بين عبد الهادي بوطالب والمهدي بن بركة
عاشت الحركة الوطنية صراعا قويا بين مشاربها وفصائلها ، اندلع منذ سنوات التأسيس الأولى ، وكان أشرس تلك الصراعات بين من كانوا أنصارا لعلال الفاسي ، وبين من كانوا أنصارا لمحمد بن الحسن الوزاني ، الحزب الوطني لتحقيق المطالب ، والحركة القومية ، قبل نهاية الحرب العالمية الثانية ، ثم حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال ، بعد تلك الحرب . من يبحث في تاريخ هذا الصراع ، يجد أن إمكانية التخفيف من غلوائه ، وحصره في حدود المنافسة السياسية ، كانت جد ممكنة ، لغياب اختلافات جذرية بين التنظيمين ، ولغلبة المشترك على الدافع نحو التباعد ، إيديولوجيا وتركيبة أنصار . وفي هذا الباب ، ومادام حديثنا منصبا على عبد الهادي بوطالب ، فلابد من الإشارة إلى أنه ، وبعد حصوله على شهادة العالمية ، وبعد أن حق له تقديم دروس بالقرويين ، تمثل في تجربته تلك ، شخصية علال الفاسي ، حيث درس في المكان نفسه ، الذي كان يدرس به علال الفاسي ، قبل نفيه ، ودرس نفس الكتاب الذي كان يدرسه ، كما جلب عليه سخط العالم عبد الحي الكتاني وسخط سلطات الحماية ، مثلما حصل لسابقه[1] . ومن يطلع على ما كتبه حول الحركة الوطنية ، من خلال سيرته ، ودفاعه عن حزب الشورى والاستقلال ، لا بد أن يستحضر عبد الكريم غلاب وما كتب حول حزب الاستقلال ، في كتابه عن الحركة الوطنية . وفي الحقيقة فالعديد من إمكانيات الحفر في استلهامات عبد الهادي بوطالب لشخصية علال الفاسي ، جد متوفرة وواضحة ، كما أن المقارنة بينه وبين عبد الكريم غلاب واردة ، في عدد من الجوانب .
وبخصوص بعض تقاطعات مساره مع مسار المهدي بن بركة ، نشير إلى انتمائهما المشترك للجيل الثاني من الحركة الوطنية ، جيل فترة الحرب العالمية الثانية ، وما بعدها ، وإلى أنهما ، معا ، من مواليد المدن العواصم ، بما يحمله الميلاد والنشأة من دلالات ، في فترة الحماية ، من ضمنها فتح العيون على العمل الوطني الذي كانت انطلاقته من هذه المدن . فقد ولد عبد الهادي بوطالب ، بمدينة فاس ، ونشأ نشأته الأولى بها ، كما ولد المهدي بن بركة بمدينة الرباط ، وتلقى توجهاته الأولى بين دروبها . وفيما يخص الدراسة ، تخرج الأول من المدارس الحرة التابعة للحركة الوطنية ، ثم من جامعة القرويين ، وتخرج الثاني من مدارس الحماية التي كانت تحمل اسم المدارس الفرنسية الإسلامية ، ثم التحق بالمدارس الفرنسية لتهيئ الباكالوريا ، قبل أن يكمل دراسته الجامعية بجامعة الجزائر . وفي مسارهما التكويني ، تنبه الأول إلى محدودية التعليم التقليدي ، ففكر في النهل من الثقافة العصرية ، وفي سياق ذلك تعلم اللغة الفرنسية ، وعرف الثاني أن الرياضيات وحدها غير كافية للفعل في الحياة التي يعيشها المغرب والمغاربة تحت الاستعمار ، فعكف على تثيف نفسه تثقيفا ذاتيا ، انفتح عبره على اللغة العربية وعلى عدد من علوم الفكر .
وبمتابعة ظروف النشأة الأولى ، يلاحظ المتتبع التحاق بوطالب والمهدي بالعمل الوطني منذ سن مبكرة ، حيث التحق الأول بخلايا كتلة العمل الوطني بفاس في سن التاسعة من عمره ، وتتلمذ ، وطنيا ، على يد عدد من الرموز ، منهم محمد بن عبد الله ، والهاشمي الفيلالي ، وإبراهيم الوزاني . وتحت تأثير توجهات ، هذا الأخير ، أصبح بعد انشقاق ، تلك الكتلة ، عضوا بتنظيم " الحركة القومية " التي أسسها محمد بن الحسن الوزاني والمقتنعين بأفكاره وتصوراته . وشبيها بهذا المسار ، اعتنق المهدي بن بركة الوطنية ، كذلك ، في سن الطفولة ، بتأثير من أحد مدرسيه " التهامي الإسماعيلي " ، ثم عمق وعيه الوطني على يد محمد اليزيدي ، وانتمى لكتلة العمل الوطني في سن الخامسة عشرة ، ليلتحق إثر انشقاق الكتلة سنة 1937 ، بـ " الحزب الوطني لتحقيق المطالب " ، الذي ضم أنصار علال الفاسي . وفي سياق نشاطه السياسي والجمعوي ، ترأس " جمعية تلاميذ ثانوية مولاي يوسف " بالرباط .
وكان أول لقاء بين الرجلين ، بالمعهد المولوي ، بالقصر الملكي ، حيث درسا الأمراء ، ومنهم الأمير الحسن ، الذي سيصبح الملك الحسن الثاني ، فيما بعد ، علوم اللغة والشريعة ، ومادة الرياضيات . وهي الفرصة التي تقربا خلالها من الأمير ، وأصبح كل واحد منهما من أقرب الأصدقاء إليه .
