المتابعون

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

حول اختطاف المهدي بن بركة-1-

المهدي بن بركة
قضية المهدي بن بركة بين الطرحين الجنائي والسياسي

رغم مرور ما يقارب الأربعة عقود على عملية اختطاف واغتيال المهدي بن بركة في باريز،  يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965، فإن القضية مازالت تصنع الأحداث إلى يومنا هذا، من خلال الروايات والشهادات وانعكاسات مسار المغرب السياسي الراهن، و هذا المنحى وحده كفيل بوضع حقيقة اغتيال بن بركة في سياقها السياسي. إن التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي منذ 1997، وإعادة الاعتبار المعنوي لشخصية بن بركة، من خلال تجاوز عقدة اللسان التي كانت تصيب البعض عندما يذكر اسم المهدي بن بركة في المحافل الرسمية، ومن خلال إطلاق اسم بن بركة على أحد أجمل وأكبر شوارع مدينة الرباط، ومحاولة تصفية تداعيات القضية مع طرفين أساسيين، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وعائلة  بن بركة. أنتجت هذه التحولات جميعها سياقا جديدا سمح بتسرب الضوء من جديد إلى ملف اغتيال هذه الشخصية، خصوصا في السنوات الأخيرة التي أعقبت قرار الحكومة الفرنسية ، المتمثل في الرفع الجزئي لسرية الدولة عن ملف بن بركة.

سنحاول من خلال هذه المقالة، وانطلاقا من  تركيب جل الأطروحات والروايات وضع عملية اختطاف واغتيال بن بركة في إطار سياقها التاريخي، الذي يمكن أن يوضح بشكل عام لماذا اغتيل بن بركة أواخر أكتوبر 1965. واعتمدنا في ذلك الوثائق الداخلية سواء المتعلقة بحزبه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، أو بملفات دفاع الطرف المدني أو بالمقالات التي كتبت حول القضية، والموجودة في أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد. اعتمدنا أيضا في مقاربتنا هذه لقصية بن بركة، على التصريحات والروايات الأخيرة لكل من أحمد البخاري ورؤوف أوفقير. وهدفنا من كل هذا تمكين القارئ من جل ” المعلومات ” ، التي نشرت حول الموضوع ، فلا يجوز أخلاقيا وسياسيا أن تتحول عملية اغتيال بن بركة إلى قصة بوليسية ، ومسألة ثأر بين أشخاص ،أو محاولة فك ألغاز عملية الاغتيال من خلال الاستدلال بالجزء على الكل ، كما يقول الفقهاء، والقراءة السياسية للقضية هي الوحيدة القادرة على إمساك الماضي بالمستقبل.

لقد أعطى بن بركة كل ما يملك لهذا الشعب ، فبادله هذا الأخير شعور الوفاء بحفر اسمه في الذاكرة المقدسة لوطن اسمه المغرب ، وكم من الرجال في وطننا من يحمل اسم المهدي. كان بن بركة شعلة من النضال والحركة داخل حزبه ، الاتحاد بما له وما عليه ، لكي  يبقى ذلك النبراس الذي علقت عليه أجيالبكاملها أمل مغرب المساواة والعدل والحرية والديمقراطية، فاحتراما للتاريخ وللذاكرة ، للشعب المغربي الحق في رؤية واضحة لما وقع سنة 1965، لكي نستطيع جميعا القيام بقراءة مشتركة لهذا الحدث ونفكر بصوت عال لبناء المستقبل، فالشعور الوطني يمتد عميقا في الماضي والحاضر أيضا ، وكلنا أمل أن تقال الحقيقة ليس فقط في ما وقع لبن بركة ، بل لكل أولئك الذين لا يملكون في هذا الوطن قبرا . وعندما نفتح أرشفينا وذاكرتنا في منتصف النهار ، نستطيع أن نرى مستقبلنا جيدا ، معتزين بماضينا، أقوياء بحاضرنا، ولن يسمح التاريخ باغتيال بركة وتراثه مرتين.

المهدي بن بركة : 1920 – 1965

نشرت دار النشر المغربية،  أوائل سنة 1976 ، كتابا بقلم عبد اللطيف جبرو ، وتقديم مصطفى القرشاوي،  تحت عنوان : ” المهدي بن بركة ،ثلاثون سنة من العطاء الفكري والنضال الثوري من أجل بناء مجتمع جديد”. وصدر الكتاب بمناسبة عشر سنوات على اغتيال بن بركة . كان هذا أول كتاب ينشر في المغرب حول المهدي بن بركة، وكان من المفترض أن ينشر بتقديم من عمر بنجلون، لكن اغتياله في 18 دجنبر 1975 ، أجل نشره إلى أوائل سنة 1976. رسم جبرو في هذا الكتاب  مسار بن بركة منذ ولادته إلى زمن اغتياله.، ورصع الكتاب بصور نادرة للفقيد.

وفق المعطيات الواردة في هذا الكتاب ، ولد المهدي بن بركة في الرباط في يناير 1920 ، كان أبوه تاجرا صغيرا  يبيع السكر والشاي ، في حي بوقرون  ، قرب زاوية سيدي قاسم.  بدأ دراسته في المسجد، قبل أن يدخل مدرسة لعلو، ثم كوليج مولاي يوسف ، فثانوية كورو .

كان المهدي بن بركة بشهادة أساتذته وأصدقائه تلميذا متفوقا في الرياضيات و التاريخ والعلوم واللغة الفرنسية. بدأ حياته السياسية في إطار كتلة العمل الوطني ، وهو في سن الخامسة عشر ، ونقل جبرو في كتابه السالف الذكر أن المهدي كان من المواظبين على “الورد”  في ضريح سيدي العربي بن السايح، وكان عضوا في الفرقة المسرحية التابعة لقدماء المدرسة اليوسفية بالرباط، ومثل أدوارا في مسرحيتي “لقيط الصحراء” و”غفران الأمير”.

