لم يخبرنا بأن بن بركة سيختطف إن لم نقنعه بالعودة إلى المغرب، فقد كان يعلم بذلك منذ شهر يوليوز عن طريق الأمريكيين، لأن بوعبيد واليوسفي وحسن الأعرج ذهبوا عند الملك بمدينة إفران وقالوا له: "إذا أردت أن نأتي ببن بركة بالقوة فاترك لنا هذه المهمة"، لكن الملك رد عليهم بالقول:"لقد فات الأوان" مما يدل على أنه كان على علم بمخطط اختطافه.

- ما هو برنامج اختطاف المهدي الذي أدليتم به لهيئة الإنصاف والمصالحة؟

+ كان البرنامج هو اختطاف بن بركة وتسليمه للمغرب ليقرر في مصيره، ولذلك كان مقرراً أن يأتي به الدليمي من باريس، ولم يكن مبرمجا أن يقوم بهذا الدور محمد أفقير بصفته وزيراً للداخلية، لكن ما الذي وقع تحديدا؟أخبر الدليمي بالمهمة التي عليه إنجازها فقطع رحلته من الجزائر وامتطى الطائرة إلى باريس، ثم طلب بطاقتي طائرة إياب من باريس إلى المغرب، واحدة باسمه والثانية باسم كوهين، حيث قرر أن يدخل بن بركة بهذا الاسم بعد تخديره، فقد وصل الدليمي على الساعة الثالثة مساء واقتنى بطاقتي العودة لطائرة الثانية عشرة ليلا، لكنه لم يقم أبدا بسحب بطاقتي العودة المسجلتين باسمه واسم كوهين.

- هل يعني ذلك أن خطة الاختطاف قد تغيرت؟

+ صحيح، فعندما اختطف المهدي نقلوه إلى بيت "بوتسيش"، والذي قام بالاختطاف هو "لوني سوشون" و "لوبيز"، وعندما اختطف المهدي كان لديه موعد في اليوم الموالي مع الرئيس الفرنسي "دوغول"، ولكن في لحظة الاختطاف كان لديه موعد مع شخص فرنسي يدعى "ماركريت ديرا" طلب منه إعداد فيلم مصور عن الاستعدادات الجارية لمؤتمر القارات الثلاث، والذي حدث هو كالتالي: جاء البوليسي الفرنسي "سوشون" إلى بن بركة وقال له: "إن الأمريكان يريدون اختطافك وقد جئنا لحمايتك"، وهو نفس الحوار الذي جرى في عملية ميونيخ الألمانية عند اختطاف أحد الزعماء، ولهذا سارع المهدي لامتطاء السيارة، وكان قد كتب رسالة قبل اختطافه بيوم لصديقته الفرنسية "كريستيان داربور" يعلن من خلالها عن خوفه من اختطاف مدبر، وهذا ما قاله "سوشون" لبن بركة فقد أظهر له بطاقة الشرطة وقال له :"إنا جئنا لحمايتك من الاختطاف"، وعندما صعد إلى السيارة حقن بمخدر وفقد الوعي، واقتيد إلى منزل "بوتسيش"، وقد كان الشرطي "فيغون" يتابع ما جرى من أمام مقهى "ليب"، حيث اختطف بن بركة على الساعة الثانية عشرة والنصف، فقصد "فيغون" منزل "بوتسيش" على الساعة الثالثة مساء فوجد بن بركة ما زال مخدرا - حسب ما أكده لي صديق فيغون- وعندما استفاق المهدي على الساعة الخامسة هاج في وجه الجميع، أخذ يضرب ذات اليمين والشمال، واتصل "بوتسيش" بـ "لوبيز" وقال له :"الأمور لا تجري على ما يرام لقد استفاق المهدي هائجا وحطم كل شيء يوجد بجواره"، فطلب منه "لوبيز" أن يهدئ من روعه ويأتي إليه في مكتبه بمقر الخطوط الفرنسية، حيث اتصلا بأوفقير، وعندما كانا يتحدثان سويا سمع شخص ما دار بينهما من حديث، و أفصح عن محتوى مكالمتهما مع أوفقير وهذا مدون في ملف بن بركة، فقد استدعيا وزير الداخلية المغربي ليأتي على عجل إلى فرنسا.