وبتزامن مع هذه المرحلة ، لعب كل من المهدي بن بركة وعبد الهادي بوطالب ، دورا مهما في حركة المطالبة بالاستقلال ، حيث كان المهدي الذي ساهم بفعالية في تأسيس حزب الاستقلال ، وراء التعبئة من أجل عريضة 11 يناير 1944 ، ووراء استقطاب جمعيات قدماء تلاميذ الثانويات الفرنسية الإسلامية ، التي شكلت فصيلا أساسيا في تأسيس حزب الاستقلال وفي تحضير وتقديم العريضة المذكورة . ويظهر أن العلاقة بين عبد الهادي بوطالب وبين المهدي بن بركة ، كانت وراء موافقة المهدي على توقيع عبد الهادي بوطالب وبعض صحبه بالرباط على عريضة 11 يناير باسمهم الشخصي ، رغم عدم توصل حزب الاستقلال مع أنصار الوزاني الذي كان بالمنفى ، إلى توافق حول الأمر ، لولا التلكؤ الذي لجأ إليه أحمد بلافريج الذي يظهر أنه لم يوافق على ذلك . وإذا عرفنا بأن عريضة 11 يناير ، كانت عريضة باسم حزب الاستقلال ، فقد يكون بإمكاننا أن نتساءل حول أن يكون المهدي بن بركة بتلك الموافقة ، قد فكر في استقطاب عبد الهادي بوطالب إلى صفوف حزبه ؟ ومهما كان الأمر فإن عدم توقيع بوطالب على تلك العريضة 11 ، خلق شروطا ، جعلت هذا الأخير يلعب دور الوسيط بين القصر وبين قيادة الحركة القومية ، في السياق الذي قاد إلى تقديم القوميين لعريضتهم المطالبة بالاستقلال للقصر وللمراجع العليا الأخرى بتاريخ 13 يناير 1944 [2]، ليكون ، بوجه من الوجوه ، صاحب دور في هذه العريضة ، قريبا من الدور الذي تكفل به المهدي بخصوص عريضة حزب الاستقلال . وفي نفس سياق تشابه الأدوار ، كان عبد الهادي بوطالب من مؤسسيي حزب الشورى والاستقلال ، بمدينة الدار البيضاء ، على أنقاض حزب " الحركة القومية " التي كان مقرها بفاس ، ومن أطره العليا ، مثلما كان المهدي بن بركة من مؤسسي حزب الاستقلال ، بالرباط ، على أنقاض الحزب الوطني لتحقيق المطالب ، الذي كان مركزه العام بفاس ، ومن أطره العليا . وفي خضم حركة النضال ضد الحماية ، كان الرجلان معا ، من المقتنعين بضروررة الجمع بين النضال الداخلي ، وبين النضال الخارجي اعتمادا على المنظمات الدولية . ومثلما برز المهدي بن بركة في صفوف حزبه سياسيا وصحفيا ، كان عبد الهادي بوطالب ، في صفوف حزبه ، قياديا متميزا ، وصحفيا ، أتقن تتلمذه على محمد بن الحسن الوزاني ،في هذا الباب ، وتكلف بالنيابة عنه في كتابة افتتاحيات جريدة الحزب ، في الكثير من المناسبات .
وفي سنة 1951 ، وبعد تأسيس " جبهة الأحزاب الوطنية " ، بدعم من الجامعة العربية ، كان عبد الهادي بوطالب والمهدي بن بركة ضمن وفد تلك الجبهة إلى فرنسا للتعريف بقضية المغرب وللعمل من أجل عودة السلطان محمد بن يوسف من المنفى[3] ، كما كانا ، معا ، ضمن ممثلي حزبيهما ، في لقاءات إيكس لي بان سنة 1955 . وظهرا معا ، داخل حزبيهما ، في السنوات الأولى للاستقلال ، بمظهر المؤهل لإرث رآسة كل من حزب الاستقلال ، وحزب الشورى والاستقلال . وفي سنة 1959 ، عمل الرجلان ، إلى جانب بعضهما ، في خضم حركة تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، لما نجح المهدي بن بركة في استقطاب قيادات شورية ، على رأسها عبد الهادي بوطالب ، للمساهمة في تأسيس تنظيم جديد بميول عصرية يسارية ، واقتنعت تلك القيادة بفكرته ، بشكل يمكن أن نبحث عن بعض جذوره في تمرس تلك القيادات الشورية على المعارضة ، من خلال كون حزبهم ، دخل باب المعارضة منذ حكومة البكاي الثانية ، فكان مؤسسا للمعارضة الشرعية ، كما يمكن أن نبحث عن تلك الجذور ، في الثقافة السياسية للشوريين الذين اعتبروا حزبهم باستمرار حزبا يساريا عصريا تقدميا ، دون أن نهمل ما يمكن أن يكون من مراهنة على الحزب الجديد كأفق سياسي واعد .
كان عبد الهادي بوطالب ، في تجربته وقناعاته السياسية ليبراليا تعدديا ، ينتمي إلى حزب سياسي آمن في بداية الاستقلال بأولوية بناء المؤسسات الديمقراطية ، والاعتماد عليها في بناء الدولة وتقويتها ، بينما كان المهدي بن بركة صاحب قناعة واحدية ، تؤمن بالتكتل والاهتمام ببناء دولة قوية ، تفرز مؤسسات ديمقراطية ، واستهل ذلك بإقناع حزب الإصلاح الوطني بالانضمام إلى حزب الاستقلال سنة 1956 ، لتستمر محاولاته من أجل استقطاب باقي الأحزاب الوطنية . وفي هذا الباب ، لم تخرج الصورة التي رسمتها التجربة والعلاقة ، في ذهن عبد الهادي بوطالب ، حول المهدي بن بركة ، إلى حدود سنة 1959 ، عن صورة المهدي داخل صفوف حزب الشورى والاستقلال ، غير أن هذه الصورة تغيرت لما أصبح عبد الهادي بوطالب إلى جانب ابن بركة داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية . فقد كان عبد الهادي بوطالب ، ضمن ملامح الصورة الأولى ، يرى في المهدي بن بركة ، سياسيا ومناضلا وطنيا من طينة خاصة ، كما يصوره إنسانا معتزا بشخصيته ، كثير الحذر والاحتياط ، ولا يمنح ثقته للآخرين بسهولة ، ويصفه بأنه كان سياسيا يحسن توقع الأحداث ، ويحذر دائما من مفاجآت غير مواتية ، يتوقعها ويعمل لها حسابها قبل الوقوع . واعتمادا على رواية عدد ممن نعتهم بوطالب بـ " أصدقاء المهدي " ، وصفه بأنه لم يكن ديمقراطيا بطبعه ، وأنه كان حريصا على ممارسة السلطة ومتحمسا لانفراد حزب الاستقلال بمسؤوليات الحكم ، من خلال مطالبته بإقامة حكومة منسجمة . وإذا كان أغلب الشوريين يُحملون حزب الاستقلال الجزء الأكبر من عمليات الاضطهاد التي تعرضوا لها ، في بداية الاستقلال ، كما يحملون المهدي بن بركة مسؤولية الإشراف على توجيه ذلك الاضطهاد[4] ، فإن عبد الهادي بوطالب ، تحاشى في مذكراته ، لأسباب أخلاقية ، ذكر أسماء الذين قادوا حركة ذلك الاضطهاد ضد حزب الشورى ، رغم حكيه قصة ترتيب محاولة اغتيال ضده وضد عبد القادر بن جلون[5] . أما الصورة التصحيحية ، أو الجديدة ، فيربطها عبد الهادي بوطالب بسنة 1959 ، وتأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وهي صورة بناها على اللقاءات التي تمت بينه وبين المهدي ، من أجل تأسيس الحزب المذكور ، والتي روى حولها أن المهدي بن بركة ذكر له أن " التجمع الجديد سيعمل لإقامة نظام ديمقراطي ، وسيناهض جميع أشكال الدكتاتورية ، سواء داخل المجتمع أو داخل الحزب " . ورغم مفاجأة بوطالب بهذا القول ، كما ذكر في مذكراته ، ، فإنه يؤكد صدقه ، على مستوى الممارسة ، لما روى بأن ضمن الأحد عشر أمينا عاما ، التي تشكلت منها الإدارة الجماعية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، لم يكن المهدي يمارس أي طغيان بتوجهاته ، كما كان منسجما وسط الجماعة القيادية ، كواحد من الأمناء الأحد عشر . وبناء على القول الذي أكدته الممارسة ، يقول عبد الهادي بوطالب إنه اعتبر الأمر مكسبا سياسيا ، وأن نظرته إلى المهدي تغيرت ، منذ ذلك الحين[6] . ومما يمكن أن يشهد على صدق بوطالب في هذا القول ، انصهاره التام في أوساط هذا الحزب الجديد ، وعمله الذي شهد به بعض من اشتغلوا معه عن قرب داخل الاتحاد الوطني .