حصل المهدي بن بركة سنة 1939 على القسم الثاني من الباكلوريا في الرياضيات. كان من المفروض أن يلتحق  بجامعة باريس ، لكن قيام الحرب العالمية الثانية ، دفعته  إلى التوجه إلى الجزائر ، حيث حصل هناك سنة 1942 على  الليسانس في الرياضيات. وابتداء من السنة الدراسية 942-1943، بدأ حياته المهنية بالكوليج المولوي وثانوية كورو بالرباط . اعتقل بن بركة مباشرة بعد مظاهرت يناير 1944، و بعد التوقيع على وثيقة المطالبة بالاستقلال. بعد خروجه من السجن سنة 1945 ، سيعين مديرا إداريا للجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ، ليشرف بعد ذلك على تحضير إصدار جريدة العلم ، وتحديد خطها السياسي.

ظهر أيضا اسم المهدي بن بركة إلى جانب عبد الرحيم بوعبيد ، حين قدم الاثنان مذكرة عن الحالة بالمغرب إلى الأمم المتحدة ، التي كان يوجد مقرها في البداية بباريس . اعتقل في فبراير 1951 ، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في المنفى ، ليطلق سراحه في أكتوبر 1954 . لعب الرجل دورا بارزا في الاتصالات التي تمت مع عدد من الأوساط الفرنسية المساندة لاستقلال المغرب ، لبحث إمكانية استقلال المغرب ، موازاة مع حركة المقاومة التي انتشرت في عدد من المناطق بالمغرب.

استطاع بن بركة أن يحافظ على عدة توازنات داخل حزب الاستقلال الذي عقد مؤتمرا في دجنبر 1955 . انتخب رئيسا للمجلس الوطني الاستشاري بعد حصول المغرب على استقلاله.

دخل المغرب منذ سنة 1956 منعطفا جديدا ، كان له الأثر على تشكل موازين القوى في مغرب ما بعد الاستقلال  ، وستعكس هذه التأثيرات على حزب الاستقلال أيضا ، الذي عرف مخاضا استمر ثلاث  سنوات ، أدت إلى ميلاد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1959 .

بين 1956 و1959 ، كان المهدي بن بركة ، محاضرا ومنظرا ومشرفا على التنظيم ومحددا للخط السياسي للحزب، وإلى جانب عدد من المحاضرات التي ألقيت في مدن مغربية عدة ، في صيف 1957 كان بن بركة وراء مشروع طريق الوحدة ، الذي تكلف بإنجازه 12 ألف شاب ، ، ويتعلق الأمر بشق طريق طوله 60 كلم يربط بين تاونات وكتامة . كان بن بركة تواقا إلى الاستفادة من تجارب بعض الدول كالصين والاتحاد السوفياتي في توظيف طاقة الشباب من أجل تنفيذ مشاريع اقتصادية واجتماعية كبيرة.

تأسس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في 6 شتنبر 1959 ، حين أعلن جزء من مكونات حزب الاستقلال ، في 25 يناير 1959، عن تأسيس الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال ، بعدما عز التعايش بين ما كان يعرف بالجناح اليساري داخل حزب الاستقلال والعناصر النقابية وجناح المقاومة ، وبين أطراف أخرى داخل الحزب. وإذا كان الجناح النقابي وجناح المقاومة ، قد دفعا باتجاه التصعيد ، فإن المهدي بن بركة ، حاول في البداية أن يجد توافقا بين الأطراف جميعها ، لكن يظهر أن الرجل اتخذ قرارا في يوليوز 1958 ، بتبني توجه  النقابيين والمقاومين ، ويبدو أن إفشال قيام حكومة علال الفاسي في دجنبر 1958، كانت وراء اتخاذ قرار الانفصال عن حزب الاستقلال.

لعب المهدي بن بركة دورا أساسيا من حيث التوجيه التنظيمي أو السياسي للتنظيم الجديد ، ويظهر ذلك من خلال التحكم في مجرى انعقاد المؤتمر يوم 6 شتنبر .( أنظر كتابنا من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: 1959-1983 – الرباط 2002 ، الفصل الثاني ، ص 38)

عرفت سنة 1960 صراعا قويا بين توجهين داخل الساحة الوطنية المغربية ، تمحور حول المسار الذي ينبغي أن يأخذه المغرب ، خصوصا بعد الإجراءات الاقتصادية والسياسية التي اتخذتها حكومة عبد الله إبراهيم ، وأدى ذلك إلى إقالة الحكومة  في ماي 1960. في هذا الزمن استشعر المهدي بن بركة خطورة التحول الذي سلكه المغرب، ولذلك لم يعد إليه بعد ترأسه لوفد الاتحاد الوطني إلى مؤتمر الشعوب الإفريقية الذي انعقد بتونس ، وتوج التوجه العالمي الجديد لبن بركة، بانتخابه رئيسا للجنة السياسية لمنظمة التضامن الإفريقي الآسيوي ، في شهر أبريل 1960، والتي عقدت مؤتمرها الثاني بكوناكري بغينيا..

حضر بن بركة بالقاهرة ، يوم 23 مارس، المؤتمر الثالث للشعوب الإفريقية ، وقام بجولة في الشرق الأوسط، مركزا على تحرير الشعوب من الهيمنة الاستعمارية. شارك بن بركة أيضا في المؤتمر الثالث لمنظمة التضامن الأفرو أسيوي ، الذي انعقد في باندونغ . بدا نشاط المهدي بن بركة يأخذ بعدا عالميا من خلال مشاركاته المتعددة في المؤتمرات الجهوية والقارية حول مناهضة الاستعمار وتحرير الشعوب.

كان حضور المهدي بن بركة في القاهرة مناسبة للالتقاء مع محمد بن عبد الكريم الخطابي ، ولعب الزعيم الاتحادي دورا كبيرا إلى جانب عبد الله إبراهيم في تغيير عدد من مواقفه حول الاستقلال وحكومة عبد الله إبراهيم ، خصوصا موقف الحكومة  من جلاء القوات الأجنبية ، وأحداث الريف التي وقعت أواخر 1958 وبداية 1959 . أصبح إذن المهدي بن بركة مرجعا لمحمد بن عبد الكريم في عدد من القضايا المرتبطة بالمغرب وبحركات التحرر في العالم ، خصوصا منذ تبوأ بن بركة مسؤوليات في عدد من المؤتمرات الجهوية والقارية. ( أنظر مقال عثمان بناني : محمد بن عبد الكريم ومسألة استقلال لمغرب، مجلة أمل،عدد 8 ،ص ص، 145-154 ،1999)

