الكثير من المغاربة يعرفون الفنان المغربي، محمد البشير سكيرج، لكن القليل من يعرف شقيقه رشيد سكيرج، مؤسس الإدارة العامة للأمن الوطني بعد الاستقلال، إلى جانب محمد الغزاوي، والمسؤول الكبير في جهاز المخابرات ” الكاب1″، الى جانب الدليمي، وأحد أبرز الشهود في ملف المهدي بن بركة.
رشيد سكيرج توفي قبل أيام في باريس، التي اختارها كمنفى له منذ 1963، مخلفا وراءه قصة تاريخ كبير من النضال. البعض يصفه بأنه “كان عين المهدي بنبركة داخل جهاز الكاب1″، فهو الذي كان يسرب المعلومات الى الحركة الوطنية، حول عمليات الاغتيالات والاختطافات التي كان يجري التخطيط لها، بل إنه ساهم في إحباط عملية انقلاب على الرئيس الغاني نيكروما سنة 1961.
المؤرخ المغربي المعطي منجب، قال لـ”اليوم24″، إنه التقى بالراحل رشيد سكيرج في باريس سنة 2002، بعدما قدمه له الصحافي الفرنسي انياس دال، فروى له قصة إحباطه الانقلاب ضد نيكروما.
فقد سلم معطيات العملية الى المهدي بن بركة، الذي نقلها الى الزعيم الافريقي وهكذا أحبط الانقلاب.
محمد بنسعيد أيت يدر، الذي كان رفيق سكيرج، في الحركة الوطنية، تحدث عن طبيعة المعلومات التي سلمها سكيرج لبن برك، في ذلك الوقت، فقال إن الامر يتعلق ب”وثيقة سرية”، لجهاز المخابرات السرية CIA، التي كانت نشيطة في المغرب في تلك الفترة، تتضمن خطة الإطاحة بالرئيس الغاني.
تعرف آيت يدر على سكيرج سنة 1956، وكان حينها “أحد الشخصيات التي ساهمت في تشكيل الإدارة العامة للأمن الوطني الى جانب محمد الغزاوي”.
لعب سكيرج، دورا كبيرا في مساعدة الثورة الجزائرية عبر توفير جوازات السفر، والسلاح، حسبما يروي آيت يدر، كما أنه كان يعد أحد العناصر الوطنية التي رفضت “توجه الأجهزة الأمنية الى القمع”.
ويقال أن المهدي بنبركة شجع سكيرج على البقاء داخل الأجهزة الأمنية، ولهذا احتل موقعا كبيرا في جهاز الكاب1 الى جانب الدليمي وأوفقير. لكن بعد إفشال مخطط الإطاحة بنكيروما، وتسريب معلومات الى المعارضة بدأت الشكوك تحوم حوله، داخل جهاز الكاب 1، لدرجة أنه تعرض لإطلاق نار وأصيب في يده، فاعتقد أنه مستهدف ففر الى الجزائر سنة 1993. وهناك التقى بعدد من قيادات الحركة الوطنية منهم الفقيه البصري وحميد برادة، وحضي بدعم من نظام أحمد بنبلة، الذي كانت علاقته متوترة حينها مع المغرب، إثر حرب الرمال. كان سكيرج يعرف أنه سيكون مستهدفا بالاغتيال،من طرف الكاب1، ولهذا اتخذ كل الاحتياطات.
مرة أرسل رجال الدليمي، قوة مدربة لاختطافه، ودخلت هذه العناصر الى الجزائر متخفية في صورة لاعبي كرة السلة، لكنه تمكن من التعرف عليهم عندما اتصلوا به، فأخبر الأمن الجزائري، الذي نجح في اعتقالهم، حسبما روى لأخبار اليوم”، أحد الذين عاشوا معه في الجزائر.
أمضى سكيرج ثلاث سنوات في الجزائر، قبل أن ينجح في الانتقال الى فرنسا، سنة 1966.
وتزامن وصوله اليها مع التحقيقات في اختطاف واغتيال المهدي بن بركة، ولهذا فإنه لم يتردد في الإدلاء بشهادته، في هذه القضية لانه كان على اطلاع على أسرار جهاز الكاب1، ويعرف جميع عناصره، ويقال إنه هو الذي تعرف الهوية الحقيقية لشخصية الشتوكي المتورط في الاختطاف، حيث أكد للقضاء الفرنسي، أن العربي الشتوكي هو الاسم المستعار، لميلود التونزي، عميل الكاب1.
وفي 8 مارس 1981، يروي رفيقه بنسعيد أيت يدر، أن سكيرج عاد الى المغرب، لفترة، وساهم في تأسيس منظمة العمل الديموقراطي الشعبي، كما أنه اشتغل مع الحزب في قسم العلاقات الدولية والاعلام، لكنه قرر العودة من جديد الى باريس حيث عاش الى أن توفي. وينتظر أن يصل جثمان الراحل غدا الجمعة على الساعة الخامسة مساء الى مطار ابن بطوطة، بطنجة، وقد وجه بنسعيد نداء الى المشاركة المكثفة في الجنازة، معتبرا أن الفقيد يعد ممن قدموا الخدمات الجليلة لمساعدة الثورة الجزائرية على الاستقلال، ثم على بناء مؤسسات الدولة الوطنية”، وأن “شهادته في قضية اغتيال الشهيد المهدي بنبركة كان لها دور وازن، لأنها عرت ممارسات الأجهزة القمعية التي كانت مسؤولة عن مآسي سنوات الرصاص”

من هو رشيد سكيرج ؟
ردحذفبقلم : عبد الاله المنصوري.