فقد قدم محمد عابد الجابري في ملفاته حول الذاكرة السياسية ، التي أصدرها تحت عنوان " مواقف " ، شهادة في حق القياديين الشوريين المساهمين في تأسيس الاتحاد الوطني ، عبد الهادي بوطالب وأحمد بن سودة ، يقول فيها إنه وبعد اعتقال مدير جريدة " التحرير " ، لسان حال الحزب ، محمد البصري ، ورئيس تحريرها ، عبد الرحمان اليوسفي ، في دجنبر 1959 ، لم يبق في الساحة العملية من أعضاء الكتابة العامة البارزين سوى هذين القياديين ، اللذين أصبح عليهما تولي قيادة الحزب والإشراف على صحافته ، التي نابت فيها جريدة " الرأي العام " الشورية ، سابقا ، بإدارة أحمد بنسودة ، عن الجريدة الموقوفة . وضمن هذه الشهادة ، نوه الجابري بنضال بوطالب وابن سودة في الواجهة القيادية وفي الواجهة الصحفية وبتحملهما مسؤولياتهما كاملة ، لما قادا حملة الانتخابات البلدية والقروية ، التي فاز فيها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بأغلبية المقاعد في معظم وأهم المدن والمراكز[7] . إلا أنه ورغم المكانة والأدوار التي لعبها عبد الهادي بوطالب وأحمد بن سودة في المسار الأول للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، التزاما بالاتفاق مع المهدي بن بركة ، فإنهما انسحبا من هذا الحزب ، بطريقة تدريجية ، قوبلت من قبل عدد من الاتحاديين بطرح العديد من الأسئلة والأجوبة السطحية والثانوية ، بعيدا عن النقد الذاتي وعن طرح الأسئلة العميقة ، كما كان يدعو إلى ذلك ابن بركة . ففي شهادة أخرى للجابري ، يتضح أن عبد الهادي بوطالب وأحمد بن سودة ، عانيا من سندان النظام الذي كان يعمل على انسحابهما من الاتحاد ، ترغيبا وترهيبا ، كما عانيا من مطارق بعض الاتحاديين من أمثال المحجوب بن الصديق ، الذين لم يذخروا جهدا في تهميشهم وفي الارتياب منهم[8] . وقد يكون الغياب الطويل للمهدي بن بركة خارج المغرب ، من الأسباب التي جعلت بعض الاتحاديين يبالغون في الضغط على بوطالب وابن سودة ، والدفع بهما نحو الانسحاب ، إما لأسباب ارتيابية ، أو لأسباب تنافسية ، قد تفسرها قدراتهما ، كما تفسرها مكانة عبد الهادي بوطالب ، لدى المهدي بن بركة .
ومن مكر التاريخ ، تزامن اختطاف المهدي بن بركة في أكتوبر 1965 ، مع وجود عبد الهادي بوطالب على رأس وزارة العدل ، وفي مذكراته يقول بوطالب ، بأن ملف اختطاف المهدي لم يعرض عليه قط ، وأن وزارته ظلت بعيدة عن ملف ذلك الاختطاف ، الذي تكفلت به الأجهزة الرسمية والموازية المختصة ، باعتباره موضوع أمن وطني ، اشتغل عليه رجال أمن مغاربة وفرنسيين ، كما أن البث في القضية جرى بباريس وليس بالمغرب[9] . أما فيما يخص حدث الاختطاف فيعتبره عبد الهادي بوطالب حادثا إجراميا ، ويذكر أنه ومن باب علاقته بالمهدي بن بركة ، ومن باب مشاركته إياه في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، تألم عندما سمع بما سماه بـ " النبأ المزعج " [10] .
وآخر مشترك ، نشير إليه بين الرجلين ، في هذه الورقة ، يتجلى في تعرضهما معا للمحنة والامتحان ، من قبل القصر ، بسبب اختلافهما معه[11] ، وإن لم يكن الأمر بالدرجة نفسها ، ولا في المرحلة نفسها .
إيكس لي بان
في شهر غشت من سنة 1955 ، دعت الحكومة الفرنسية ، التي كان على رأسها إدكار فور ، الفعاليات المغربية المعنية بقضية البلاد ، آنذاك ، إلى جلسات استماع ، سعى الفرنسيون من خلالها إلى جس نبض مختلف تلك الفعاليات ، وسبر غور تصوراتها في أفق حل للقضية المغربية . واختير لعقد تلك الجلسات ، مدينة صغيرة هي إيكس لي بان ، التي ارتبطت تلك اللقاءات باسمها ، فيما بعد ، حيث أصبح ذلك الإسم في ذاكرة المغاربة ، مرتبطا بالحدث ، أكثر من ارتباطه بالمدينة . ويظهر أن فكرة تلك الجلسات كانت ، في إطارها العام ، وليدة تطور الموقف الدولي من الاستعمار ، الذي لم يعد مسموحا باستمراره ، كما عبرت عن ذلك مختلف الدعوات المنادية بتصفيته ، منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وعبر عنه ارتفاع حدة تلك الدعوات بعد نهاية الحرب المذكورة . و إذا استطاعت فرنسا ، ما بعد سنة 1945 ، أن تصم آذانها في وجه الدعوات المذكورة ، فإنها لم تستطع إخفاء الإرباك الذي أصيبت به ، جراء السباحة ضد التيار ، فكانت حوادث دجنبر سنة 1952 الدامية ، بمدينة الدار البيضاء ، وما ارتبط بها من توقيف لنشاط أحزاب الحركة الوطنية ، ولصحافتها ، وكانت عملية نفي السلطان في غشت سنة 1953 ، بما حملت من خرق مكشوف لمعاهدة 1912 ، ومن ردود فعل داخلية ، كان من أبرز وجوهها اندلاع حركة المقاومة المسلحة ، واللجوء إلى المنظمات الدولية الجديدة ، بحثا عن نوع من الإنصاف ، بما يعنيه ، كل هذا من جمع بين النضال السياسي والنضال باستعمال العنف .