عاد المهدي بن بركة إلى المغرب يوم 15 ماي 1962 ، حيث كان في استقباله في مطار الربا-سلا ، المئات من مناضلي الحزب ، واستقبلوا هذه المرة ، ليس فقط عضو القيادة الحزبية ، بل أيضا رمزا من رموز مقاومة الاستعمار القديم والجديد على السواء ، واستقبال رجل أصبح له صيت عالمي. لكن الحزب الذي تركه بن بركة في يناير 1960 ، لم يعد نفس الحزب في ماي 1962، فقد تولد صراع قوي بين الجناح النقابي والسياسي وانفجر علنا منذ نهاية 1961.( أنظر الدراسة التي نشرناها في جريدة الأحداث المغربية في يناير 2003، تحت عنوان: ثنائية الحضور النقابي والسياسي في تاريخ الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية. مخطوط  ” أمراء النزعة  الانحرافية العمالية أو انحراف القيادة النقابية المغربية “وثيقة بخط عمر بنجلون كتبت في السجن بتاريخ شتنبر 1964)

لاشك أن انعقاد المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وتقديم بن بركة لتقريره، الذي حمل في صيف 1965 ، اسم الاختيار الثوري، سيطرح أمام بن بركة ومرة أخرى ربط قضايا التنظيم بالمعارك السياسية الكبرى، وأن حضور النقابي بقوة داخل التنظيم السياسي يحد نوعا ما من الأهداف التي يمكن أن يحققها الاتحاد الوطني ، الذي أراده بن بركة إطارا سياسيا أكبر من خارطة المغرب ، بربطه بحركات التحرير العالمية آنذاك ، ويتجلى هذا المنظور في الخطاب الذي ألقاه في اجتماع لمؤتمري إقليم الرباط/سلا .

في مقدمة الاختيار الثوري الذي كان بن بركة ينوي نشره في دار الطليعة ببيروت ودار ماسبيرو بباريز ، كتب بن بركة في شهر يوليوز 1965 ، عن ظروف كتابة تقريره في ماي 1962 ما يلي :

” لقد كنا في شهر ماي 1962 – عندما قدمت هذا التقرير للكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية –على وشك عقد المؤتمر الثاني للحزب ( 25-27 ماي 1962 ) ، وكنت بعد عودتي من إقامة اضطرارية في الخارج، أرى من الواجب أن أبدي لرفاقي خلاصة نقد ذاتي للمراحل التي قطعتها حركتنا من قبل ، مع بعض الخطوط الرئيسية لمهامنا في المستقبل . إن أي حركة سياسية تطمح في أن تكون حركة ثورية لا يمكنها أن تعيش وتنمو إذا هي لم تقم من حين لآخر بتحليل شامل وديناميكي للمجتمع الذي تعمل فيه حتى تستطيع أن تقرر خطتها على أسس علمية ، وأن تتنبأ إلى حد بعيد بأحداث المستقبل ، وقد كنا في حاجة إلى مثل هذا التحليل، ليس فقط لمناسبة شكلية هي انعقاد المؤتمر ، ولكن على الأخص لأننا كنا على أبواب تحول كبير في سير حركتنا التحريرية . والواقع أن مثل هذا التحليل هو ما يطالب به مناضلو الحزب عندما يلحون على قادته بالإفصاح عن برنامج ، وليس البرنامج هنا هو مجموعة التدابير التي يلتزم الحزب باتخاذها عندما يصل إلى الحكم ، بل هو الخط السياسي الذي يوضح معارك الماضي ، وما انطوت عليه من مظاهر النصر والفشل ويرسم ملامح المستقبل . لقد كانت تعترضني وأنا أكتب هذا التقرير عدة أسئلة حرصت على الإجابة عليها ، فكنت أتساءل : كيف يمكننا أن نعد مناضلي الحزب لمعارك المستقبل إذا لم نمكنهم من فهم التيارات التي وجهت الأحداث المعاصرة في بلادنا ، وإذا لم نشرح لهم المعنى الحقيقي للاستقلال ، والظروف التي تحقق فيها ، والأخطاء التي جعلت الحركة التحررية تحرم من مكاسب نضالها ؟ كيف نجعلهم يفهمون التردد الذي طبعت به خطواتنا الأولى بعد إعلان الاستقلال ، إذا لم نكشف لهم النقاب عن المعارك المريرة التي كنا نخوضها لتحقيق أتفه الإصلاحات في الحكومات التي كنا نساهم فيها ؟ وقد اقتنعت بأن العرض الموضوعي لأخطائنا ونقصنا في الماضي هو السبيل الوحيد لإعدادهم لمعارك المستقبل . ولم يكن من المتيسر في حدود هذا التقرير أن أقوم بتحليل نقدي شامل لحركة التحرر الوطني في المغرب ، ولا بعرض دقيق لنشاط الحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال ، لكن كان المهم – بالنسبة للغرض من التقرير – الاعتماد على بعض الوقائع أو الأحداث الخاصة لإلقاء بعض الضوء ،مثلا على موقفنا من نقطة تحول هامة في تاريخنا، مثل  تسوية  إكس ليبان أو لشرح الأسباب الموضوعية والذاتية التي جعلت القيادة السياسية تفلت من أيدينا بينما كنا الأغلبية الساحقة في البلاد حتى نستخلص من كل ذلك العبرة لسلوكنا في المستقبل…” ( الاختيار الثوري.ص،1و 2 )

في شهر شتنبر  من نفس السنة توجه المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد إلى الاتحاد السوفياتي على رأس وفد حزبي . وفي شهر نوفمبر نظم مهرجان في الرباط للتضامن مع كوبا والجزائر ، ونبه بن بركة أمام جمهور الرباطيين ،إلى أن ” هناك مشاكل خطيرة ببلادنا لن يحلها دستور ينزل من السماء أو يطلع من الأرض. المهم هو كيف سنخرج الاستعمار من البلاد ، وكيف نستخرج مليون هكتار من يد المعمرين؟كيف سنحل مشاكلنا مع الاستعمار الجديد؟ كيف نضمن لبلادنا مكانتها اللائقة بها  في إفريقيا والعالم العربي وفي المحيط الدولي…” ( جبرو: المهدي بن بركة، المصدر السابق،ص،208)