- هل جاء أوفقير إلى باريس فعلا؟

+ حسب ما قاله لي إدريس السلاوي مستشار الملك الحسن الثاني، فإن أوفقير عندما تلقى مكالمة كل من "لوبيز" و"بوتسيش" انتقل إلى مدينة فاس والتقى هناك بالحسن الثاني، وأكد السلاوي أنهم كانوا مجتمعين في قصر فاس رفقة الملك، فإذا بأوفقير يدخل عليهم في نفس اليوم الذي اختطف فيه بن بركة ووجهه ممتقع، ثم انحنى يوشوش في أذن الحسن الثاني، فأخذه الملك من يده وأدخله إلى غرفة مغلقة وتكلما طويلا، بعد ذلك غادر أوفقير إلى باريس وانتقل الحسن الثاني مباشرة إلى الرباط. وصل أوفقير يوم 30 أكتوبر إلى باريس على الساعة الثالثة مساء لأنه لم يتمكن من السفر ليلة 29 أكتوبر وانتقل رأسا إلى بيت "بوتسيش" حيث وجد المهدي حيا، وهذه معلومات وردت في مذكرات رئيس الاستخبارات السرية الإسبانية، ثم دخلا في شجار، صفع أوفقير بن بركة فرد عليه هذا الأخير بصفعة مماثلة، وأخذ أوفقير مفتاح صندوق الأمانات المسجل باسم المهدي في جنيف، ثم غادر دار "بوتسيش" تاركا وراءه بن بركة حيا ولم يقتله، ولدينا حجج تثبت ذلك.

- لكن من قتل المهدي بن بركة؟

+ عندما غادر أوفقير دخل المهدي في شجار مع "بوتسيش" فضربه هذا الأخير على رقبته التي كان قد أجرى عليها المهدي عملية جراحية بعد محاولة اغتياله في بوزنيقة، حين تعرض لحادثة سير خطيرة، فـ"بوتسيش" تورط في توجيه ضربة قاتلة للمهدي، فحمل الجثة إلى مرآب بيت "لوبيز"، ثم انتقل "بوتسيش" على وجه السرعة إلى المغرب، وعندما سمعنا خبر مقتل بن بركة طالبنا من الحكومة اعتقال "بوتسيش" واستنطاقه.وعندما علم أوفقير بمقتل بن بركة جاء مرفوقا بالدليمي إلى "لوبيز" ونزلا إلى القبو حيث كانت الجثة، وفكرا في الطريقة التي يمكن بواسطتها إخفاء معالم الجريمة، وليحميا أنفسهما من التهمة استعانا بموظف من الداخلية الفرنسية، وقالا له ستساعدنا على حمل الجثة بواسطة طائرة للمغرب، فرد عليهم الموظف بأن هذا مستحيل في ظل المراقبة القوية في المطارات الفرنسية، وفكروا في رميه بواسطة طائرة صغيرة في المحيط، لكن أوفقير جاءته فكرة جهنمية وموجودة كذلك في الملف، فجاء بسيارة دبلوماسية من السفارة المغربية بباريس يقودها القادري، وحملوا الجثة في صندوق السيارة من بيت "لوبيز" إلى السفارة المغربية، وقطعوا رأسه، ثم دفنوا الجثة في حديقة السفارة، والأخبار التي توصلت بها هي أن تلك الحديقة ظلت مغلقة لسنتين.

- هل دفنت الجثة كاملة في حديقة السفارة المغربية بباريس؟

+ لكي يقدم أوفقير الحجة والدليل على موت بن بركة فإنه حمل رأسه إلى المغرب، ولم يكن الحسن الثاني قد أعطى الأمر بقتل بن بركة، فقد كان "بوتسيش" هو من تورط في مقتله وانتقل إلى العيش في المغرب، حيث قتل هو الآخر في ظروف غامضة، وجيء برأس المهدي إلى مجلس الحسن الثاني، وكان الحاضرون أو الشهود هم محمد الشرقاوي وزير المالية الأسبق وإدريس السلاوي مستشار الملك والدكتور كليري طبيب القصر، ففتح أوفقير الحقيبة فسقط رأس بن بركة مضمخا في دمائه، فسقط الشرقاوي مغشيا عليه لهول ما رأى، وقال له الملك بالفرنسية: "أنت ضعيف "tu est faible"، وصارح الشرقاوي أحد أقاربه بهذا، وهكذا انتهى حلم تشكيل حكومة اتحادية، وساد القمع وامتدت حالة الاستثناء إلى سنة 1971.


أسرار جديدة عن قضية اغتيال المهدي بنبركة



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة

  جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...