كان هذا الوضع ، وما ترتب عنه ، من اتساع دائرة التعاطف مع المغرب ، وراء نوع من الإحراج لفرنسا ، أمام الرأي العام الدولي ، ووراء نوع من شبه الحصار ، الذي أجبرها ، منذ سنة 1954 ، على ضرورة التفكير في تصفية نظام الحماية على المغرب . فقد حركت الإدانات المتتالية بهيئة الأمم المتحدة ، لسياسة فرنسا بالمغرب ، مياه دبلوماسيتها الراكدة ، كما حركتها الضربات التي سددتها حركة المقاومة لعدد من المصالح الاقتصادية الفرنسية بالمغرب ، وحركة المقاومة المضادة التي نظمها غلاة المعمرين الفرنسيين ، والتي هددت بحرب في المغرب ، قد تحوله إلى فوضى يصعب احتواءها ، بالإضافة إلى عدد من العوامل الخارجية ، وعلى رأسها هزيمة الفرنسيين في " ديان بيان فو " بالهند الصينية .
وكان من علامات هذا التحريك ، تلك الشعارات المعادية للاستعمار ، من داخل فرنسا نفسها ، والتي ساهمت في وصول الراديكالي الاشتراكي ، " بيير منديس فرانس " إلى رآسة الحكومة ، وأوامره التي تأسست بموجبها ، " وزارة الشؤون التونسية والمغربية " ، مع ما حمل اسمها من دلالة الاهتمام والتفكير في القضية الاستعمارية ، لهذين البلدين ، وما أفضى إليه ذلك التأسيس من قبول فكرة الاستقلال الداخلي لتونس ، بمشاركة الحزب الدستوري التونسي الجديد .
وقبل أن تسقط حكومة منديس فرانس ، في بداية سنة 1955 ، انضاف إلى عوامل الضغط على فرنسا ، عملية الإعلان عن الثورة في الجزائر ، في نونبر 1954 ، وإرهاصات تأسيس جيش التحرير المغربي ، بما يعنيه الأمر من سير في اتجاه ثورة مناهضة للاستعمار في كل الشمال الإفريقي ، كما انضاف إليها ضغط مؤتمر باندونغ ، فتهيأت من المجموع شروط جديدة أمام حكومة إدكار فور التي عوضت سابقتها ، والتي اهتمت بضرورة نزع فتيل كل هذه الضغوط والإحراجات ، بشكل كانت معه ثورة وادي زم ونواحيها ، صيف تلك السنة ، وفي الذكرى الثانية لنفي السلطان ، وراء الدفع بتلك الحكومة نحو نوع من تسريع وثيرة السعي وراء التسوية التي خططت لها .
ففي هذا السياق عمدت حكومة إدكار فور ، إلى تشكيل خلية متابعة وتفكير في قضية المغرب ، تكونت من خمسة وزراء[12] ، يمثلون النزعات المختلفة داخل تلك الحكومة ، قر رأيهم على عقد اجتماع موسع بفرنسا ، يضم مختلف الاتجاهات والمواقف بالمغرب ، من فرنسيين وأطياف مغربية ، وطنية وغير وطنية ، استثني منها الحزب الشيوعي المغربي ، وحركة المقاومة والفداء ، كما استثني حزبا منطقة النفوذ الإسباني ، الإصلاح ، والوحدة المغربية . وكان الهدف من وراء الفكرة ، هو توصل مختلف الأطياف المدعوة للحضور إلى نوع من الحل التوافقي . أما مكان انعقاد ذلك الاجتماع ، فاقترح من أجله في البداية مدينة " كان " السياحية ، ومدينة نيس ، قبل أن يتم الاتفاق على حمة " إيكس لي بان "[13] ، التي كان وزير الخارجية أنطوان بيني ، يعتزم قضاء عطلته السنوية بها .
ونتيجة رفض الوطنيين ، الذين وجهت لهم دعوة حضور اجتماعات إيكس لي بان ، الجلوس حول مائدة مستديرة ، إلى جانب من يقفون معهم على طرفي نقيض ، فإن لجنة وزراء الحكومة الفرنسية ، اقتصرت على عقد اجتماعات مع كل هيئة على انفراد[14] ، ركز الوطنيون ، فيها ، وعلى هامشها ، بتنسيق مع الوفود المتفقة معهم في الأطروحة ، على محاولة إقناع الفرنسيين ، بالتعجيل بحل مشكلة العرش المغربي ، على أساس عودة السلطان محمد بن يوسف إلى المغرب وإلى العرش ، وهو ما سبق أن أبلغوه للمقيم العام كرانفال ، إثر استقباله الثاني لهم في المغرب.
قراءتان وتشابه الخلاصات
شارك كل من المهدي بن بركة وعبد الهادي بوطالب في جلسات استماع إيكس لي بان ، حيث كان كل منهما عضوا ضمن الوفد الممثل لحزبه في تلك الجلسات ، وسجل كل منهما ، فيما بعد ، رؤاه وتقييمه لما جرى ، وللنتائج والامتدادات ، في لحظة ، مارس فيها كل منهما ، نوعا من البوح في حق الموضوع ، عبر أسئلة قصد من خلالها عبد الهادي بوطالب نفض الغبار عن قضايا تعلقت بإيكس لي بان ، سياقا ومسارا وتأويلا ، بينما ، قصد المهدي بن بركة من خلالها ، إظهار دور الماضي في التأثير على الحاضر ، وفي عرقلة المستقبل ، بما يستوجب نوعا من الانتباه والتدارك ، عن طريق الاستفادة من الأخطاء .