في يوم  14 من شهر نوفمبر 1962، اجتمعت اللجنة المركزية للحزب بالدار البيضاء ، وأصدرت قرارا بمقاطعة الدستور ،” بعدما حللت الوضعية التي نشأت عن قرار الحكم المطلق بالقيام باستفتاء في موضوع دستور مصنوع، طبخ في الخفاء وبمساعدة فنيين أجانب في خدمة الاستعمار القديم والجديد. وبعدما درست النتائج التي ستنجم من هذه العملية المزدوجة سواء على الصعيد الوطني أو بالنسبة لمجموع المغرب العربي، تنبه ( اللجنة المركزية) إلى أن ما يسمى بالاستفتاء في نطاق نظام الحكم الفردي الإقطاعي القائم منذ سنة 1960، إنما هو عملية منافية من أساسها للديمقراطية وشكل من أشكال الاختلاس السياسي . إن الحكم المطلق الذي استحوذ منذ ماي 1960 على الشؤون المالية والاقتصادية وسيطر على الجيش والشرطة وإدارة الشؤون الخارجية والداخلية جاد في تجنيد كل هذه الوسائل للضغط على الشعب المغربي حتى يتأكد سلفا من نجاح العملية……” ( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد لاشتراكي 1959-1974. وثائق – دار النشر المغربية. ص،42 ) .

أصدرت الكتابة العامة في اليوم الموالي بيانا حول الحيثيات العملية لقرار اللجنة المركزية حول مقاطعة الاستفتاء  . وجاء الجواب سريعا على بيان اللجنة المركزية في شكل محاولة الاغتيال التي تعرض لها بن بركة يوم 16 نوفمبر ، بين الصخيرات و بوزنيقة ، حينما كان متوجها إلى الدار البيضاء رفقة المهدي العلوي. أصيب بن بركة في عموده الفقري ، ونقل إلى ألمانيا لمواصلة العلاج. ورغم مرضه فقد كتب  مقالا ، نشر في التحرير يوم إجراء الاستفتاء ، كان بمثابة محاكمة “للنظام”. كان أيضا من الأجوبة على موقف الاتحاد الوطني من دستور 1962، تفجير قنبلة في مطبعة جريدة التحرير.

في يوم 18 نوفمبر 1962 ، القي نص الدستور على أمواج الإذاعة، وحدد يوم 7  دجنبر 1962 لإجرائه.

رغم الإصابة في عموده الفقري ، سافر بن بركة إلى تنزانيا ليشارك في مؤتمر منظمة التضامن الإفريقي الآسيوي ، الذي انعقد في الأسبوع الأول من شهر فبراير 1963 .

بعد وفاة محمد بن عبد الكريم الخطابي، نظم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مهرجانات في عدة مدن مغربية تأبينا للزعيم المغربي، وخطب بن بركة في مهرجان فاس ، منوها بتاريخ محمد بن عبد الكريم قائلا:

“لقد نجح محمد بن عبد الكريم الخطابي في تنظيم ثورة لو كتب لها النجاح لكانت من أعظم ثورات العصر. لقد خلق هذه الثورة من لاشيء، ونجح في ضمان الاستمرار لها أكثر من أربع سنوات كانت كلها حروبا ومعارك طاحنة، حقق خلالها أروع الانتصارات، وما ذلك إلا لأن ابن عبد الكريم كان يؤمن بالشعب، واثقا به، فلم يكن مستبدا و لا إقطاعيا…” 5 جبرو ، المصدر السابق .ص،221)

شكلت سنة 1963 زمنا صعبا في البيت السياسي المغربي ، استعملت فيه بعض القيادات الاتحادية خطابا قويا ضد حملات القمع الموجهة ضد الحزب من طرف ” النظام ” و” الحكم الفردي” . من أهم هذه الخطابات، الاستجواب الذي أجرته مجلة جون أفريك مع المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد ، في عدد 8-14 أبريل 1963 ، وجاء هذا الاستجواب مباشرة بعد قيام جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، التي أسسها رضى اكديرة وعبد الكريم الخطيب وأحمد العلوي والمحجوبي أحرضان وآخرون.، وأكد بن بركة وبوعبيد : ” أن الخصم الحقيقي هو الذي يرفض أن يقوم بالمهمة التي أسندت له، أي الحكم الذي يجب أن يسمو فوق الأحزاب، والذي تحول إلى زعيم لتحالف المصالح، إننا نتحدث عن الملك، واكديرة ليس إلا ظله، وليس له وجود سياسي حقيقي ، اللهم إلا التعبير بوفاء عن آراء سيده”.

رغم الجو المتوتر بين قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والقصر ،أصدرت الكتابة العامة يوم 2 ماي 1963 بيانا “إلى الشعب المغربي حول انتخابات مجلس النواب ” – التي جرت يوم 17 ماي –  وقرر الاتحاد الوطني المشاركة فيها ” لنسف المؤسسات المزورة من الداخل “، وفاز فيها بن بركة بمقعد في دائرة يعقوب المنصور بالرباط.

لكن انشغالات المهدي بن بركة والتزاماته الخارجية والصراع النقابي السياسي داخل الحزب حتمت عليه العودة إلى الخارج ، كان ذلك يوم 15 يونيو 1963. عرج على بيت عبد الرحيم بوعبيد ليودعه قبل سفره ، وكان هذا آخر سفر له قبل اغتياله في سنة 1965.

كانت عدة أطراف غير راضية عن الموقع الذي بدأ يحتله الاتحاد الوطني في المعارضة ، خصوصا بعد تكوين ” فريق برلماني مناضل ” ، وتم توظيف محاولة بعض المناضلين داخل الاتحاد الوطني،  سواء كانوا في القاعدة أو في القيادة،  التفكير في القيام بثورة مسلحة، لتدبير فخ للحزب أطلق عليه “مؤامرة 16 يوليوز” ، فاستغل اجتماع موسع للجنة المركزية للحزب يوم 16 يوليوز بالدار البيضاء لإعلان وجود مؤامرة ضد النظام ، وتم اعتقال كل الحاضرين في الاجتماع ، لتعم الاعتقالات بعد ذلك كل أرجاء المغرب ، فقد أعلن الحزب مقاطعته للانتخابات الجماعية. كانت حمولة البيان الذي صدر عن اللجنة المركزية، يوم 16 يوليوز 1963، قوية تجاه “النظام”:

” اجتمع في مقر الكتابة  العامة يوم الثلاثاء 16 يوليوز أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الوطني للقوات الشعبية  و المندوبون عن الأقاليم والفروع و كذلك النواب المنتخبون . وكان موضوع الاجتماع يتضمن على الأخص دراسة الحالة الخطيرة التي توجد عليها البلاد اليوم أثناء الحملة الانتخابية من أجل انتخاب المجالس البلدية والقروية الجارية الآن. وبعد الإنصات إلى العروض المفصلة التي قدمها مندوبو الأقاليم والفروع وكذلك النواب المنتخبون في البرلمان وتحليل الوضع تحليلا دقيقا لاحظ الحاضرون بالإجماع :

1)         أن تصرفات السلطة البوليسية والإدارية في سائر أنحاء المغرب بأمر من الحكم المطلق نفسه ترمي إلى خلق جو من الرعب والقمع والتهديد والارتشاء لإنجاح الجبهة الملكية في الانتخابات المقبلة…

2)         أن تصرفات الحكم المطلق بواسطة إدارته المركزية والمحلية وبواسطة عصاباته يرمي في الحقيقة إلى فرض دكتاتورية شاملة معتمدة على الإرهاب والتعذيب والارتشاء وإلى تمركز الحزب الوحيد…

3)         أن تصرفات الحكم المطلق وأعوانه تفيد عمليا وموضوعيا أن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أصبح حزبا غير معترف به ترفض الإدارة أن تتعامل معه على أساس منظمة سياسية معترف بها….

ونظرا لهذه الاعتبارات ولغيرها فإن اللجنة المركزية للاتحاد الوطني وكذلك المندوبين عن الأقاليم والنواب في البرلمان يرون أن المشاركة في الانتخابات المقبلة لم يبق لها أي معنى ولا أي مدلول، لأن تصرفات الحكم المطلق تعدت كل الحدود في الجور والوقاحة واللامشروعية، (…) لذلك فإن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قرر:

1: أن تسحب كل الترشيحات التي قدمت لحد الساعة باسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية …

2: أن تبدل كل المساعي والجهود لدى المنظمات التقدمية أو الوطنية لمقاطعة الحكم ومحاربة أعوانه المارقين أثناء هذه الحملة الانتخابية .

وحرر بالبيضاء في 16/7/1963 ، على الساعة الثامنة عندما كان مقر الكتابة مطوقا بقوات البوليس والجيش.  ” ( من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي : 1959- 1974. وثائق . الدار البيضاء .ص ص.49-51) .

كان المهدي بن بركة  آنذاك موجودا بالخارج ، في مهمة رأب الصدع الذي حصل بين مصر وسوريا ، كانت علاقاته جيدة مع جمال عبد الناصر ،في الوقت الذي تربطه زمالة خاصة مع قيادة البعث السوري، وهذا الموقع في العلاقات السورية المصرية إلى جانب محاربته للصهيونية في إفريقيا، قد يفسر مشاركة أجهزة إسرائيليية في عملية الاغتيال. شن المهدي بن بركة إبان تحركاته في الخارج حملة قوية ضد الحضور الإسرائيلي في إفريقيا ، وكان منبر المؤتمر الأفرو آسيوي ، إطارا يفضح فيه بن بركة سياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين ، القائمة على اغتصاب الأرض وحرمان شعب بكامله في حقه في الوجود ، في الوقت الذي كان فيه التسرب الإسرائيلي في إفريقيا وآسيا منبنيا على المساعدات التقنية والعسكرية. .في هذا الإطار قدم بن بركة، في الندوة التي نظمت في القاهرة يوم 5 أبريل 1965 ، عرضا حول : ” إسرائيل والتغلغل الصهيوني في إفريقيا ” فضح فيه سياسة إسرائيل الحقيقية في القارة السمراء.

بعد اعتقالات يوليوز 1963 ، بقي بن بركة في الخارج ، لأن رأسه كانت مطلوبة بقوة، ويتجلى ذلك من خلال مجريات محاكمة الرباط في 1964، وسيكون نصيبه من المحاكمة ، الإعدام ، وهو الثاني بعد أن حكمت عليه محكمة عسكرية في خريف 1963، حكما مماثلا ، لأنه اتخذ موقفا مناهضا للحرب التي قامت بين المغرب والجزائر .

انعقد في ماي 1965 المؤتمر الرابع لمنظمة التضامن الأفروآسيوي، وانتخب بن بركة منسقا للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث، والذي كان مقررا أن ينعقد في يناير 1966 بهافانا.

كان أول حدث وصدمة بالنسبة لبن بركة يتمثل في الانقلاب الذي وقع في الجزائر في يونيو1965 ، كان الرجل في جلسة عائلية بشاطئ الإسكندرية بمصر حين سمع الخبر ، لكن حسه السياسي تغلب على عواطفه تجاه بن بلة ، فأرسل برقية إلى القيادة الجديدة ، يعلن فيها تأييده للانقلاب ، وهي البرقية التي كانت موضوع جدال بينه وبين عدد من المقاومين ، الذين كانت تربطهم وبن بلة علاقات متينة، ورفضوا بكل قوة تأييد الانقلاب الذي أطاح برفيقهم بن بلة . كان بن بركة من وراء برقية التأييد هذه يرمي إلى الحفاظ على الجزائر كقاعدة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بحكم وجود مئات من المناضلين ، خاصة أعضاء المقاومة وجيش التحرير ، الذين لجأوا إلى الجزائر غداة “المؤامرات”، التي “اكشتفتها” ألأجهزة الأمنية منذ 1960. كان بن بركة أيضا واعيا أن انقلاب  يونيو لم يكن بريئا ، فالجزائر كانت قاعدة لجل حركات التحرر الوطني الإفريقية ، بعدما كانت قبل ذلك مستقرة بالمغرب ، إلا أنها انسحبت منه بعد التحول السياسي الذي عرفه المغرب في 1960، وأن النفوذ الصيني و السوفياتي بدأ يتعاظم في القارة السمراء ، إضافة إلى الحضور القوي للكوبيين فيها. هذه المعطيات كلها كانت تشكل خطرا على المصالح الاستراتيجية الفرنسية بصفة خاصة ، وتؤثر أيضا في ما كان يعرف سابقا بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي .

كان هم بن بركة في صيف 1965 ، منصبا حول الإعداد لمؤتمر القارات الثلاث ، ولذلك كان يتنقل باستمرار بين العواصم العالمية ، وهذا ما جعل مهمة أولئك الذين كانوا يعدون العدة لاغتياله ، صعبة ، خصوصا وأن رأسه أصبحت مطلوبة من أطراف عدة داخلية وخارجية.

في شهر يوليوز 1965 انتهت المفاوضات بين القصر وقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الباب المسدود، بعدما أشعلت الفترة الممتدة بين أبريل ويونيو أملا في فك الأزمة السياسية التي أعقبت “انتفاضة” الدار البيضاء ، بالمشاركة في حكومة وحدة وطنية ،خصوصا بعد إطلاق سراح محمد الفقيه البصري وعمر بن جلون ومومن الديوري وعدد مهم من مناضلي الحزب. أفضى النقاش  داخل البيت الاتحادي إلى القبول في الدخول إلى حكومة وطنية لكن بعد إجراء الانتخابات ، وأعلن الملك في يونيو حالة الاستثناء ، لتتطور الأمور إلى قطيعة في الحوار.

شكلت أحداث مارس 1965 منعطفا خطيرا في تاريخ المغرب بالخصوص والمغرب العربي بصفة خاصة ، فلأول مرة منذ استقلال المغرب ، تخرج جماهير الدار البيضاء إلى الشارع في انتفاضة عنيفة ، ووجهت بعنف أقوى أدى إلى سقوط ضحايا ، انتفاضة جاءت نتيجة الاحتقان الذي عرفه المجتمع المغربي منذ 1960 ، وأعادت الاعتبار إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كقوة سياسية لا محيد عنها. أحداث الدار البيضاء كانت مصدر رسم لاستراتيجيات جديدة ليس داخل المغرب فقط بل خارجه بالخصوص، فالمصالح الفرنسية والأمريكية لن تسمح في تحول داخلي قد يعصف بمصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وانطلاقا من منطق تسلسل الأحداث ، يبدو أن أي تقارب بين القصر والاتحاد الوطني لن يخدم الأهداف الاستراتيجية لهذه القوى جميعها ، ولذلك نعتقد أن منحى الأحداث التي ستقع فيما بعد داخل المغرب أو في محيطه( الجزائر و فرنسا) سيكون منطلقها الزمني أحداث الدار البيضاء . وبناء على هذا سعت أطراف مغربية عدة إلى نسف التقارب الذي حصل بين القصر والاتحاد الوطني ، فأشاعت خلال شهري أبريل وماي 1965، أن اتفاقا سريا أبرم بين الملك والاتحاد الوطني ، الذي سيشارك في الحكومة مقابل الإفراج عن المعتقلين . لكن الاتحاد أصدر شبه مذكرة رسمية في غشت  1965 ، تحت عنوان ، ” خطتنا: الوفاء للشعب وللمبادئ الديمقراطية والاشتراكية “، يحدد فيها مسار المفاوضات وشروط المشاركة في الحكومة  بعد أحداث مارس  1965 ، وجاء في هذه المذكرة أنه رغم  ” الحالة المتدهورة والخطيرة التي توجد عليها البلاد، فإن الاتحاد الوطني مستعد لتحمل مسؤولياته الوطنية أمام الشعب ، على شرط أن تترك له الوسائل الضرورية لتطبيق برنامج الإنقاذ ، وعلى شرط أن تكون حكومة منسجمة في الأشخاص والبرنامج . هذا هو الموقف الذي عبر عنه الاتحاد بصفة رسمية أثناء المقابلة الأولى وهذا هو الموقف الذي تمسك به خلال المقابلة الرسمية الثانية حين قدم مذكرة ، جوابا عن مذكرة الملك” . ( من الاتحاد الوطني ، المصدر  السابق . ص . 61 )

حكى عبد الرحمان اليوسفي أمام محكمة الجنايات في باريس شهادته على هذه المرحلة الممتدة  من أبريل إلى يونيو 1965 . اعتمد اليوسفي في بداية شهادته على  التذكير بجملتين ترددتا في جنبات المحكمة ، ويتعلق الأمر بالموعد السياسي والسياق السياسي . ذكر اليوسفي أنه عضو الكتابة العامة للاتحاد الوطني وأنه شارك في المفاوضات الجارية بين الحزب و “الحكم” ، كما أنه كان مكلفا بالتنسيق بين بن بركة الموجود في المنفى وباقي أعضاء الكتابة العامة. وأضاف اليوسفي ( الترجمة): ” أعتقد أنه باستطاعتي التوضيح وبشكل كاف للمحكمة ، هذا السياق السياسي والموعد السياسي ” . وأضاف أنه إذا كان هذا الساق السياقي ينحصر بين مارس وأكتوبر(1965) ، فيجب توسيعه إلى العشر سنوات الأولى للاستقلال  (  1955-1965) ، وخلص اليوسفي إلى ” أن هناك ظاهرة ثابتة في هذا العقد ، وهي أنه كلما عبر الشعب المغربي عن معارضته لسياسة الحكم وانخراطه في مواقف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وإلا نزل القمع على منظمتنا وعلى قيادتها وبالخصوص على المهدي بن بركة …” ، وأنه بعد   ” انتخابات ماي 1963 ، كانت النتيجة هي ” مؤامرة ” يوليوز 1963، والتي اتهمت فيها ، وإذا كان لي الامتياز بالمثول أمامكم ، يجب أن أقول أن ذلك بفضل الرأي العام العالمي والرأي العام الفرنسي، الذي ساعدني على الخروج من زنزانتي، وأستغل هذه المناسبة لأشكره على ذلك”.