أُعلن في باريس عن رحيل رشيد سكيرج، أحد رموز الحركة الديموقراطية والتقدمية في بلادنا؛ رجل لعب أدوارا طلائعية في النضال من أجل التحرر والديموقراطية وطنيا، مغاربيا وعربيا، وعلى مستوى العالم حتى.
كان رفيقا لثلاثة رموز كبرى في الصف التقدمي والثوري المغربي؛ الشهيد المهدي بنبركة، المجاهد الراحل محمد الفقيه البصري والمجاهد محمد بنسعيد أيت يدر.
تولى الراحل رشيد سكيرج منصبا أساسيا في "الإدارة العامة للأمن الوطني" التي بوشر بتأسيسها مباشرة بعد إعلان استقلال المغرب عن الاستعمارَيْن الفرنسي والإسباني، وكان عين الحركة الوطنية والتقدمية على هذا الجهاز، في تلك المرحلة التي كان يعرف فيها المغرب صراعا مريرا بين رؤيتين؛ منظور ينتصر لاستمرارية التبعية للمركز الاستعماري الفرنسي في الأجهزة والخيارات كان يمثله الرجل الثاني في الدولة حينها الحسن بن السلطان محمد الخامس ومجمل القوة الثالثة التي كانت تتشكل من عملاء الاستعمار وبقايا الإقطاع والجنود والضباط السابقون في الجيشين الاستعماريين (الفرنسي والإسباني) مسنودين بالمعمرين والشركات الفرنسية المسيطرة على أهم القطاعات. ومنظور آخر ذو أبعاد وطنية وتحررية كان ينحو في اتجاه تحرير كل القطاعات والاجهزة من بقايا التأثير الفرنسي وكذا من نزوعات التسلط والهيمنة التي كانت تبدو في الأفق من ممارسات "ولي العهد" حينها والفريق المرتبط به (أوفقير، الدليمي، أمزيان، أحرضان، الخطيب ورضا اكديرة...). قام الراحل رشيد سكيرج بدوره الوطني وكان شاهدا فضاحا لتجاوزات الأجهزة الأمنية حينها، وخاصة جهاز "الكاب 1" سيئ الذكر الذي كان يواجه نزوعه نحو التحول لعصابة فتاكة تقتل وتسرق وتنهب وتختطف وتغتال.
واجه الجنرالان الجلادان حينها، أوفقير والدليمي. ومنعهما من ارتكاب الفظائع، ووفر دعما لأشقائنا من ثوار الجزائر، بالسلاح والجوازات المغربية، لتسهيل حركتهم داخل الجزائر وعبر العالم.
كان شاهدا على الكثير من جرائم الكاب 1 التي واجه منفذيها بشجاعة بالغة، فمنع منها الكثير وفضح منها الأكثر، ليكون شاهدا على حقبة سوداء من تاريخ المغرب (اختطاف واغتيال الشهيد محمد الحريزي المناضل المقرب من بنبركة، ثم اختطاف الشهيد بنبركة..).
تعرض لعدد من محاولات الاغتيال داخل المغرب وخارجه، لكن القدر جعله يعيش أكثر من الجلادين.
خرج إلى الجزائر فاستقبله الرئيس الجزائري الراحل أحمد بنبلة وبقي هناك 3 سنوات قبل أن يظهر في فرنسا ليقدم شهادة مدوية في محاكمة الجلاد الدليمي في قضية اختطاف الشهيد المهدي بنبركة سنة 1966.
كان وجها نشيطا في فرنسا في لجان مناهضة القمع بالمغرب، وفي الأنشطة المتعلقة بمحاربة الاستعمار ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني والتضامن مع قضايا التحرر في العالم (حرب فيتنام، والتدخل الاستعماري الفرنسي في أكثر من منطقة في إفريقيا، والعدوان الأمريكي على دول مختلفة من العالم).
كما اشتغل صحافيا بمكتب وكالة الأنباء العراقية في باريس، مثلما كان واحدا من أبرز أعضاء الطاقم الصحفي لمجلة "اليوم السابع" الشهيرة التي كان يشرف عليها القيادي الفلسطيني المعروف في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" الأستاذ بلال الحسن. وهي المجلة التي أجرت الحوار الذي شكل حدثا في الثقافة العربية في حينه بين عَلَميْن من أعلام الفكر الفلسفي في الوطن العربي (محمد عابد الجابري وحسن حنفي في "حوار المشرق والمغرب").
كان من مؤسسي حركة 23 مارس إلى جانب عدد من رفاقه المنسحبين من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وفي مقدمتهم السي محمد بنسعيد أيت يدر، وكان من أبرز المشرفين على نشرتها الصادرة في باريس "23 مارس". كما كان من مؤسسي "منظمة العمل الديموقراطي الشعبي" سنة 1983 وعضوا في لجنتها المركزية بعد المؤتمر الأول.
قصة هذا المناضل الذي ينتمي لأسرة طنجاوية عريقة في العلم والتصوف، كانت مناصرة لثورة القائد المجاهد محمد عبد الكريم الخطابي، تستحق أن تُحكى للأجيال، هي أسرة العلامة محمد بن العياشي سكيرج.
خلّف الراحل رشيد بنتا اسمها إحسان، وما يزال من أشقائه الممثل المغربي والعربي المعروف عالميا محمد البشير السكيرج، وشقيقته الفاضلة السيدة زبيدة سكيرج التي زُرتُها قبل خمس سنوات في بيتها لأجدها نموذجا راقيا في العلم والمعرفة والتواضع حيث أهدت لي أحد كتب أبيها الذي كان قد خرج لتوه من المطبعة، فكانت فرحة به فرحة طفولية.
رحم الله المناضل رشيد سكيرج وأسكنه فسيح جنانه، وألهمَ عائلته الصغيرة وكل رفاقه ومحبيه الصبر والسلوان.
عبد الاله المنصوري.