ويظهر أن اختلاف الأسئلة بين الرجلين ، يرتبط باختلاف المنطلقات ، كما يرتبط بالمناسبة التي كانت وراء العودة للحديث عن إيكس لي بان ، لدى كل منهما . فقد كان الهدف الأساسي وراء اهتمام بوطالب بالموضوع ، في بعده الظاهر ، مندرجا ضمن باب المذكرات والسيرة الذاتية ، وتدوين تجربة أو تجارب في الحياة السياسية ، تأملا في تلك التجربة وإطلاعا لمختلف الأجيال عليها ، عساها تفيد ببعض الدروس . غير أنه وضمن هذا البعد الظاهر ، ومن خلاله ، تحقق ، بعد أعمق ، تعلق برغبة في تصحيح ما أشيع ضمن نقاشات أوساط من النخبة السياسية ، من تقويم لدور جلسات إيكس لي بان فيما آلت إليه أوضاع المغرب المستقل . وبما أن الموقع السياسي أفقد بوطالب ، على ما يبدو ، التحرر المطلوب ، فقد لجأ إلى أسلوب تسجيل المعاينة ، صحبة تعليقات خفيفة ، معولا على نباهة المتلقي ، في الفهم والاستنتاج . وعكس بوطالب ، عاد المهدي بن بركة إلى الحديث حول إيكس لي بان في ظروف ثورية ، ارتبطت برغبته في إرساء دعائم الحزب الوليد ، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، في أفق تحول في سير الحركة التحررية المغربية[15] ، بما استوجبه ذلك ، من صراحة وتوضيح .
فمنذ أواخر سنة 1956 ، بدا لعدد من المعنيين بالحركة الوطنية السياسية ، وبحركة المقاومة والفداء ، من داخل حزب الاستقلال ، أساسا ، أن الأمور في المغرب المستقل لا تسير على ما يرام ، وأن مستقبل البلد مهدد ، لأن ثورة الاستقلال ، لم تفض إلى ثورة بناء الدولة ، بقدر ما قادت إلى توقف الحس الثوري . وفي هذا السياق النقدي تبلور خطاب سياسي ، يؤصل للوضعية كنتيجة لما دار في جلسات إيكس لي بان ، وانتشرت نعوت في حق تلك الجلسات ، من قبيل " مؤتمر إيكس لي بان " ، و " مفاوضات إيكس لي بان " و " معاهدة إيكس لي بان " و " اتفاقيات إيكس لي بان " ، و " المقررات السرية لإيكس لي بان " و " أوفاق إيكس لي بان " ... ، كما التصقت بالمشاركين في تلك الجلسات نعوت ، من قبيل وصفهم بمن وقعوا في " مصيدة " نصبتها لهم فرنسا ، نتيجة افتقادهم حاسة الاحتياط والتوقع ، وبما يجعلهم خارج أهلية القيادة والاشتغال باسم غيرهم ، ومن قبيل " الخيانة " ، والمشاركة في اتخاذ مقررات ، وصفت ، أحيانا ، بأنها " سرية " ، وأحيانا أخرى ، بأنها " مقررات الغدر والتخلي " [16] . وانشغالا بهذا الذي كان قد راج ، وعمر الحديث حوله لسنوات ، وكذا إثباتا لنقيضه ، بما يعنيه ذلك من رغبة في تبرئة ذمة من حضر إيكس لي بان من الوطنيين ، نفى عبد الهادي بوطالب عن تلك الجلسات صفة مائدة مستديرة ، كما نفى عنها صفة مؤتمر ، مستندا إلى حجة واقعية تمثلت في كون الأطياف المختلفة الحاضرة لم تجتمع قط مع بعضها في أي جلسة من الجلسات ، وإلى حجة قانونية تمثلت في غياب شروط مؤتمر ، نتيجة عدم صدور أي قرارات أو ملتمسات عن تلك اللقاءات ، كما لم يصدر عنها أي بلاغ مشترك ، ولا أي اتفاق معلن عنه . ولهذا ردد بوطالب في كتاباته جملة ، وصف فيها جلسات إيكس لي بان ، بأنها " المؤتمر الذي لم ينعقد قط " ، كما نسب إلى الوفدين الوطنيين المشاركين في تلك الجلسات ، عملية إجهاض ما هيأت له فرنسا ، من أجل تنظيم تلك اللقاءات في شكل مؤتمر يضم مختلف الأطياف ، قصد الوصول إلى حلول وسطى متفق حولها . وإلى هذا الانتصار ، يضيف عبد الهادي بوطالب انتصارات أخرى حققها وفد الوطنيين ، من قبيل التأثير على مواقف وزير الخارجية الفرنسي بيني ، الذي تحول ، حسب قوله ، إلى متعاطف مع طرح الوطنيين ، ومن قبيل تعديل وزير الدفاع كونيغ من حدة ميوله لصف وفد خصوم الحركة الوطنية[17] .
وبخلاف عبد الهادي بوطالب ، كانت العودة إلى إيكس لي بان ، من قبل المهدي بن بركة ، وراء طرح أسئلة مستقبلية ، فرضت إعادة قراءة الماضي القريب ، لتصحيح المسار نحو المستقبل ، عبر نوع من النقد الذاتي ، المعول عليه في فهم أعمق لما جرى ، وفي الشعور حول ذلك الذي جرى ، بتحمل المسؤوليات ، حتى لا تتكرر الأخطاء الشبيهة فيما سيأتي من الزمن . وجاء مستند المهدي في هذا الطرح ، مبنيا على إيمانه بكون برنامج الحزب ، كما عرفه ، هو " الخط السياسي ، الذي يوضح معارك الماضي ، وما انطوت عليه من مظاهر النصر والفشل ، ويرسم ملامح المستقبل " ، كما جاء مبنيا على قناعة ترى بأن " أية حركة سياسية تطمح في أن تكون حركة ثورية ، لا يمكنها أن تعيش وتنمو ، إذا هي لم تقم من حين لآخر بتحليل شامل وديناميكي للمجتمع الذي تعمل فيه ، حتى تستطيع أن تقرر خطتها على أسس علمية ، وأن تتنبأ إلى حد بعيد بأحداث المستقبل " . إن هذا الطرح ، وما يكمله من توجهات ، هو الذي جعل المهدي يربط بين البحث عن أسباب الأزمة السياسية ، بالعودة إلى الماضي القريب ، لاستمداد قوة جديدة من الأخطاء السالفة ، وبين مسألة إعداد مناضلي الحزب للمعارك القادمة ، عن طريق جعلهم يفهمون المعنى الحقيقي للاستقلال ، و الظروف التي تحقق فيها ، ويفهمون الأخطاءالتي جعلت الحركة التحريرية المغربية ، تحرم من مكاسب نضالها . ذلك أن عرض الأخطاء والنقائص في الماضي ، يشكل ، في رأيه ، مدخلا رئيسيا لعملية إعداد أطر المستقبل .
وعبر هذه الأطروحة ، حدد ابن بركة أخطاء الحركة الوطنية في ثلاثة رئيسية ، وصفها بالانزلاقات ، واعتبرها قاتلة ، ما لم يتداركها التصحيح . فأرجع الخطأ الأول إلى سوء تقدير ، حزب الاستقلال ، والحركة الوطنية ، عموما ، لأنصاف الحلول التي كانت مضطرة للأخذ بها ، وجعل الخطأ الثاني ، متعلقا بالإطار المغلق الذي مرت فيه معارك الحزب ، والحركة الوطنية ، بمعزل عن مشاركة الجماهير الشعبية ، بينما اعتبر الخطأ الثالث ، ناشئا عن عدم الوضوح في المواقف الإيديولوجية ، وعدم تحديد هوية الحزب .