( على إثر الاعتقالات التي مست قواعد وقيادات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، شن المهدي بن بركة بمعية محمد اليازغي حملة عالمية لمساندة المعتقلين وهيئة الدفاع بالداخل ، والتي كان ينسق أعمالها عبد الرحيم بوعبيد . أنظر                Le procès de Rabat. Document n°3 –Paris .1964 )

واقتطف اليوسفي أحداث الدار البيضاء في مارس 1965 ، للدخول في موضوع الاختطاف ، وأن هذه الأحداث كانت أهم الاهتزازات التي عرفها المغرب في مرحلة استقلاله ، وأن ” الحكم” استدعى عبد الرحيم بوعبيد لمناقشة الوضع السياسي بالبلاد ، كما أن السفير المغربي اتصل بالمهدي بن بركة – للنقاش حول الأزمة السياسية بالمغرب- . أضاف اليوسفي في تصريحه أمام المحكمة :

” يوم 13 أريل ،أعلن رئيس الدولة المغربية في خطاب، العفو العام. في 20 أبريل وزع القصر الملكي على الأحزاب السياسية و المنظمات النقابية مذكرة تحمل برنامجا ( سياسيا) . في 21 أبريل ، وهذا لم نعرفه في حينه، كان محمد أوفقير يعد ، مع أصدقائه الفرنسيين في غرفة ب”كريون” ، لاختطاف بن بركة. في يوم 25 أبريل تم لقاء بين بن بركة و السفير مولاي علي ، قريب الملك، بمنزل أخ المهدي ، عبد القادر ، بفرانكفورت(…) كنت صحبة المهدي قبل لقاءه مع مولاي علي ،ورأيت المهدي بعد هذا الموعد. كنت عضو اللجنة التي اتصلت بالملك يوم 19 ماي. عندما مثلنا أمام جلالته، شكرناه – على العفو العام الذي أصدره – (…) واعتبرنا أن هذا العمل كفيل لانفراج الجو السياسي بالمغرب ، ويفتح الطريق نحو تعاون كل القوى السياسية ..” .

تابع اليوسفي في تصريحه للمحكمة بأن الملك تسائل عن مغزى عدم استجابة المهدي بن بركة على اقتراحه ، وهل توجس من فخ ؟ وأن اليوسفي هو الذي أجاب على تساؤل الملك بأن السفير قد أخبره بأن بن بركة يقبل بالرجوع إلى المغرب ، وعندما تسمح له التزاماته الخارجية ، سيلتحق بالمغرب، وأضاف اليوسفي : ” إذا ألحت جلالتكم على دخوله ( بن بركة) غدا، نحن مستعدين لإعادة النظر في الأمر”،( هناك رواية أخرى تقول إن صاحب هذه الإجابة هو عبد الرحيم بوعبيد، الذي قاد وفد الاتحاد في مذاكراته مع الملك). فأجاب العاهل : ” بما أنه لم يدخل في الوقت الذي طلبت منه ذلك ، الآن لا أهمية لذلك” ، وخلال هذا اللقاء التاريخي ، قال لنا جلا لته شيئا بقي لاصقا في ذاكرتي ، قال : ” السياسة تشرح بالرموز”. (…). ابتداء من شهر يوليوز لم نعد نجهل، لا نحن ولا لأي مراقب حسن النية، أن جو الانفراج الذي نتج عن العفو، تبدد بسرعة، لوجود قوى رجعية داخل البلاد تعارض هذا الحل. ابتداء من شهر يوليوز، بدت الوضعية في  التتدهور:

1-     أولا لم يطبق العفو العام ، حيث أن عددا من المعتقلين، المفروض أن يكونوا أحرار لم يطلق سراحهم ، ولم ينشر نص قانون العفو العام ( تقول روايات أن بن بركة وضع نشر نص قانون العفو العام شرطا لدخوله المغرب ) ، وبدأ القمع يتوسع داخل المغرب.

2-     وقعت حادثة غريبة في السفارة المغربية في بيروت، تحدثت عنها الصحافة العالمية ، وقد ذكر اسم المهدي بن بركة فيها ، يتعلق الأمر باحتجاز رجل ، تخلص من التعذيب الذي كان يتعرض له بالقفز من نافذة السفارة….

3-     هناك إشارة أخرى  فقد أدلى وزير الخارجية المغربي إلى أحد الدبلوماسيين، أن المغرب قد أجل إرسال سفيره إلى كوبا، بسبب الاستقبال ( الحار ) الذي يلقاه بن بركة من لدن السلطات الكوبية، وأن المغرب دخل في محادثات مع دولة أخرى للبحث عن حل بديل لتموينه بالسكر.

4-       تعرض مدير يومية بالدار البيضاء إلى معاملة سيئة لأنه نشر اسم المهدي بن بركة وتحدث عن نشاطه كرئيس للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث .

5-     تنشر جرائدنا يوميا تفاصيل القمع المسلط على مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية….” (Affaire Ben Barka Témoignages et documents- U.S.F.P. France-1975)

نجد أيضا نصا كتب في نفس السياق الزمني الذي تحدث عنه عبد الرحمان اليوسفي ، يتعلق الأمر بالمقدمة التي وضعها المهدي بن بركة لتقريره “الاختيار الثوري” ، والتي كتبها في يوليوز 1965، و تحمل خطاب القطيعة مع النظام السياسي المغربي، فاستعمل كل الألفاظ والمعاني للتعبير عن هذه القطيعة . رغم أنه أبقى الباب مفتوحا، في نهاية المقدمة ، حول حلول سياسية للأزمة ، إلا أنه يظهر أن المهدي بن بركة أصبح شخصية أخرى غير تلك التي خرجت من مطار الرباط/سلا  في 15 يونيو 1963 . أصبح يطالب بحل سياسي، في إطار رؤيته ومكانته الجديدة كزعيم لحركات التحرر العالمية، وذلك باتباع الخط التقدمي والأسلوب غير الرأسمالي ، وأن ” التسوية الممكنة مع القصر” تمر عبر ” تحقيق ديمقراطية سليمة ، وتطبيق إصلاح زراعي جذري ، والسهر على سياسة تضامن كلي مع النظم الثورية في البلاد العربية والإفريقية ، وأن هذه الشروط – التي هي بمثابة التزامات يجب أن يراقب احترامها كل يوم – ما تزال قائمة في الوقت الراهن (…) وأن هدفنا الأقصى لا يمكن أن يكون إلا بناء المجتمع الاشتراكي في المغرب “ . ( الاختيار الثوري . ص.4 و 5 ) .