وبالتمعن في هذه الأخطاء تظهر مسألة إيكس لي بان مندرجة ضمن الخطأ الأول ، المبني على سوء تقدير أنصاف الحلول ، غير أنها لا تخلو ، كذلك ، من علاقة مع الخطأ الثاني والثالث ، بحكم الارتباط والتكملة . فإيكس لي بان ، بالنسبة لابن بركة ، كانت " تسوية سياسية " ، و عملية " إجهاض للمعركة ضد الاستعمار " و " للمسيرة الثورية " ،التي كانت قد وصلت درجة من النضج ، كما كانت إجهاضا لدخول حركة النضال المغربي مرحلة الوضوح الجذري الحاسمة ، وإجهاضا لانتشارها أفقيا لتعم كل الشمال الإفريقي . وكلها خلاصات تمركزت حول سؤال رئيسي ، يبحث في أثر إيكس لي بان على الانطلاقة الثورية للحركة الوطنية ، بما يترتب على هذا السؤال من قبول الحركة الوطنية بتلك التسوية السياسية ، ومن عدم إدراكها ، لسير الأحداث وعدم تصورها للأغراض الأساسية للاستعمار الفرنسي ، و سياسته المكيافيلية والذكية ، تحت وطأة القبول بالحلول الوسطى ، ووطأة الوعي بتلك الحلول ، حلولا يتم بمقتضاها ربح أمور ، وخسران أخرى ، مؤقتا .
وللإشارة ، لم يكن ابن بركة ضد إمكانية مرور الحركات الثورية ، في طريقها ، بحلول وسطى مرحلية ، على اعتبار أن هذا الأمر يرتبط ، عادة ، بتوازن القوى وبتحديد الأهداف القريبة والبعيدة ، لكن ما كان غير معقول ، بالنسبة إليه ، هو أن يتم تبرير التسويات وتبرير الحلول المرحلية وجعلها دائمة ، والاحتفاظ بها في صورة انتصارات ، لا تخدم في العمق سوى الأغراض الانتهازية . ففي هذا الباب نعى على الحركة التحريرية المغربية ، عدم استفادتها من فترة توقف المسيرة الثورية لإعادة تنظيم نفسها ، ولمعالجة التضخم الذي أصابها ، واستيعاب القطاعات الثورية الجديدة في صفوفها ، كما نعى على أجهزتها ، ما أصيبت به من تعفن ، جراء ذلك ، وجراء استقبالها اتفاق " لا سيل سان كلود " ، وتراجع الكلاوي ، وحل مجلس حفظة العرش ، على أنها هزائم متتالية للاستعمار الفرنسي ، عكس الحقيقة ، التي أظهرتها فيما بعد ، مجرد فخاخ مدروسة للتظاهر بالتنازل ، وكان من بين نتائجها إقحام الحركة التحريرية في اللعبة الاستعمارية ، لما استُقبلت حلول إيكس لي بان ، بمتابة انتصارات حاسمة ، متسببة بذلك في خلق ضباب حول وضوح الوعي الثوري للمناضلين ، ولما ربطت نفسها بهدف بدا في الوهلة الأولى قريب المنال ، عكس حقيقته التي جعلته يظهر على المدى البعيد مجرد سراب .
ويؤرخ ابن بركة لما سماه بالسياسة المكيافيلية الفرنسية التي ارتبطت بالموضوع ، مع بداية حديث الفرنسيين عن إمكانية إعادة السلطان محمد بن يوسف إلى المغرب وإلى العرش ، بناء على انتباههم للمعنى العاطفي لهذه الخطوة ، مع ما أعقب ذلك من إيعاز للكلاوي بالتوبة والتراجع عن موقفه المعادي للسلطان ، ومن تمرير لاتفاقية " لا سيل سان كلود " ، التي كانت من نتائج إيكس لي بان ، والتي قادت المغرب ، في رأي ابن بركة ، نحو نوع من الاستقلال الشكلي .
هي إذن ، ثلاثة خلاصات رئيسية ، أو مركزية ، في ما ذهب إليه تحليل المهدي بن بركة ، محددة في :
ـ السياسة المكيافلية لفرنسا ، وعدم إدراك حركة التحرير المغربية لكنهها ـ
ـ إيكس لي بان حملت إلى المغرب استقلالا سياسيا شكليا ـ
ـ إيكس لي بان أجهضت ثورة المغرب ، وثورة شمال إفريقيا .
حول النقطة الأولى ، يمكن أن نقابل بين ما ذهب إليه المهدي بن بركة ، من حديث حول " السياسة المكيافلية لفرنسا ، وبين ما سماه عبد الهادي بوطالب بـ " الخدعة الفرنسية " . التي أشار إليها بوضوح ، في بعض السياقات ، وترك للمتلقي حرية الربط معها ، في سياقات أخرى . فمثل تأريخ المهدي لبداية تلك السياسة مع بداية حديث الفرنسيين عن إمكانية عودة السلطان المنفي ، يدقق عبد الهادي بوطالب الأمر ، ويربطه باجتماع المقيم العام ، جيلبير كرانفال ، بمكتبه ، للمرة الثانية ، منذ تعيينه ، مع ممثلي الحركة الوطنية ، كما يربطه بالانتفاضة والأحداث الدامية التي عرفتها وادي زم ومنطقة الأطلس المتوسط ، والتي أظهرت درجة الطابع الثوري العنيف التي وصلتها حركة مناهضة الاستعمار . يصف عبد الهادي بوطالب ، حالة اليأس والقنوط التي بدا عليها المقيم العام في هذا اللقاء ، كما يصف عدوله عن الحديث عن برنامجه السياسي لحل الأزمة الفرنسية المغربية ، واقتصاره على إثارة مشكلة العرش ، مخبرا باستغراق حكومة بلاده عن مخرج توفيقي لهذه المشكلة . وهو ما يمكن أن نفهم منه بداية تطبيق الخدعة ، التي انطلت على الحركة الوطنية ، وجعلتها تختصر كل مطالبها في عودة السلطان الشرعي ، في لقائها الثاني مع كرانفال ، وفي إيكس لي بان ، التي يمكن اعتبار اللقاء المذكور ، أحد مقدماتها . والتي تمادت فيها فرنسا بشكل جعل عبد الهادي بوطالب يسهب في شرح محاولة الحكومة الفرنسية ، جمع كل الأطراف المتنازعة ، داخل مؤتمر يجمع مختلف الأطراف ، يوحي بأنه التأم من أجل حل نزاع بين المغاربة ، فيما بينهم .
وقد قرأ بوطالب ، محاولة فرنسا تلك ، نوعا من الخداع السياسي ، الذي يطمح إلى إظهار الفرنسيين في موقع الحكم الذي يريد إصلاح ذات البين بين فرقاء مغاربة ، كمقدمة لحل القضية المغربية ، ويطمح إلى إخفاء حقيقة فرنسا كخصم للمغاربة الثائرين ضدها ، والتمويه بأن أزمة المغرب ، هي أزمة عرش داخلية ، بالأساس . واعتمادا على هذه القراءة ، نعت مشروع لقاء إيكس لي بان ، بـ " خدعة إيكس لي بان " . وهي الخدعة ، التي لاحظ أن من بين أركانها ، اختيار الفرنسيين لمدينة إيكس لي بان مكانا لعقد اللقاء ، حيث فسر ذلك الاختيار باستعجال فرنسا الأمر ، وعقد المؤتمر في المكان الذي كان فيه وزير الخارجية الفرنسية للاستشفاء والاستجمام ، كما فسره برغبة الفرنسيين في أن ينعقد المؤتمر بعيدا عن أجواء باريس الرسمية والإعلامية ، وفي إطار نوع من جس النبض ، بعيدا عن صفة وشكل مفاوضات رسمية . وضمن هذا يلمح بوطالب ، إلى ركن آخر من أركان تلك الخدعة ، يدور حول اختيار سلطان من اثنين ، محمد بن يوسف أو محمد بن عرفة ، أو التخلي عنهما معا ، من أجل سلطان ثالث . وهو الركن الذي جعل وفدي الحركة الوطنية ، يرفضان الاجتماع مع الأطراف الأخرى ، سويا ، كما جعلهما يبذلان كل الوسع ، ويضافران الجهد مع غيرهما ، لإقناع المسؤولين الفرنسيين بالتعجيل بحل مشكلة العرش على أساس عودة السلطان محمد بن يوسف .
من يقرأ مذكرات عبد الهادي بوطالب ، يمكن أن ينتبه في بعض تلميحاته ، إلى كون تركيز المقيم العام في لقائه الثاني ، مع ممثلي الحركة الوطنية في المغرب ، على مشكلة العرش ، والتركيز على المشكلة نفسها في إيكس لي بان ، يدخل ضمن الخدعة المشار إليها . فقد أصبحت عودة السلطان ، هي مطلب المطالب ، وأصبح مطلب الاستقلال نفسه ، مرتبطا بها ، وغاب التفكير في أي تفاصيل تهم مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية . وفي هذا الباب يروي ، كذلك ، أنه وفي اللقاء الذي عقد بين الوفد الوطني وبين الوزير الفرنسي بيير جولي ، في إيكس لي بان ، عرض هذا الأخير على الوفد الوطني فكرة تشكيل حكومة مؤقتة تنظم مسألة التفاوض على الاستقلال ، غير أن أعضاء الوفد رفضوا الحديث حول أي حل ، ما لم يتصلوا بالسلطان في منفاه وما لم يتفقوا معه على ما يجب القيام به مستبعدين القيام بأي شيء في غيابه . و مصرين بإجماع على أن لا حكومة ولا تفاوض إلا بعد عودة السلطان إلى العرش . وأن لا شرعية غير شرعية السلطان المنفي ، ولا مطلب غير الاستقلال . وواضح كيف ينفي عبد الهادي بوطالب على وفد الحركة الوطنية في إيكس لي بان صفة التفاوض حول أي تفاصيل تهم مستقبل البلاد .
ويوحي ما بين سطور المذكرات المعتمدة ، أن الذي تفاوض مع الفرنسيين هو السلطان من منفاه أولا ، ثم في باريس ، بعد نقله إلى فرنسا ، كمرحلة ، في اتجاه المغرب . حيث يشير عبد الهادي بوطالب كيف كان النقاش حول مصير مصالح فرنسا في حالة حصول المغرب على الاستقلال، يعود إلى ما قبل إيكس لي بان ، وكيف أن المراسلات السياسية والمذكرات القانونية التي كان يتبادلها السلطان من المنفى مع الحكومات الفرنسية المتعاقبة ، كانت تعطي الأمل للفرنسيين في أن عودة السلطان إلى عرشه وتغيير نظام الحماية لن يتسبب في أي قطيعة مع فرنسا ، ولن يحرمها من المحافظة على مصالحها بالمغرب . كما يشير إلى أن فرنسا كانت بين مطرقة تصفية الاستعمار بالمغرب وسندان مصالحها في هذا البلد ، فكانت تبحث عن حل وسط ، يحول دون أن يشكل استقلال المغرب قطيعة معها ، ويجعله مرتبطا بها . فهل كانت فرنسا قد أرست أسس الاتفاق مع السلطان محمد بن يوسف مسبقا ، وأن إيكس لي بان لم تكن إلا نوعا من السعي إلى تكريس ، ما تم الاتفاق عليه ، بطريقة أو بأخرى ؟ وهل محاولات جس نبض السلطان المنفي ، وجس نبض أحزاب الحركة الوطنية ، جعل فرنسا تطمئن ، من أجل مصالحها ، إلى السلطان أكثر مما اطمأنت إلى تلك الأحزاب ؟ قد نجد بعضا من الجواب على السؤالين ، فيما أورده بوطالب ، مرة أخرى ، لما تحدث عن ما بدأ يروج داخل الأوساط السياسية الفرنسية ، لما كان الوفد الوطني ، ما يزال بإيكس لي بان ، من كون الفرنسيين أرسلوا مبعوثين إلى السلطان ، حصلوا منه على الموافقة على ما دار في إيكس لي بان ، واتفقوا معه على خطة تسوية القضية المغربية ، ولما تحدث عن ما روجت له الصحافة الفرنسية من كلام ، حول ما أسمته بـ " أوفاق أنتسرابي " . بما نتج عن ذلك من رغبة لدى الوفد الوطني ، في زيارة للسلطان بمنفاه للتأكد مما يروج ، وهي الزيارة التي دامت ثلاثة أيام ، تحدث بوطالب حول عدد من المواضيع التي نوقشت مع السلطان ومع الأمير الحسن ، أثناءها ، دون تفاصيل حول الموضوع الذي كانت من أجله الزيارة ، والذي اكتفى بالقول حوله بأن الوفد اكتشف في أنتسرابي ، بأن ما راج كان من نسج خيال من ابتدعوه ، وهو جواب يمكن أن يترك عمق السؤال معلقا .