إن هذه المقدمة تبرز وحدها أن قصة الحوار والمفاوضات من أجل العودة، والتي تبنتها  روايات عدة ،من بينها رواية البخاري، قد انقطعت كليا في شهر يوليوز ، إذ كتب بن بركة في هذا الشهر ما يلي :

” ولو بعد مرور ثلاث سنوات ، فإنني ما زلت أعتبر عناصر هذا التقرير ما تزال مسايرة لتطور الأحداث في المغرب وفي إفريقيا ، كما أن الصورة التي ترسمها هذه العناصر لمهامنا الأساسية ، ولاختياراتنا الثورية ما تزال تستجيب للأوضاع الراهنة في بلادنا وقد كنا في إطار هذا الاختيار الثوري ، قد وضعنا أسس برنامج أدنى لمهامنا المستعجلة بالنسبة لظروف سنة 1962 ، عندما كان القصر يستعد لأن ” يمنح ” البلاد دستوره الرجعي المصنوع في مخابر الاستعمار الجديد ، وكنا إذ ذاك نفكر في احتمال الوصول إلى تسوية مع القصر لحماية البلاد من الانزلاق نحو هاوية الإفلاس والتفسخ ، وفعلا فقد قرر المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية إعطاء الصلاحيات لأجهزة الاتحاد المختصة لكي تعمل على إخراج البلاد من المأزق الذي زجها فيه الحكم الملكي المطلق . ولكن بقيت محاولتنا بدون جواب . فلقد كان القصر يعتقد أنه يستطيع  إنقاذ نفسه بسلوك سياسية ديماغوجية رخيصة ، في جو من الحفلات المتواصلة ، ووسط ضجيج الدعاية لمشاريع خيالية تموت قبل ولادتها  (…) وها هو اليوم يواجه حالة جديدة ، فإن مشاريع الحكومة قد انتابها الفشل ، وسياسة التصلب الرجعي قد أفلست ، والمسؤولين لا يزالون في ضلالهم ينسبون هذا الفشل لشتى الأسباب ما عدا السبب الحقيقي الذي هو انقطاعهم عن الشعب انقطاعا  ظل يستفحل مع الأيام (…) نعم لقد اعترف خطاب العرش يوم 3 مارس 1965 بهذا الفشل ، ولكنه لم يستخلص منه النتيجة المطلوبة ، بل ذهب يبحث عنه في تعاقب الفصول وطباع البشر ، ووقع الانفجار الشعبي يوم 23 مارس 1965 ، فاضطر الحسن الثاني للاعتراف بخطورة الحالة وتوقيف دولة الديمقراطية المزيفة (…) فعندما تصبح الانتخابات مزورة ، وحريات الاجتماع معدومة  ، والصحافة مكممة ، والمخلصون المعبرون عن مطامح الشعب يطاردون و محكوما عليهم بالإعدام أو السجن ، أو مفقودين بالمرة فكيف يجوز لرئيس الدولة أن يستغرب من التجاء الشعب للوسائل المباشرة ليسمع صوته ؟ وعندما تغدو الدولة والإدارة شيئا فشيئا ملك الأقلية من ذوي الامتيازات (…) أما المسؤولية المباشرة فينبغي البحث عنها عند أولئك الذين تسلطوا على الحكم مند سنة 1960 ، لقد أرغموا الشعب على التصفيق بوسائل القسر أو بإغراء البائسين ، وجعلوا من التصفيقات أساسا للحكم ، لكن الحقيقة تنتقم من التزوير ، والحقيقة قد انكشفت فجأة للعيان (…) مند سنة 1962 انعزل الحكم شيئا فشيئا عن الشعب ، بعد عمليات القمع المتوالية ، حتى تضاءلت قاعدته الاجتماعية ، فأصبح قائما على أقلية إقطاعية تتمثل في الإدارة المحلية وفي الأغلبية البرلمانية المزورة الفاشلة ، وتحكم البلاد عن طريق أجهزة المخابرات البوليسية والعسكرية  المسيطرة على سائر مرافق الحياة ، على السند الفعلي للنظام يأتي من الخارج ، من القوة الإمبريالية والاستعمارية الجديدة التي نجحت في دفع الحكم القائم لأن يتخلى في الداخل حتى عن البورجوازية التجارية …” ( الاختيار الثوري ص. 2 و3 و 4 )

إن  الخطاب الوارد في مقدمة الاختيار الثوري يرسم مفترق الطرق ، ويمس في العمق عددا من المصالح السياسية والاقتصادية الداخلية والخارجية ، وأن أي حوار بعد هذا التاريخ لن يكون له معنى في ظل الشروط التي وضعها بن بركة لإقامة تصالح وطني ، خصوصا في ظروف حالة الاستثناء المعلن عنها في  يونيو 1965.

بداية العد العكسي لعمليات اغتيال المهدي بن بركة

لاشك أنه منذ أصبح المهدي بن بركة منسقا للجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث ، ومنذ أن أصبح يلعب دورا في السياسة الإفريقية ، وفي الشرق العربي ، كانت أكثر من جهة تتمنى اختفائه من المسرح السياسي العالمي بطريقة “أرثوذوكسية” أو غير “أرثوذوكسية” . كان من الممكن لهذه الجهات أن تدبر و بسهولة عملية الاغتيال في أي مكان ، لكن يظهر أن خطة وضعت من لدن أجهزة فرنسية لتنفيذ عملية الاختطاف بواسطة أيادي مغربية وفرنسية ومساعدة  تقنية أمريكية إسرائيلية ، بطريقة تبرز ظاهريا أن الطرف المغربي قد جند عملاء داخل جهاز الشرطة والمخابرات الفرنسية لاختطاف الرجل ، الذي يجب أن ينقل إلى المغرب ، لأن المسألة بالنسبة للمخططين يجب أن ينتهي أمر بن بركة في المغرب. وكما سنلاحظ من خلال الوثائق التي تم الكشف عنها في المحاكمة أو من خلال الفاعلين في هذه القضية ، يظهر وكأن بعض المصالح داخل جهازي الشرطة والمخابرات الفرنسية والطرف المغربي ،قد سقطت في خطة جد محكمة. كانت أجوبة بعض المتهمين أمام المحكمة ، توحي بوجود آلة ضخمة وراء عملية الاختطاف ، ولا أحد يستطيع تعدي الخط المرسوم له.والعنصر الذي أعطى للسانه حرية ما ، ويتعلق الأمر بفيكون ، لقي مصرعه ، في يناير 1966.


عن موقع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة

  جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...