ويمكن أن نستنتج ، من خلال رواية عبد الهادي بوطالب ، أن الحكومة الفرنسية ، خططت للحصول من الحركة الوطنية ، على نوع من تفويض أمر تسوية القضية المغربية للسلطان ، وهو ما حصلت عليه ، بطريقة غير مباشرة ، عبر تخطيط مسبق ، لما اعتمدت في الإيحاء بالاستعداد لحل القضية المغربية ، على البدء في ذلك الحل بمشكلة العرش ، وعبر ربط الوطنيين في لقائهم الثاني مع المقيم العام جيلبير كرانفال ، بين المشكل برمته وبين عودة السلطان ، وتأكيدهم على هذا الأمر في جلسات إيكس لي بان . إن هذا التفويض ، غير المباشر ، هو الذي جعل فرنسا تبرم مع السلطان ، "أوفاق أنتسرابي " ، إذا صح ماراج ، وهو الذي جعل فرنسا تتحكم في اللعبة ، لما لجأت اللجنة الوزارية الفرنسية ، بعد جلسات إيكس لي بان ، حسب بوطالب ، إلى أن تجعل من مجموعة أفكار قاعدة لتسوية القضية المغربية ، دون أن تعرض الالتزام بتلك الأفكار على الوفد الوطني المغربي . إنها الأفكار التي تبنتها الحكومة الفرنسية برمتها ، والتي تحولت إلى موقف سياسي فرنسي ، وإلى خطة عمل لتسوية القضية المغربية عبر أربع مراحل تبتدئ بإزاحة ابن عرفة ، وتأسيس مجلس العرش وتنتهي بتشكيل حكومة مغربية تحدد مع فرنسا شروط الاستقلال . ويفهم من هذه الرواية ، أن محادثات الوطنيين مع الفرنسيين في باريس دارت حول هذا التصور الفرنسي ، كما يفهم منها أن مسألة التفويض زادت عمقا ، لما ذكر بأن الوفد الوطني في تلك المحادثات ، كان يركز على ضرورة اختصار المراحل بالبدء بعودة السلطان إلى عرشه ، وعلى التلويح بأن أي اتفاق حول استقلال المغرب لن يمس أبدا بمصالح فرنسا بهذا البلد ، خصوصا في المجال الاقتصادي . ولحذرهم من الانزلاق نحو أطروحة " الاتحاد الفرنسي " التي طرحتها فرنسا ، سابقا ، كان أبرز ما ركزوا عليه ، كذلك ، هو التعبير رفض أطروحة الاستقلال المترابط ، أو " الاستقلال داخل الترابط مع فرنسا " .
في خضم هذا السياق ، حسب مذكرات بوطالب ، كانت عودة السلطان إلى فرنسا ، وكان توقيعه " اتفاقية لا سيل سن كلود " ، التي يجعلها المهدي بن بركة ، حاملة الاستقلال الشكلي ، ولم يوليها عبد الهادي بوطالب أي اهتمام ، ربما اتقاء أي إشارة ، قد تربط بينها وبين صيغة الاستقلال في إطار الترابط ، الذي كان بعض الوطنيين ، مثل عبد الرحيم بوعبيد ، لا يرى فيه أكثر من مجموعة اتفاقات ثنائية للتعاون بين البلدين ، تبرم في إطار إرادي ومحدد[18] .
خاتمة
استحضر كل من عبد الهادي بوطالب والمهدي بن بركة ، الحديث حول إيكس لي بان ، في مناسبتين مختلفتين . وكان اختلاف المناسبة واختلاف القصد ، وراء اختلاف الأسئلة التي طرحها كل واحد منهما حول ذلك المنعطف ، كما كان وراء اختيار نقط التركيز ، ووراء التصريح أو التلميح في إبراز الخلاصات . وبين الخلاصات الثلاث التي أبرزها تحليل ابن بركة ، لما جرى في إيكس لي بان ، يتفق بوطالب معه في اثنين منها . ولا قول له في الثالثة المتعلقة باعتبار ما جرى في إيكس لي بان متسببا في إجهاض الثورة في المغرب ، وفي شمال إفريقيا . ولعل ذلك راجع إلى كون أحزاب الحركة الوطنية استمرت ، في نضالها الوطني ، معتدلة ، ولا تصرح بأي توجه ثوري يتبنى العنف ، كما كانت واعية بدعم نظام الضباط الأحرار للتوجهات الثورية في شمال إفريقيا ، وبدفعه تلك التوجهات نحو التخلص من الأحزاب السياسية ، وكانت غير متفقة مع ما آل إليه مصير الأحزاب السياسية في الجزائر ، بعد تأسيس جبهة التحرير . وقد يكون العمل على تحاشي نفس المصير ، وراء القبول بتسويات إيكس لي بان ، ولو مرحليا ، في أفق المراجعة ، بعد أن تستثب لها الأمور . إضافة إلى أن بعض التوجهات الثورية التي ظهرت داخل حزب الاستقلال ، لم تبدأ في التبلور إلا بعد إيكس لي بان ، وبعد الاختلاط بعناصر المقاومة وجيش التحرير ، التي التحقت بهذا الحزب ، غداة عودة السلطان .
ويبدو أن فهم ما جرى في إيكس لي بان لا يستقيم دون استحضار عناصر أخرى كان لها تأثير ، بهذا الشكل أوذاك . ومن ذلك ، أن الصف الوطني لم يكن يقتصر في لقاءات إيكس لي بان على حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال ، بل كان إلى جانبهما طرف ثالث ، يتزعمه البكاي بن مبارك ، الذي لم يكن رجل سياسة ، بقدر ما كان رجل قضية ، هي قضية السلطان محمد بن يوسف ، كما كان صاحب نشاط مستمر وقوي في فرنسا من أجل تلك القضية ، منذ سنة 1954 . ويظهر أن اهتمامه بقضية عودة السلطان ، مبتدأ وخبرا ، ساهمت بالدفع بالحزبين الوطنيين نحو التركيز نفسه ، اتقاء أن يتهم أحدهما ، وهما الحزبان المتنافسان ، في إخلاصه لمحمد بن يوسف . يضاف إلى هذا أن الحزبين الممثلين للوطنيين ، لم يكونا على وفاق يساعدهما على التكتل والتنسيق ، وطرح اقتراحات ذات أفق سياسي ، فلم يبق لديهما سوى التنافس في إظهار الإخلاص للسلطان ، مؤجلين كل تصور سياسي ، إلى ما بعد عودة السلطان . ومثلما أحاط الارتياب المتبادل نشاطهما في إيكس لي بان وباريس ، أحاط بلحظة سفرهما إلى أنتسرابي ، إلى حد اتهام كل منهما للآخر بأنه حذر السلطان من نوايا غريمه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق