مسؤولية مصالح المخابرات الفرنسيةS.D.E.C.E في عملية اغتيال بن بركة.
الوثيقة الأولى :
كشفت ” التحقيقات ” داخل جهاز المخابرات الفرنسية غداة اختطاف بن بركة ، أن هذه المصالح كانت على علم بين من محاولات التقرب التي بدأ الجانب المغربي يخطط لها ، ويعود تاريخ أول تقرير حول الموضوع إلى يوم 30 أبريل 1965: يقول التقرير ما ترجمته :
” كلف الجنرال أوفقير ، وزير الداخلية المغربي، والذي وصل باريس يوم 21 أبريل (1965) بربط اتصال مع المهدي بن بركة في محاولة لإقناعه العودة إلى المغرب مع رفاقه، فقد قرر الحسن الثاني ، بالفعل رفع مسطرة العقوبة التي اتخذت في حق زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”.
كشف هذا التقرير الكولونيل بومون ، يوم 7/10/1966 ، إبان المحاكمة الأولى، تحت إلحاح الطرف المدني ، بعد أن تعرض بومون لوابل من أسئلة الدفاع، وصرح بأن هذه المعلومات ( وصول اوفقير باريس يوم 21أبريل) تمت معالجتها والتأكد منها بشكل جيد، وانه تم الاتصال بمصالح لوروا للتحري حول الموضوع ، وأكدت إمكانية مصداقية المعلومات حول موضوع الاتصال.
انطلاقا من هذه المعطيات ، كشف عن تفاصيل أخرى أدلى بها فليب برنيي ( عضو الفريق السينمائي / الفخ ) في بداية التحقيق عن اختطاف بن بركة ، فقد ذكر أن ” الشتوكي ( حسب الروايات الأخيرة يتعلق الأمر بميلود التونزي) ،أخبره أن شخصيات مغربية كبيرة ، تحمل أموالا مهمة من أجل ” وضع اليد” على بن بركة(…) وأن الجنرال أوفقير جاء إلى باريس بغرض تجنيد رجال للقيام بهذه المهمة، وأن اجتماعا انعقد بفندق كريون ( 21 أبريل 1965)، وحضر إلى جانب الجنرال المغربي شخصيات فرنسية. فهل هذه الشخصيات الفرنسية هي الجهات التي لم تكشف أسماؤها إبان ” التحقيق ” والمحاكمة ؟
الوثيقة الثانية
توجد وثيقة أخرى صادرة عن الاستعلامات العامة التابعة للأمن الوطني الفرنسي ، ويتمحور موضوعها حول ما نقل عن أوفقير بشأن التقرب من بن بركة لاختطافه. تقول الوثيقة:
Procéder aux premiers sondages en vue d’un projet d’enlèvement de Ben Barka.
وسيبقى هذا الاجتماع الأول الذي انعقد بباريس لغزا إلى يومنا هذا ، بخصوص أسماء الشخصيات الفرنسية التي حضرت هذا الاجتماع ، وكان الجانب المغربي يهدد بطريقة غير مباشرة كلما طرح ملف بن بركة ، عندما كان يطلب من فرنسا تسليم المغرب البحث الذي أنجز حول الموضوع ، أي أن هناك رغبة من الجانب الفرنسي في عدم ذكر أسماء الشخصيات الفرنسية المشاركة بشكل أو بآخر في عملية اختطاف بن بركة.وقد تنبه إلى هذا الجنب دفاع الطرف المدني أثناء المحاكمة ، إذ طرح المحامي ستيب عددا من الأسئلة على الجنرال كيبو رئيس مصالح المخابرات الفرنسية ، مرتبطة بأسماء الشخصيات الفرنسية التي أوكل إليها أوفقير مشروعه حول ” التقرب ” من بن بركة ، فأجاب الجنرال كيبو بأنه إذا كشف عن هذه الأسماء سيخرق سر الدفاع الوطني ، ورغم تشجيع رئيس المحكمة للجنرال بالحديث حول الموضوع لأن سر الدفاع الوطني قد رفع في قضية بن بركة ، فإنه رغم كل هذا لم يكشف الجنرال كيبو أي شيء عن أسماء الشخصيات الفرنسية. هذه النقطة بالذات ارتكز إليها رؤوف أوفقير( ومن معه) في كتابه الصادر مؤخرا تحت عنوان: ” الضيوف” ، فهو يشير إلى أن أطرافا متعددة شاركت في عملية الاختطاف والاغتيال، وأن أوفقير لم يكن إلا مشجبا. لم يستطع وزير الجيوش الفرنسي أيضا أن يدلي بأسماء الشخصيات الفرنسية التي شاركت في اجتماع 21 أبريل 1965 . فهل يتعلق الأمر بشخصيات عملت على تسهيل وتغطية تحرك العناصر المغربية والفرنسية التي نفذت عملية الاغتيال. إنما الشيء الأكيد أن مصالح المخابرات الفرنسية لم تنقل المعلومات الواردة في تقرير 30 أبريل إلى مصالح الأمن الفرنسية.
الوثيقة الثالثة : تقرير 17 ماي 1965:
قام لوبيز، بين 8 و 10 ماي، بزيارة إلى المغرب،(في ضيافة أوفقير) ، ومباشرة بعد عودته، أخبر لوروا-فينفيل بمجريات ما دار بينه وبين أوفقير، حيث أسر له بمشروعه في ” استرداد” بن بركة بطريقة غير أرثوذوكسية، ورغم أن لوبيز حاول أثناء المحاكمة أن يشرح بأن الأمر يتعلق “باسترجاع” لبن بركة وفق الطرق القانونية، وإذا لم يتم رجوع بن بركة بالطرق الرسمية أو الدبلوماسية، يتعين حينئذ تجربة طرق أخرى.أثناء التحقيق كشف فليب بيرنيي ، ونقلا عن “الشتوكي” ، بأن الأمر يتعلق باختطاف بن بركة وحمله إلى المغرب.
في هذا الزمن الذي بدأت فيه العمليات الأولى التمهيدية لما وقع يوم 29 أكتوبر 1965 ، كان بن بركة مقيما بالجزائر لتحضير المؤتمر الأفرو أسيوي، والذي كان منتظرا عقده أواخر شهر يونيو 1965 بالجزائر العاصمة. جرى أثناء ذلك لقاء بين الملك الحسن الثاني وبن بلة لقاء في السعيدية ، يوم 16 ماي 1965 ، و نقل لوبيز عن الجنرال أوفقير ، الذي حضر اللقاء ، أن الرئيس الجزائري بن بلة اقترح على الملك طرد بن بركة من الأراضي الجزائرية، وأنه طلب مقابلا لذلك ، لكن أوفقير أردف أن بن بلة كان فقط يناور محاوريه . ويمكن ربط هذه المعلومات إن كانت صحيحة بما صرح به فليب برنيي ، من أن الشتوكي أسر له بخطة كانت قائمة لاختطاف بن بركة أثناء انعقاد المؤتمر الأفرو آسيوي .
في نفس السياق كتب لوبيز في تقريره ، أن أوفقير قبل أن يدخل في تنفيذ مشروعه كان ينتظر نتائج تصريح الملك حول حكومة وحدة وطنية، ولاحظ أن هذا الموقف خلق انشقاقا في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بين مؤيد ورافض للمشاركة في حكومة وحدة وطنية، وأن الطرف الرافض كان يفضل أن يبقى في المنفى لإسقاط النظام.
حرر لوروا فينفيل يوم 17 ماي ورقة حول المعلومات الواردة في تقارير لوبيز ، وهي الورقة التي رفضت أوساط الفرنسية في البداية الإدلاء بها إلى المحكمة، في حين صرح بومون، وهو رئيس للوروا، أن لا علم له بها.
كان لوبيز على أهبة السفر مرة أخرى إلى المغرب ، فزوده لوروا باستمارة متمحورة حول موضوع “استرجاع” بن بركة ، وهي استمارة تم وضعها من لدن الشعبة الثالثة لمصالح المخابرات ، لكن الأسئلة المطروحة ، كما لاحظ دفاع الطرف المدني، لم تمس الجانب التقني في مشروع أوفقير ، بل انصبت على القضايا الاقتصادية والسياسية ، أي أن الاستمارة أهملت عن قصد الجوانب التقنية في مشروع استرداد بن بركة أو اختطافه. ويبدو أن هذه الأسئلة تنحو نحو الامتدادات الداخلية والجهوية والعالمية للمهدي بن بركة ، وهو ما يعضد أطروحة وقوف أجهزة فرنسية وراء عملية الاختطاف ، والتي كانت هي أيضا تقتفي حركات بن بركة في تحركاته في إفريقيا واتصالاته مع حركات التحرير الإفريقية، وقد انتبه مؤخرا دفاع وعائلة بن بركة لمطالبة السلطات الفرنسية الكشف عن التقارير التي أعدتها المخابرات الفرنسية حول المهدي بن بركة.
عندما قدم لوبيز أجوبته إلى المصالح المختصة ، لم تكن تحمل ، وفق شهادة الجنرال جاكيي أي تهديد لحياة بن بركة ، لكن الملفت للنظر أن هذه الوثيقة لم تسلم إلى محكمة الجنايات بباريز، واحتفظت بها وزارة الجيوش.فهل يتعلق الأمر بمعلومات تفيد الاطلاع الكلي للمخابرات الفرنسية على مشروع اختطاف بن بركة ؟أو أن هذه المعلومات الواردة في التقرير قد تقود إلى كشف العلاقة المفترضة بين ضباط فرنسيين ومغاربة ، وأن لوبيز صرح بوجود هذه الوثيقة عندما أحس أن التغطية التي كان يجب توفيرها له قد سحبت عنه؟
( نشرت صورة من تقديم لهذه الوثيقة في كتاب :
Roger Flegot et Pascal Krof : La piscine,les services secrets français .1944-1984. Paris 1984.p 295)
افتتح لوروا تقريره المؤرخ في 17 ماي، والموجه إلى الكولونيل تريستان ريشارد، والمكلف بالشؤون العربية،، بالإشارة إلى العميل لوبيز ، إذ كتب ما يلي : ” الموضوع : المغرب
يشرفني أن أوجه لكم صحبته ، وللإخبار ، تقرير لوبيز ، مؤرخ في 12 / 5/ 65 ، بعد أأن قام بسفر إلى الرباط. وبناء على نوعية العلاقات لهذا العميل والذي سيعود إلى المغرب، أعتقد أنه يمكننا تحرير استمارة لحسابه. أذكركم باختصار أن لوبيز:
– -كان رئيس إنزال لدى الخطوط الفرنسية الجوية بطنجة،
– كانت له روابط صداقة مع أوفقير( يستقبل أبناء أوفقير عند حلولهم بباريس )،
– حضر مؤخرا حفل زواج أوفقير ( يتعلق الأمر بالزواج الثاني لأوفقير بعد طلاقه من زوجته الأولى)
– له علاقات في القصر الملكي،
– وأخيرا فقد طلب من الخطوط الملكية المغربية لتسيير مصلحة العلاقات الخارجية”
يبرز تقرير لوروا هذا تطابق مصالح المخابرات الفرنسية وأطراف مغربية التي ترى في عودة بن بركة إلى المغرب تهديدا سياسيا واقتصاديا ، وغياب هذه الوثائق وعدم الإدلاء بها أمام المحكمة قد تبرز أيضا أن عودة بن بركة إلى المغرب سيهدد المصالح الاستراتيجية للمخابرات الفرنسية ، الذي يشكل كما هو وارد في التقارير التي قدمت إلى محكمة الجنايات ، بأنه قاعدة هامة في شمال وغرب إفريقيا.
يمكن أن تشكل عودة بن بركة إلى المغرب تهديدا للمصالح الاقتصادية الفرنسية ، إذ أن المشاركة في حكومة وحدة وطنية قد يغير السياسة الاقتصادية المغربية ، ولن تنسى هذه المصالح التحولات الاقتصادية التي وقعت بالمغرب غداة قيام حكومة عبد الله إبراهيم التي فصلت الاقتصاد المغربي عن العجلة الفرنسية ، وما ترتب عن ذلك من ضياع للامتيازات الفرنسية ، وأن عودة اللوبيات الفرنسية بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم في ماي 1960، كلف المغرب ثمنا سياسيا كبيرا خلال الستينات والسبعينات.
الوثيقة الرابعة
هل يجب ربط هذه الوثيقة، التي لم ترد مصالح المخابرات الفرنسية الكشف عنها, بوثيقة أخرى عثر عليها في حقيبة فيكون بعد ” انتحاره “، ويتعلق الأمر بأسئلة ، مصدرها مغربي ، لاستنطاق بن بركة بعد اعتقاله، وهي أسئلة تحمل أجوبة في حد ذاتها ، وتكشف عن ” نوايا أوفقير ” كما صرح بذلك المدعي العام للمحكمة طوبا، خصوصا السؤالين التاليين :
1) يدور الحديث منذ بضعة أشهر حول تقارب بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية.، بل يدور الحديث أيضا عن تشكيل حكومة قادمة يشترك فيها الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ما رأييك في هذا الموضوع؟ وهل قادة الاتحاد متفقين معك لإسقاط النظام ، هل لك اتصالات معهم؟
2) ما هو بالتحديد موقف الاتحاد المغربي للشغل من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟ هل يستطيع المحجوب بن الصديق أن يتفق معكم لإسقاط النظام؟
لكن الوثيقة حملت أسئلة أخرى لها دلالات أقل ما يقال عنها أنها بعيدة كل البعد عن نقاش لإعادة بن بركة إلى المغرب ، إنها أسئلة موجهة إلى بن بركة الأسير ، بما تحمله من دلالات سياسية وأمنية. وتتعلق بأسئلة حول أحداث الدار البيضاء في مارس 1965 ، وهل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كان وراء هذه الأحداث ، وعن علاقة الإضرابات التي أعلن عنها الاتحاد المغربي للشغل ، هل كان الغرض منها دعم الأحداث أو كان الهدف منها عدم فقد المصداقية أمام تحرك الجماهير، إضافة إلى أسئلة أخرى حول قادة الاتحاد المغربي للشغل.
وتضمنت الوثيقة سؤالا آخر حول التحول الذي يمكن أن تأخذه أحداث الدار البيضاء، لو قام في حينه نزاع حدودي بين المغرب والجزائر ، وأثر ذلك على فعالية القوات المغربية في مواجهة انتفاضة الدار البيضاء،” وربما أدى هذا إلى سقوط النظام”. وعلى الأقل كانت هناك إمكانية ” للجيش المغربي ” ، الذي كان معسكرا في الجزائر ، في التسرب إلى المغرب لمساندة التظاهرات. ماذا رأيكم في عمل بن بلة في هذا الميدان؟
( تم في الستينات ترويج فكرة الجيش المغربي ، المؤطر من لدن بعض قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في المنفى، ومن المقاومة وجيش التحرير المستقرين في الجزائر ، وما زال من يروج لنفس المعلومات في بعض الكتابات التي صدرت مؤخرا، والحالة كما اكتشفت فيما بعد ومن خلال محاكمة 1971 بمراكش ، أن الأمر يتعلق ببضع مئات من المتطوعين المغاربة الذين أمضوا بضعة شهور في معسكرات للتدريب ، واستغلت هذه المعطيات لتعزيز المواقع والنفوذ داخل الأجهزة الأمنية بالمغرب )
ووضعت أسئلة أخرى مرتبطة بالوضعية الحالية لهذا الجيش (أكتوبر 1965)، وفيما إذا كان بومدين سيعتني بهذا الجيش كسالفه؟ وهل الجزائر تتحمل نفقاته لوحدها، وتساؤلات أخرى عن التدريب والتأطير. وفي حالة رفض بومدين تبني الجيش المغربي ، ما هي الدولة التي يمكن أن تساعدكم،في استضافته ولأي سبب ؟
وأن ” الجمهورية العربية المتحدة تساندكم بشكل مطلق وفي جميع الميادين، هل هذا صحيح؟”
ثم تنتقل الأسئلة إلى معرفة الطريقة التي يستخبر فيها بن بركة عن الوضعية السياسية بالمغرب عدا الراديو والصحافة.وأن الحديث يجري ” منذ شهور عن تقارب بين القصر والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ويصل الحديث إلى تشكيل قريب لحكومة ، سيمثل فيها الاتحاد الوطني، ما هو رأيكم في هذا؟ وهل زعماء الاتحاد الوطني متفقون معكم لإسقاط النظام؟هل لكم اتصالات بهم ؟
-ما هو بالضبط موقف الاتحاد المغربي للشغل تجاه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟ وهل يمكن للمحجوب بن الصديق أن يتفق معكم لإسقاط النظام بالمغرب؟
-هل تعرفون أن المظاهرات والانتفاضات العفوية لا تكفي لإسقاط النظام، الذي يدعمه الحركة الشعبية والاستقلال؟
– هل أسستم في المغرب، وخارج الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، تنظيمات سرية مسلحة لإضعاف سلطة النظام، من يراقب ويمول هذه التنظيمات؟
– من يصدر الأوامر لهذه التنظيمات؟ إذا كانت موجودة لماذا لم تدخل بعد ميدان التنفيذ؟ هل تتمتع بسند شخصيات سياسية وعسكرية مغربية؟
-هل سبق لكم تنظيم عملية ضد الحسن الثاني، وفي أي مناسبة؟هل أنتم من أنصار القيام بنفس العمل؟
-ما هي أشكال الدعم الذي تتلقونه من الدول الشرقية والعربية؟
-لتنفيذ الثورة المسلحة،هل خزنتم أسلحة بالمغرب؟
-ما هي حالة علاقتكم الحالية ببومدين؟ هل هو مهيأ لمساعدكم كما هو الحال مع بن بلة ؟
– هل يمكن في يوم من الأيام أن تصلوا إلى تفاهم مع الحسن الثاني، وتحت أي شروط؟
– هل لكم سند من ضباط القوات المسلحة الملكية ، والذي يمكن يوما ، وبأمر منكم ، القيام بمحاولة انقلاب؟
– هل لديكم عناصر داخل جهاز الأمن؟
– ما هي مشاريعكم السياسية المقبلة؟
-هل تعتقدون أنه بإمكان قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، أن يخترقوا الجماهير الشعبية المغربية لصالحهم وتوجيهها ضد النظام؟
-من هم رؤساء الدول الذين يساندون حركتكم الثورية؟”
( وثيقة رقم 29 من وثائق المحاكمة ، المرجع : Affaire Ben Barka Témoignages et documents- U.S.F.P. France-1975)
وضعت هذه الأسئلة لمعرفة الامتدادات السياسية بالخصوص للاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ومعرفة مدى الدعم الذي يتلقاه من الجزائر والدول العربية الأخرى ، وسبر نوايا بن بركة في فكرة حكومة وحدة وطنية ، والموقف من الملك الراحل، ونوع العلاقة التي أصبحت تربط بين بن بركة وبومدين.
هذه الأسئلة تدخل في باب الاستنطاق ، وليس الحوار ، ومهما قيل حول علاقة المحامي لومارشان بها ، فإنها حررت قبيل عملية الاختطاف ، إذ تتضمن الحديث عن نوع العلاقة القائمة مع بومدين ، الذي قاد انقلابا عسكريا ضد بن بلة في يونيو 1965 ،وتتمحور هذه الأسئلة على الحديث الذي يدور ” منذ شهور ” ، وإذا أخدنا بعين الاعتبار السياق التاريخي للمرحلة ، فالأمر يتعلق بالاتصالات التي دشنها عبد الرحيم بوعبيد مع الملك الراحل ، والتي أفضت إلى إطلاق سراح عدد من قادة الاتحاد خصوصا أولئك المعتقلين فيما عرف ب”مؤامرة يوليوز 1963″ . وانطلاقا من كل هذا يبقى الزمن الذي حررت فيه هذه الأسئلة محصورا في الفترة الممتدة بين شهري يوليوز وأكتوبر1965 . وينطبق هذا الطرح مع ما ذهبنا إليه في عدة مقالات ، من أنه ابتداء من شهر يوليوز 1965 ، كان كل شيء انتهى حول المفاوضات لعودة المهدي بن بركة إلى المغرب ، وأن المقدمة التي كتبها بن بركة في يوليوز 1965 لتقريره ” الاختيار الثوري” حملت معاني القطيعة والباب المسدود مع ” النظام”.( أنظر كتابنا ، من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي ،الرباط، 2002 . صفحات 83 و84 و85 )
الوثيقة الخامسة : تقرير لوروا المؤرخ في 22 شتنبر 1965:
تزداد الصورة وضوحا حول الإعدادات لاغتيال بن بركة وعلم عدد من الأجهزة الفرنسية بما كان يدبر سواء في المغرب أو فرنسا أو جنيف أو القاهرة. يذكر لوروا ،( رئيس وحدة الدراسات والمعلومات (المصلحة7) ،في هذا التقرير ،وبناء على معلومات لوبيز، أن أوفقير أوكل إلى فريق خاص مهمة ” التقرب” من بركة في القاهرة وجنيف، ويتكون هذا الفريق من ” الشتوكي” و فليب برنيي و جورج فيكون ، وسيكون من مهام الفريق اقتراح فلم على بن بركة تكون لقطاته الأولى ، مظاهرة الدار البيضاء ( مارس 1965) .
شكل هذا التقرير، وكما أشار إلى ذلك دفاع الطرف المدني ، تهديدا مباشرا لشخص بن بركة ، أي أن المصالح الفرنسية كانت تعي ذلك منذ شهر شتنبر 1965 ، وهو بالضبط الشهر الذي بدأ فيه العد العكسي لعملية الاختطاف والاغتيال .سلم لوروا هذا التقرير إلى الشعبة الثالثة أ داخل مصالح المخابرات والمكلفة بالقضايا العربية، وأيضا إلى مصلحة مكافحة التجسس، الذي له امتياز التعامل مع مصالح الشرطة . لكن الشيء الذي وقفت عليه المحكمة أن رئيس مكافحة التجسس لم يسلم هذه المعلومات إلى الشرطة، واعترف الكولونيل بومون بذلك أمام المحكمة. فهل كان كل هذا نسيان أو تعمد أو إهمال لخطورة الموقف ، أم تواطؤ بين الطرفين المغربي والفرنسي. والأهم من هذا وذاك أن رئيس مكافحة التجسس لم يقدم شهادته أمام المحاكمة الأولى ، ولم تدمج الأجوبة الكتابية التي أرسلها إلى المحكمة ضمن وثائق المحاكمة، وكذلك نفس الشيء بالنسبة لأجوبة رئيس الشعبة الثالثة أ . مقابل ذلك حاول الكولونيل بومون التقليل من أهمية تقري لوروا المؤرخ في 22 شتنبر 1965، وهو الشيء الذي أثار المحامي بريكويي ، ليطرح التساؤل حول عدم اهتمام المصالح الفرنسية بمضمون تقري لوروا ، ووصل المحامي إلى بيت القصيد عندما تسائل عن السبب في عدم تسليم هذه المعلومات إلى مصالح الشرطة ،لإعلام المعني بالأمر وأخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة بن بركة. ومع كل هذه المعلومات حول مخطط أوفقير في ” استرجاع ” بن بركة ، فقد كتب الجنرال جاكيي، إبان التحقيق، إلى القاضي زولينجر ، أن أي إشارة لم تكن واردة بالنسبة لمصالحه أن بن بركة سيتعرض لمكروه ، ولوحظ أن الجنرال حاول التغطية على الكولونيل بومون ، الذي انتبه الجميع إلى قوته داخل مصالح المخابرات الفرنسية.، التي حاولت التملص من المسؤولية في حدث اختطاف بن بركة في التراب الفرنسي ، لكن مصالح الشرطة أكدت من خلال شهادات مسؤوليها : بابون، والي أمن باريس ، وكريمو ، مدير الأمن الوطني ، وبوكوارون، مدير الاستعلامات العامة ، أكدوا جميعا ، لو أن مصالح المخابرات سلمتهم المعلومات الواردة في تقرير لوروا المؤرخ في 22 شتنبر لاتخذت كل الاحتياطات لسلامة أمن بن بركة في التراب الفرنسي .
يوم 8 أكتوبر 1965
كشفت المحاكمة وعدد من الشهادات أن مصالح المخابرات الفرنسية وعدد من أطرها وعملائها كانوا على علم وشاركوا في عملية الاختطاف ، فلوروا نفسه صاحب التقريرين السالفي الذكر ، ارتكب عدة أخطاء تؤشر إلى دوره في عملية الاختطاف .
في يوم 8 أكتوبر 1965 أخبر لويز ،لوروا بأن مغربيا تحت اسم “جبايلي” اتصل به هاتفيا ،طالبا منه التوجه نحو جنيف، لكن لوبيز برر ذلك السفر بكونه سافر إلى جنيف ليوم واحد ، هو يوم 7 أكتوبر، وليس بعد أن تلقى مكالمة من جبابلي، وأن سبب سفره هو التقصي فيما يحدث هناك ، وبوازع الشك في سفر فيكون يومي 5 و 6 أكتوبر، إلى جنيف صحبة الشتوكي ، لتعقب بن بركة ، لكن أمام المحكمة سيكشف أن لوبيز سافر إلى جنيف يوم 7 أكتوبر صحبة بوشسيش ، ( الذي وضع فيلته رهن الخاطفين لاحتجاز بن بركة) . وتسائل الدفاع عن سر وجود كل العناصر التي ساهمت في تخطيط وتنفيذ عملية الاغتيال يوم 7 أكتوبر في جنيف ، وأردف أن السبب الحقيقي لكل هذه التحركات في جنيف هو اختطاف بن بركة (أو اغتياله) في نفس اليوم ، وأن سفر هذا الأخير إلى جاكارطا هو الذي أنقذه مما كان يخطط له.
يوم 11 أكتوبر 1965
كشف التحقيق أيضا أنه يوم 11 أكتوبر 1965 حرر أحد مساعدي لوروا ، واسمه ” مشيل ” ، تقريرا حول موضوع سفر لوبيز إلى جنيف ، فخلص لوروا إلى السبب الحقيقي لسفر لوبيز إلى جنيف يوم 7 أكتوبر 1965 ، لكن التساؤل الذي طرح أثناء المحاكمة وبعدها ، لماذا لم يخبر لوروا رؤسائه بهذهالخلاصات؟
جورج فيكون الذي انتهى به المطاف إلى الانتحار أو التصفية ، كان مبعث قلق للطرف الفرنسي والمغربي على السواء، فقد زار لوبيز بمقر عمله كرئيس مصلحة في مطار أورلي ، وصرح للوبيز بنوايا ” التقرب ” من بن بركة ، وأدلى لوبيز بهذه المعلومات إبان التحقيق ، وأعاده رئيس المحكمة في إحدى الجلسات ، جاء في تصريح فيكون للوبيز ، بأن المغاربة يريدون استغلال تقربه من بركة ،لاختطافه ، وربما لقتله، واشترط على لوبيز تلقي 100 مليون فرنك فرنسي قديم لأي خدمة يقدمها في عملية التنفيذ، وطلب من لوبيز أنة يخبر المغاربة بعرضه، وإذا لم تلبى طلباته ، سينشر القضية في الصحافة. سجل لوروا يوم 12 أكتوبر رواية ثانية حول الموضوع ، لكن مرة أخرى لن ينقل هذه المعلومات إلى رؤسائه.يقول التقرير أن فيكون أخبر لوبيز أن سفره إلى القاهرة صحبة الشتوكي وبيرنيي يخبئ شيئا ما ،” فإذا أرادوا مكروها لبن بركة، أنا أريد مالا حالا ، وإلا أوصلت القضية إلى الصحافة(…) وبما أنك قريب من المغاربة، أخبرهم بالأمر…”
أما الرواية الثالثة لفيكون ، وهي التي تتضمن تصريحا بعملية الخطف والقتل في حق بن بركة ، وهي الرواية التي نقلها عميد الشرطة بوفيي ، بعد استنطاقه للوبيز، جاء على لسان فيكون ما يلي :
Je ne suis pas dupe, les marocains veulent flinguer Ben Barka et moi aussi sans doute après. Je veux être payé pour ce que j’ai fait.
يوم 12 أكتوبر 1965
قام فيكون يوم 12 أكتوبر بزيارة فليب برينييو مدير مجلة Minute، واقترح على المجلة نشر معلومات حول عملية يقوم بها “المغاربة “من أجل اغتيال بن بركة، وأنه سيحصل مع شركائه على 100 مليون فرنك قديم، وفي هذه المقابلة أظهر جورج فيكون لمدير الجريدة رسالة من أربعة أو خمسة صفحات موجهة إلى الكومندان الدليمي، ووفق شهادة برينيو، أنهى فيكون رسالته بالعبارة التالية:
“إما أن تؤدوا الثمن أو أحكي كل شيء للصحافة الفرنسية”، وحدد فيكون آخر أجل للتسديد هو الاثنين اللاحق، أي يوم 15 أكتوبر 1965.
إن هذا التهديد الذي أشهره فيكون، هو معرفته بحكم ماضيه في عالم الانحراف، بالمصير الذي ينتظر بن بركة بعد اختطافه، وأن الثمن الذي كان يطلبه هو بالأساس لضمان سكوته على الإعداد لعملية الاختطاف وما يلي ذلك. وجاء في شهادة المحامي لومارشان والنائب البرلماني وصديق فيكون، أن هذا الأخير زاره يوم 1 نوفمبر، وأخبره أنه سيفجر فضيحة، لأنه كان من المفروض أن يقبض من ” المغاربة ” 100 مليون فرنك، لكن ذلك لم يحصل. أي أن فيكون كان يعرف، يوم الاثنين صباحا على أبعد تقدير، المصير الذي انتهى إليه بن بركة.
انطلاقا من هذه المعطيات، وبغض النظر عن مدى تورط لوبيز ولوروا في عملية تصفية بن بركة، فإنهما على الأقل كانا على دراية كاملة ومنذ 12 أكتوبر بالمصير الذي ينتظر بن بركة.
بيد أن تشابك المصالح بين المخابرات المغربية والفرنسية ، أو لضمان سرية عدد من الأشخاص الذين ساهموا من قريب أو بعيد في عملية الاختطاف ، تم إخفاء وثيقتين ، ويتعلق الأمر أولا بوثيقة كانت بحوزة لوروا تحمل أسماء أربعة من الشخصيات المغاربة الذين كانوا يهتمون بأمر بن بركة، فقد أعطى لوروا هذه اللائحة إلى أحد مساعديه، وطلب منه تحرير ورقة حول الموضوع ، وإرسالها إلى المصالح المختصة ، لكنه بعد ثلاث أرباع الساعة طلب من نفس المساعد التمهل ، وبناء على معطيات وردت في رسالة الرئيس الجديد لمصالح المخابرات ، إلى المحكمة ،أن لوروا قال لمساعده : ” المغاربة موضوع البحث لم يأتوا للنقاش مع بن بركة ، ولكن لقتله، لا تفعل شيئا ، سأنظر في الأمر…”
هل تعرف لوروا يوم 22 أكتوبر على الهوية الحقيقية للمغاربة الأربعة الذين حلوا بباريس لتصفية بن بركة ، وهل اكتشف مكانتهم ومسؤولياتهم في أجهزة المخابرات المغربية، وهل الكشف عن هويتهم سيؤدي إلى ضرر للمصالح الفرنسية المغربية في مجال المخابرات المشترك ، أو أن إخفاء أسماء هؤلاء ، هو في الحقيقة تسهيل لعملية تنفيذ العملية من أجل مصالح مشتركة ، أو أن الأمر جاء إلى لوروا من سلطات عليا داخل جهاز المخابرات الفرنسية أو من ديوان الوزير الأول بالتكتم حول شخصية المغاربة الأربعة ؟
( سنطرح العلاقة بين هذه الوثيقة ورواية البخاري حول الموضوع، وهل قام البخاري بدور الراوي لهذه الوثيقة، لأنها كانت ضمن الوثائق السرية التي لم يكشف عنها إبان التحقيق؟..)
أثناء جلسات المحاكمة حاول لوروا تعويم جوابه ، لكن مساعده ديهورم ، تذكر أمام المحكمة ، أن الأمر يتعلق بأربعة أسماء للفرقة الخاصة التي كلفت بقضية بن بركة، فأعقب لوروا بأنها أسماء العمال الأربعة الذين وفدوا إلى باريس للقيام بتدريب،( يحاول لوروا حماية مصالح المخابرات الفرنسية) لكن الجنرال كيبو، أكد أن الوثيقة التي تحمل الأسماء الأربعة ، قد سحبها لوروا من ملف لوبيز يوم 2 نوفمبر ( بعد معرفة مصير بن بركة) ، واختفت نهائيا بعد ذلك.( جواب الجنرال كيبو يسحب الغطاء عن لوروا)
لم تكن هذه الوثيقة هي الوحيدة التي اختفت من ملف القضية ، إذ تم الانتباه إلى اختفاء وثيقة ثانية دي صلة بالموضوع ، وكان من المفروض أن تظل في ملف لوبيز. وظهر أثناء المحاكمة دور لوروا الإرادي في إخفاء هذه الوثائق ، التي ربما قد تكون لها حساسيات معينة ومرتبطة أساسا بمصالح مشتركة مع أطراف أخرى ، وقد يكون لوروا قد تحمل وحده عبئ مسؤولية إخفاء هذه الوثائق منتظرا حماية خاصة .
يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965
وصل المهدي بن بركة يوم الجمعة إلى مطار أورلي بباريز ، قادما من جنيف حيث مقر سكناه . حطت الطائرة القادمة في الساعة التاسعة وعشرة دقائق. وصرح فليب برنيي (مهتم بالإشهار) أن بن بركة هاتفه ليلة سفره ليؤكد له حضوره في موعد الغداء في مقهى ليب بحي سان جرمان، والذي كان سيعقد بمعيةالسينمائي فرانجي وصاحب السوابق ،جورج فيكون، الذي لم يكن بن بركة يعرف شيئا عن ماضيه الثقيل.غير أن رواية أخرى تقول أن أصدقاء بن بركة في منظمة تضامن حذروه من المجموعة التي كان بن بركة ينوي الاتصال بها ، وهكذا ورد في كتاب Perrault- Paris-1984 Un homme à part :Gilles، (ص386) ،أن المهدي بن بركة فاتح صديقة هنري كيرييل( منظمة تضامن) في شأن فلم حول العالم الثالث ، فرحب كيرييل بالفكرة، واقترح عليه اسم المخرج جو ريس إيفان ، لكن هذا الأخير لم يكن لديه الوقت للانكباب على الموضوع، فبحث بن بركة عن مخرج للعمل ، وموازاة مع الخطوات التي اتخذها بن بركة قامت منظمة تضامن بالبحث عن هوية الأشخاص الذين اتصل بهم بن بركة حول موضوع الفلم ، فحذر هنري كيرييل صديقه من الشبهات التي تحوم حول بعض الأشخاص ، أعضاء “الفريق السينمائي”، فاقتنع بن بركة بتحذير كيرييل .
دار موضوع اللقاء مع هذه المجموعة حول مشروع فلم ” باسطا”، والذي كان من المفروض أن تكون اللقطات الأخيرة منه من الجلسة الافتتاحية لمؤتمر القارات الثلاث بكوبا. وسبق لبن بركة أن التقى بفرانجي و فيكون في القاهرة وجنيف، وكان مشروع الفلم ، كما كشفت التحقيقات فيما بعد، فخا نصب لابن بركة لتنفيذ عملية اغتياله.
وفق كتيب صدر بباريس سنة 1975 حول المهدي بن بركة، تمت الترتيبات الأولى لاختطاف بن بركة ابتداء من شهر أبريل 1965، تحت إشراف رئيس ” الكاب 1″، الذي حضر إلى باريس، بأمر من الجنرال أوفقير، وأن السلطات الفرنسية لم تكن تعلم شيئا عن هذه الشخصية. وتبعا لنفس المصدر، فإن أوفقير حضر إلى باريس، يوم 21 أبريل، ليشارك في اجتماع خصص لتحضير عملية الاختطاف.(Affaire Ben Barka. Témoignages et documents- U.S.F.P. France-1975) فهل حضر هذا الاجتماع الطرف المغربي والفرنسي والإسرائيلي والأمريكي ؟
(ذكر تاريخ 21 أبريل أيضا في البيان الذي صدر عن الكتابة العامة للحزب ، في الذكرى الأولى لاختطاف بن بركة، 29 أكتوبر 1966 ، وذلك بناء على مجريات أطوار المحاكمة الأولى).
في ذلك اليوم ترك بن بركة حقيبته عند أصدقاء له ( جو أوحنا ، الذي كان عضو منظمة التضامن الأفرو أسيوي ) بشارع جان ميرموز، وفي ملتقى الشانزيليزي التقى بالطالب الأزموري ، والذي طلب منه بن بركة مرافقته إلى الموعد في السان جيرمان ، لإعطاء رأيه في الفلم المراد تنفيذه . ولعل هذا العمل الذي رتبه بن بركة كان نابعا ربما من تحذير زميله كيرييل من الشبهات التي تحوم حول بعض الأفراد من “الفريق السينمائي”، وهذا الطالب في التاريخ ، هو الذي كان وراء إشهار عملية الاختطاف، وكان الورقة التي لم يدخلها المختطفون في حساباتهم، ولم يستطع منفذو الاختطاف أمام مقهى ليب، الحسم في أمر الأزموري. كان ذكاء بن بركة حاضرا، فرغم دقة التخطيط للاختطاف، كان الأزموري وراء إفشاء العملية، ولولا هذا الطالب لظلت عملية اختطاف واغتيال بن بركة لغزا محيرا إلى يومنا هذا، أو أنها كانت ستأخذ أبعادا أخرى .إضافة إلى أن بركة و الأزموري حضرا إلى المكان قبيل الموعد، وهو الاحتياط الذي اتخذه بن بركة في هذا الموعد/الفخ، وأفلح على الأقل في إرباك حساب المختطفين وبالتالي فضح عملية الاختطاف. وحسب شهادة جورج فيكون ، فإن أوفقير أنب كثيرا المختطفين لبن بركة على تركهم الطالب الأزموري على الرصيف ، دون اعتقاله.
بينما بن بركة و الأزموري يتجاذبان أطراف الحديث على الرصيف، تقد نحوهما فجأة رجلان، الأول توجه إلى بن بركة مشهرا بطاقته، طابا منه مرافقته في سيارة الشرطة ويتعلق الأمر بالضابط سوشون، في حين توجه رجل الشرطة الثاني- فواتو- إلى الأزموري طالبا منه الابتعاد. لم يبد بن بركة أي اعتراض في الصعود إلى سيارة الشرطة. وهذا الامتثال إلى أوامر سوشون أثارت عددا من التساؤلات حول عدم رفض بن بركة لطلب سوشون.
جاء في كتاب جيل بيرو: ” Un Homme à part ” ، الصادر في باريس ، سنة 1984، معطيات صادرة عن رفاقه في منظمة تضامن ، نجد في الصفحة 386 من هذا الكتاب، أن بن بركة الذي كان يعيش في شقته دون أخذ الاحتياطات التي كان يلجأ إليها عندما يتحدث إلى أحد ، بفتح المذياع ، لمواجهة كل احتمال تجسس على محادثاته . وأنه في سنة 1965 ، عندما كان الجميع ينتظر تبوأه لرئاسة مؤتمر القارات الثلاث أصبح رجلا منهكا من خلال الاحتياطات التي كان يتخذها في حياته اليومية.
ليلة سفره إلى باريس تم الاتفاق بينه وبين جيهان فانجن على ترتيبات إقامته بباريس ، إنه أول سفر لبن بركة إلى باريس باسمه الحقيقي ، بعدما عمل مناضلو تضامن على ربط علاقات بينه وبين مستشاري دوكول ، الذي اهتم كثيرا بالتحولات الجارية لموازين القوى في العالم بظهور القوة الجديدة، مؤتمر القارات الثلاث ، ورئيسه المقبل بن بركة، خصوصا وأن هنري كيرييل ، كان ينظر بتفاؤل لسياسة فرنسا تجاه العالم الثالث، فمن ضمن ترتيبات مواعيد بن بركة في باريس أيضا لقاء في قصر الإليزي يوم 30أكتوبر، بين أحد مستشاري دوكول وبن بركة ، ويضيف أصدقاءه في منظمة تضامن ، أن هذه الخطوات جميعها أعطت لبن بركة إحساسا بالأمان لدى زيارته الرسمية هذه إلى فرنسا ، ولقاءه بأحد كبار مستشاري الجنرال دوكول. وقد رفض أن يكون في استقباله بمطار أورلي ، مناضلو تضامن حتى لا يكون لهذا انعكاس سلبي ، لدى الإليزي ، فهو إذن كان يعتبر نفسه ضيف الرئيس الفرنسي . (أثناء معارك البيانات بين مسؤولين مغاربة ودوكول ، تم التهديد بالكشف عن تقرير لبن بركة حول لقاءات مع دوكول) لكن ذلك لم يقنع أصدقاءه الفرنسيين، فتم التراضي على أن يلتقي بأحد أفراد منظمة تضامن في الساعة الخامسة من مساء يوم 29 أكتوبر على أساس أن موعد وصول طائرته سيكون بعد الظهر ، وبعد موعد اللقاء في المقهى ، سيحمله فانجن إلى منزل أحد “المناضلين ” جو أوحنا . يؤكد فانجن أنهم لم يكونوا على علم بالموعد في مقهى ليب. إذا كانت هذه المعلومات صحيحة ، لماذا غير بن بركة موعد سفره من ظهيرة يوم الجمعة إلى التاسعة والنصف صباحا؟
وعندما طلب منه الشرطي سوشون مرافقته في سيارة الشرطة ، بعدما أبرز له البطاقة المهنية ، تبعه دون اعتراض ، لأن إحساسه بالأمن فوق التراب الفرنسي كان قويا ، خصوصا ، أنه سيستقبل داخل قصر الإليزي، وربما ربط حضور الشرطة بالموعد المضروب في اليوم التالي .فإذا كان ذلك صحيحا ، هل كانت هناك أوساط داخل قصر الإليزي غير راضية على التقارب بين بن بركة ورئيس الجمهورية الفرنسية، وأن موعد اللقاء سرب إلى الجماعة التي كانت تتهيئ لاختطافه أو اغتياله؟ هل كان تسريب موعد بن بركة ضمن الصراع القائم بين أجنحة متعددة داخل قصر الإليزي ، وأن بن بركة أدى ثمن ذلك؟ هل كانت هناك أطراف داخل أجهزة الدولة الفرنسية غير راضية على هذا التقارب بين رئيس مؤتمر القارات الثلاث المقبل ، ورئيس فرنسا ذي الميول نحو العالم الثالث؟ هل استعملت الإدارة الأمريكية بعض أوراقها الفرنسية لإفشال موعد السبت 30 أكتوبر؟ وخصوصا وأن كوبا ستحتضن مكان مؤتمر القارات الثلاث، في ظل ما كان يعرف بالحرب الباردة. وأخيرا هل كان ذلك التقارب بين بن بركة ودوكول يشكل خطرا على سياسة فرنسا تجاه المغرب، وبالخصوص مواقف المصالح الاقتصادية الفرنسية الكبرى؟
المهم من هذا وذاك أن الرئيس الفرنسي أعلن غضبه الكبير ، واحتل الواجهة في قضية بن بركة ، وهذا ما أثار استفهاما لدى عدد من المراقبين، كتب في حينه أن أم بن بركة أرسلت رسالة، عن طريق أحد الصحفيين، إلى دوكول تطالبه فيها بالبحث عن ابنها، فكتب دوكول جواب ، يتعهد فيها بالبحث عن مصير بن بركة ، وعلم فيما بعد أن ذلك الجواب قد مر من القنوات الدبلوماسية ، فزمجر وطلب أن تسلم الرسالة مباشرة إلى ” ماما فطومة” ، والدة بن بركة .( نوفيل أوبسرفاتور.2-8 فبراير 1966)
صعد بن بركة إلى المقاعد الخلفية بين سوشون وراكب آخر اسمه لوني، له ماض خاص في الإجرام. كان يجلس إلى جوار السائق رجل آخر برز اسمه بشكل جلي أثناء التحقيق والاستنطاق، ويتعلق الأمر بأنطوان لوبيز، وهو الذي كان يوجه السائق فواتو نحو مكان الاختطاف، باتجاه فونتني لو فيكونت ، وبالضبط نحو فيلا يملكها بوشسيش، أحد وجوه الإجرام في فرنسا، ووفق رواية فرنسية ، كان بوشسيش في استقبال الضحية والجناة، وصرح الشرطيان اللذان قاما بعملية الاختطاف ، بأنهما لم يريا أي واحد من رجال العصابة التي احتجزت المهدي بن بركة في فيلا بوشسيش.
خصصت جريدة لوموند ليوم 18 نوفمبر1965 مقالا ت حول تطور التحقيق في اختطاف بن بركة ، والذي مس في البداية الشرطيين: سوشون وفواتو، وأدت أقوالهما أمام قاضي التحقيق إلى استنطاق لوبيز. فقد صرح الشرطيان أنهما قاما بفعلهما نظرا لدور لوبيز داخل مصالح المخابرات ، التي كانت تنعت في الصحافة في البداية بهيئة رسمية، وأنهما كانا يعتقدان القيام بمهمة رسمية. واعترف لوبيز أمام قاضي التحقيق أنه حضر إلى موعد الاختطاف متنكرا بنظارات و بشارب مستعار استعاره قبل مدة من الشرطيين سوشون وفواتو. وأن فيكون رسم للشرطيين ملامح بن بركة، ليلتحق بعد ذلك بالمقهى ، موعد اللقاء، حيث ينتظره كل من برنيي وفرانجي. وعندما حضر بن بركة والطالب الأزموري ، كان ديباي وباليس يراقبان العملية في الجانب الآخر للطريق. ولحقا بسيارتهما سيارة الأمن التي كانت تقل بن بركة نحو فيلا بوشسيش. قال لوبيز لبوشسيش : “عليك أن تقول أننا حملناه إلى هنا لحمايته من محاولة اغتيال” ، بعد ذلك عاد لوبيز إلى باريس رفقة أحد الشرطيين. وهاتف الجنرال أوفقير الموجود بالمغرب. وسيصرح لوبيز فيما بعد أن لوروا رئيس المصلحة التي كان يتعامل معها، أوحى له باتهام أوفقير ، كان هذا عندما أحس لوبيز بأن السديك لم يمد له الحماية أثناء التحقيق والمحاكمة. صرح إذن لوبيز أمام قاضي التحقيق ، أن الشتوكي عضو في جهاز الأمن المغربي، وباتفاق مع سلطات فرنسية ، طلب منه استقطاب شرطيين فرنسيين، وأضاف أنه التحق في اليوم الموالي بالمطار في الساعة الخامسة والنصف لاستقبال الجنرال أوفقير، الذي كان برفقة الدليمي ورجل آخر اسمه الحسيني ( لعله الممرض الحسوني). وأن لوبيز نقل الجنرال أوفقير إلى فيلا بوشسيش ، في حين انتقل الدليمي و”الممرض” بوسائلهما الخاصة. وبعد تسليم مفتاح فيلته إلى أوفقير التحق بعائلته التي كانت في عطلة بمنطقة لواري.
لاحظ المحامون ومتتبعي قضية بن بركة ، ومن خلال ما تم الكشف عنه خلال “التحقيق” أو المحاكمة ، أن ردود فعل مصالح المخابرات الفرنسية(S.D.E.C.E) ، عقب عملية الاختطاف كان مثيرا للانتباه ، خاصة بالنسبة للوروا الذي لم يلتحق بعمله صباح يوم 29 أكتوبر. وتوجه مباشرة إلى مطار أورلي، حيث وصله حوالي التاسعة والنصف، وهو نفس الوقت الذي وصل فيه بن بركة إلى مطار أورلي قادما من جنيف، وبرر لوروا هذا التنقل[بأنه حضر المطار لاستقبال رئيسه الجنرال جاكيي، لكن المحكمة ستكتشف أن طائرة الجنرال كان موعد وصولها إلى المطار في الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة، وليس التاسعة والنصف ، كما أن لوبيز هو الذي يتكلف عادة بهذه الشكليات، و هي إجراءات قصيرة، كما اعترف بذلك لوبيز نفسه، والذي أخبر لوروا في صبيحة ذلك اليوم أنه لن يكون موجودا في المطار، وأن زوجة لوروا هي التي تلقت المكالمة. وصرح بما يلي: ” طلبت منها أن تخبر زوجها بالموعد مع المغاربة، وقد نطقت باسم بن بركة أو ب ب ، ولن يكون هناك أدنى خلط في ذهن لوروا عندما تخبره زوجته بمضمون المكالمة “
( هل يتعلق الأمر بالموعد مع المغاربة الأربعة التي ذكرت أسماؤهم في تقرير لوروا المؤرخ في 22 أكتوبر 1965 )
لاشك أن لوبيز كان يهيئ صحبة آخرين اللمسات الأخيرة لتنفيذ الاختطاف، إذ كان موجودا في السيارة التي اختطفت بن بركة ، وهو الذي كان يوجه سائق السيارة نحو فيلا بوشسيش . بعد انتهاء العملية هاتف لوبيز لوروا من نادي يدعى Vieux de la vielle، فأجابه أحد مساعدي لوروا ، يدعى بواتيل، فأملى عليه لوبيز النص التالي : “
De la part de don Pedro, faire connaître à Thomas que le rendez-vous avait lieu à Fontenay, prés de chez moi.
واكد بواتيل بعد ذلك تلقيه لهذه المكالمة، وأنه شبه متأكد أنه سلم المضمون إلى لوروا، عندما عاد هذا الأخير إلى مكتبه في الساعة الرابعة بعد الظهر. لكن الوثائق التي قدمت إلى المحاكمة تنفي وجود تسجيل لهذه المكالمة، فهل كانت هناك عملية إخفاء من لدن مصالح المخابرات الفرنسية لنفي أي علم لها بعملية الاختطاف؟
وبقدر ما نجد عناصر المخابرات الفرنسية متورطة في عملية الاختطاف، بقدر ما نجد منحى نحو إنقاذ المصالح من تهمة التورط في عملية الاختطاف، والوثائق التي قدمت، تهم بالأساس الأشخاص قبل المؤسسة.
بعد ظهر يوم الجمعة 29 أكتوبر ، ساعات بعد عملية الاختطاف ، انتقل بوشسيش و لوبيز إلى مطار أورلي ، في الساعة الخامسة والنصف، حيث اتصلا مرتين بهدف التحدث إلى أوفقير ، وكشفت سجلات التلفون بالمطار أن لوبيز كان يتصل بالرقم 03 -201 بالرباط ، لكنهما أبلغا ضابطا مغربيا بأنهما حصلا على”الطرد”، وأن على أوفقير القدوم فورا إلى باريس.
في الساعة التاسعة ليلا تمكن لوبيز من الاتصال بأوفقير ، الذي كان موجودا في مكناس ،وأخبره بنجاح العملية وضرورة حضوره، لكن أوفقير طلب مهلة للاستشارة . في الساعة العاشرة والنصف ،اتصل أوفقير بلوبيز ليخبره بأنه سيصل إلى باريز يوم السبت 30 أكتوبر ، حيث حل بمطار أورلي في الخامسة بعد الظهر، أما الدليمي فقد سبقه إلى باريس ، قادما من الجزائر ،حيث حل بالمطار في الساعة الثانية ظهرا . ووفق الرواية الفرنسية رافق أوفقير والدليمي في تحركاتهما كل من “الشتوكي ” ، الذي أشير إليه في تقرير لوروا إلى رئيسه الكولونيل بومون ، بأنه ( الشتوكي) مكلف بمهمة مغربية ،و”طالب” اسمه الماحي ، وهو في الحقيقة عميد شرطة . قاد لوبيز أوفقير إلى فيلا بوشسيش ، ليغادر صحبة عائلته إلى منطقة لواري.
استقر أوفقير والدليمي وشركاؤهما في فيلا لوبيز ، الذي عاد إليها في نفس الليلة، والظاهر أنه كان مهتما لمعرفة تطورات عملية الاختطاف . حل بفيلا لوبيز أيضا أناس على متن سيارة تحمل لوحة السلك الدبلوماسي, ووفق رواية لوبيز فإن أوفقير لم يمض الليلة في الغرفة التي حجز لها له الماحي بفندق “روايال –مونصو “، فقد تنقل كثيرا تلك الليلة، وغادر باريس في اتجاه جنيف في الساعة الثامنة وثمانية دقائق صباحا. أما الدليمي وبقية أفراد المجموعة المغربية فقد غادروا مطار أورلي في نفس اليوم، وتبعهم بوشسيش يوم الاثنين 1 نوفمبر. في نفس اليوم أيضاعاد الدليمي إلى باريس وتبعه أوفقير يوم الثلاثاء، للمشاركة في حفل إتمام تدريب عدد من العمال بمقر وزارة الداخلية الفرنسية بحضور وزير الداخلية الفرنسية روجي فري، و توبع الحفل مساء في إقامة رسمية، وهناك سلم إلى باليس ، أحد المشاركين في عملية الاختطاف ، مبلغ مليون فرنك فرنسي قديم ، لتدبير عملية فراره من فرنسا. في صباح يوم الخميس 4 نوفمبر،صباحا غادر أوفقير و الدليمي بسرعة العاصمة الفرنسية، لتقدم البحث من لدن عدد من الأجهزة المختلفة، والتي بدأت تربط اختفاء بن بركة بتقارير سابقة للمخابرات الفرنسية عن مشاريع أشرف عليها أوفقير للتخلص من بن بركة.
بعد عملية الاختطاف لم يتمكن الأزموري من إبلاغ الطلبة الاتحاديين بباريس، باعتقال بن بركة ، من لدن شرطيين فرنسيين، إلا في الساعة الثالثة بعد الزوال.( هناك رواية تقول بأنه اختفى عن الأنظار لمدة ثلاثة أيام، لكن العودة إلى الأحداث تنبث أن الأزموري أخبر أصدقاء بن بركة في نفس يوم اختطافه ، وإلا كيف عرف الطاهري ،صديق بن بركة، نبأ اختطافه في نفس اليوم) وفي الساعة السابعة مساء كان الجميع من مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وصحافيين ، على علم باختطاف بن بركة. أحد أصدقاء بن بركة بباريس ، واسمه الطاهري ، اتصل بعدد من القياديين الاتحاديين ، وحاول إعلام أصدقاء بن بركة الفرنسيين ، ولكن دون جدوى.
يوم السبت 30 أكتوبر 1965
في صباح يوم السبت 30 أكتوبر، وفي الساعة الحادية عشرة، ” علم ” وزير الداخلية باختطاف بن بركة من لدن شرطيين فرنسيين. في الساعة الثالثة والنصف هاتف العميد المركزي شارونديير، من الاستعلامات العامة التابعة لولاية أمن باريس ، مصالح S.D.E.C.E وطلب من ضابط المداومة إن كان على علم باختطاف بن بركة، فأجاب الضابط بأن لا علم له بهذه القضية، وفي مكالمة أخرى سلم نفس الضابط للعميد شارونديير، عنوان ورقم هتف محمد الطاهري ، احد أصدقاء بن بركة المقيمين في باريس. وهنا تسائل المحامي ستيب إبان المحاكمة : لماذا لم تسلم المصلحة الثالثة كل ما لديها من معلومات إلى مصالح الاستعلامات بباريس ، ولما أنكر مسؤولوها معرفتهم بالقضية؟ وتزداد الأمور غموضا بالنسبة لهؤلاء، عندما اختفوا من الساحة ، مستغلين عطلة نهاية الأسبوع الطويلة ، والتي صادفت عيد الموتى( 1 نوفمبر).في صباح يوم السبت 30 أكتوبر ، أخبر الطاهري إدغار فور بما تعرض له بن بركة ، وطلب منه الاتصال بالسلطات الفرنسية ، وإخبار جريدة لوموند ، عن طريق جان لاكوتير. في الساعة الثانية عشرة زوالا اخبر الطاهري من لدن جان لاكوتير، ومن طرف بعض المسؤولين الفرنسيين ،أن بن بركة ليس بين يدي الأمن الفرنسي.
أبلغ والي أمن باريس بابون، وفق تصريحه أمام المحكمة ، وزير الداخلية بالخبر في الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم السبت . و بابون هذا يعرف جيدا موقع المهدي بن بركة في الساحة السياسية المغربية ، فقد كان عميد شرطة الرباط سنة 1952 ، و كان يتابع تحركات بن بركة إبان فترة النضال من أجل الاستقلال.
في منتصف نهار السبت 30 أكتوبر، كانت الحكومة الفرنسية إذن على علم بجريمة اختطاف بن بركة فوق التراب الفرنسي. لكن لا أحد حرك ساكنا،وهو الشيء الذي أثار حفيظة دفاع الطرف المدني إبان المحاكمة. لم تعلن الخطوات الأولى للقيام ببحث في الموضوع إلا يوم الأحد 31 أكتوبر بعد الظهر، كما أكد ذلك عميد الشرطة مارشان، الذي أكد الجميع أنه لم يكن في مستوى الحدث، إذ لسبب أو لآخر لم يبدأ بالقيام بالإجراءات الأولى للبحث إلا يوم الأحد 31 أكتوبر ، في الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة ، حيث وزعت برقية على مراكز الشرطة حول اختطاف بن بركة . ويظهر أن هذه البرقية لم يتعد مفعولها إلى البحث في كل ما ينتقل بين المغرب وفرنسا، ولم يشمل أيضا مراقبة الأشخاص الذين ساهموا في عملية الاختطاف ومن بينهم، بوشسيش، الذي سافر إلى المغرب يوم 1 نوفمبر 1965 في الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة.
تم إخبار عميد الشرطة مارشان من لدن الطاهري، الذي سبق ذكره، بأن أوفقير موجود بفرنسا، لكن لا أحد أخذ بعين الاعتبار هذه المعلومات، واختفت ورقة المعلومات التي تخص الجنرال أوفقير ووصوله إلى باريس يوم 30 أكتوبر في الساعة الخامسة والنصف، ولم يعثر عليها أحد.
في يوم الأحد 1 نوفمبر، استقبل مارشان، زيارة فليب برنيي ، ودار الحديث حول موضوع اختطاف بن بركة. كان برفقة مارشان مساعده كيرلان، طلب مارشان من برنيي ، فيما إذا كان يشك في أحد ، فأجابه :
“نعم، لدي شكوك، فقد أخبرني المهدي بن بركة بالمحاولات التي كانت تستهدف تصفيته، وأن الجنرال أوفقير وراء ذلك.” فقال مارشان، وإذا كان الفاعل هو الجنرال أوفقير، فأجاب بيرنيي :
” لن يخرج بن بركة منها سالما، إني أعرف فظاعة أوفقير، إنه رجل يقتل، وهذا معروف عند الجميع.”
ومع كل هذه المعطيات، لم يخلص عميد الشرطة، الذي كان يقوم بالمهمة بالنيابة إلى الربط، في نفس الوقت، بين اختفاء بن بركة وحضور أوفقير بباريس، واعترف مارشان بذلك أمام المحكمة. ومما زاد الطين بلة أن شهادة بيرنيي لم توضع في الملف، فقد ظهر له أن اتهام وزير الداخلية المغربي أمر خطير جدا.
كان العميد كاي، من الاستعلامات العامة، أشد انتباها لما يجري، ويظهر من خلال تسلسل الأحداث، انه كان يدرك خطورتها. وهذا ما دفع دفاع الطرف المدني إلى الشك في نفس الوقت في نوايا مارشان وكاي على السواء. وأكد المحامي بريكويي أن مارشان كان يعلم بما سيجري من أحداث.
كان عميد الشرطة كاي ، صديقا للمحامي والبرلماني لومارشان ، الذي هو بدوره صديق و درع لجورج فيكون صاحب السوابق في عالم الإجرام ، وقد تبدو من هذه العلاقات الروابط التي تجمع بين مسؤولين من الأمن وعناصر إجرامية ، وهي نفس الظاهرة التي سوف تبرز من خلال علاقات عملاء المخابرات الفرنسية مع أصحاب السوابق ، من خلال الحلقة التي تجمع بين لوروا و لوبيز وبوشسيش ولوني وغيرهما . وهي نفس الشبكة التي خططت وساهمت في تنظيم الاختطاف ، بل حاولت في بعض اللحظات تظليل البحث عن بن بركة ، والتستر على معلومات لها أهميتها ، لو كشفت في حينه ، أي لو قام هؤلاء الموظفون الفرنسيون بواجبهم لربما أخذت قضية بن بركة منحى آخر.
يوم 1 نوفمبر 1965
أدت مواكبة كاي للأحداث قبل وأثناء وقوعها إلى جمع المعلومات حول عملية الاختطاف ، منذ يوم الاثنين 1 نوفمبر 1965 ، وذلك بفضل مخبرين أمثال كوهيي و فينيو و وورث ومارفيي وآخرون ، وبفضل هؤلاء تم جمع معلومات أخرى في صباح يوم الثلاثاء 2 نوفمبر . كان فيكون يحكي في الحانات أنه شارك في عملية اختطاف بن بركة. كان وراء هذه المعلومات كل من جان مارفيي و جيرالد كوهيي، فقد التقى الاثنان فيكون في حانة تسمى Courrier de Lyon ، مسائي 29 و 30 أكتوبر . في مساء يوم 29 أكتوبر التقى فيكون بما رفيي وكوهيي ، وفهما منه أن أحدا اختطف اليوم ، وفي مساء اليوم الموالي ، صرخ فيكون أمام نفس الشخصين ، وفي نفس الحانة : Ca bouge, ça va bouger .
انطلاقا من هذه المعلومات، حاول كاي الاتصال بالمحامي لومارشان ، الذي هو في نفس الوقت صديق فيكون وكاي، وتمكن من ذلك يوم الثلاثاء 20 نوفمبر ، في الساعة الواحدة زوالا . كان فيكون متلهفا لحكي القصة من ألفها إلى يائها ، وكما لاحظ المحامون في حينه ، أن فيكون كان يرمي من وراء ذلك إلى خلق فضيحة داخل الأوساط الرسمية الفرنسية ، ليسهل إخفاء عملية الاختطاف والاغتيال ، فقد كان فيكون ، وفق شهادة صديقه المحامي لومارشان جد حذر ، وكان بعمله هذا يهدف إلى عدم توريطه وحده في العملية ، خصوصا ، وانه استعمل في خطوة التقرب من بركة ، إذ كان عضو ” الفريق السينمائي ” ، وأكد لومارشان ، أن فيكون ما كان أن ينخرط في هذه العملية لو لم يكن متأكدا من أنه لن يتعرض إلى أي عقاب. ويمكن أن نظيف أن الأمر كان بالنسبة لهذا الرجل خدمة يجب أن يؤدى عنها ، ولذلك كان يلح على تسليمه مبلغ 100 مليون فرنك فرنسي ،مقابل الخدمات التي أدها إلى ” المغاربة” . وكما كتب في حينه، ألم يهاتف لوبيز، لوروا أمام فيكون ، ليتبث له أن المصالح الفرنسية وراء العملية؟ وعندما حكى فيكون لصديقه لومارشان ما جرى ، كان يعرف حتما أن كلامه سيصل إلى عميد الاستعلامات العامة كاي ، لكن لم يصرح بأي اسم من الجماعة التي اختطفت بن بركة ، وربما كان هذا هو المنطق السائد في وسط العصابات، ولذلك تمحورت تصريحات جورج فيكون حول عملية اختطاف بن بركة وتصفيته. ولم يمنع كل هذا من انتقال فيكون إلى الدار الآخرة شهورا قليلة بعد اغتيال بن بركة، خصوصا بعد أن افتضح أمره، وأصبح يشكل تهديدا على الآخرين ، فوجد ” منتحرا” في الوقت الذي حاصرت قوات الأمن منزله.
لم يسلم كاي كل المعلومات التي كانت بحوزته إلى ضابط الشرطة ، الذي كلف بالبحث .
يوم 2 نوفمبر 1965
عندما عاد الكولونيل بومون إلى عمله يوم 2 نوفمبر ن تسائل لماذا لم يتصل به لوروا في رقم هاتفه الخاص ، فأجاب هذا الأخير ، انه كان يأمل الحصول على معلومات جديدة. لكن لوروا تراجع أمام المحكمة عندما أحس بالبساط يسحب من تحت رجليه ، انه هاتف بومون، وأن امرأة أجابته بأن الكولونيل في عطلة. فعقب بومون على ذلك بأن لوروا يكذب. والسؤال المطروح أيضا هل أعلم لوروا رئيسه بالمكالمة التي جرت بينه وبين لوبيز يوم 31 أكتوبر 1965.
المثير للانتباه في هذا المسلسل من الأحداث ، هو الصمت الطويل للوروا ، والذي أراد لعب دور الواجهة في المحاكمة إلى أن اكتشف أنه وحيدا أمام المحاكمة، وأنه سيؤدي الثمن وحده..فقد تلقى لوروا يوم، 31 أكتوبر في الساعة الحادية عشرة وست وثلاثين دقيقة، مكالمة طويلة من لوبيز، الذي التحق بعائلته فيبيلكارد بمنطقة اللوار. وانتظر لوروا إلى يوم 2 نوفمبر لكتابة ورقة حول موضوع المكالمة الهاتفية بين الرجلين، ثم وجه الورقة إلى رئيسه بومون ، لكنه لم يتذكر كل ما جاء في المكالمة. ، وكل ما تذكره أن سأله لوبيز ، هل سمعت بخبر اختطاف بن بركة، وأضاف :
Il y a de l’Oufkir la- dessous
. وتفاجأ الجنرال جاكيي أمام المحكمة من أن لوروا لم يخبره بموضوع المكالمة بينه وبين لوبيز. ويظهر تورط لوروا في الأحداث التي تلت افتضاح العملية ، فمباشرة بعد المكالمة المذكورة أعلاه بين لوبيز ولوروا يوم 31 أكتوبر، اتصل ضابط الشرطة لوبون من ولاية أمن باريس بمصالح المخابرات في الساعة الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة، طالبا إذا كان أحد ضباط المصلحة ، قد اتصل ببن بركة يوم 29 أكتوبر، لكن تحت أوامر لوروا ، كانت الإجابة بالنفي في الساعة الواحدة والربع، وبرر لوروا أن لوبيز ليس ضابطا في المصلحة ، لكنه مخبر فقط.
لم تأخذ الأمور مجراها الحقيقي في قضية بن بركة إلا يوم 2 نوفمبر، إذ بدأ لوروا الاتصال برئيسه بومون وإخباره بموضوع مكالمة 31 أكتوبر.اتصل بعد ذلك بالجنرال جاكيي، ليتناول طعام الغداء مع الضابط كاي من الاستعلامات العامة ، الذي أخبر لوروا بان لوبيز اشترك في عملية الاختطاف، جاء الخبر من أحد مخبري الاستعلامات العامة، الذي نقل الخبر عن المحامي والبرلماني لومارشون ، الصديق الحميم لجورج فيكون.وأضاف كاي بأن S.D.E.C.E غارقة في مستنقع من…، لكن لوروا كان يجيب بأنه لا يعرف شيئا عن القضية.وبناء على المعلومات التي وصلت إلى كاي ، فمن المرجح أن أوفقير أجهز على بن بركة بخنجر…
إن إجابات لوروا على المعلومات التي كان يتوفر عليها الضابط كاي، جعلت هذا الأخير يعي أهمية المعلومات التي كانت بحوزته، لأنه شك في رد فعل لوروا تجاه ما دار بينهما من حديث.
يظهر من خلال تصرف لوروا يوم 2 نوفمبر أنه تفاجأ لرد الفعل حول اختطاف بن بركة، فقد دبت حركة قوية داخل مصالح S.D.E.C.E ، وتوجهت بعثة من هذه المصالح إلى ولاية أمن باريس ، بناء على توصية الجنرال جاكيي. كانت البعثة مكونة من كامب ، مدير مساعد في مصلحة مكافحة التجسس، وكانت له مهمة الاتصال بالأمن، ومن كاين ولوروا.
لم يبلغ كامب الشرطة بتقرير لوروا المؤرخ في 22 شتنبر 1965، وأعلمهم أن المخابرات الفرنسية لا تقف وراء عملية الاختطاف.. وأثناء ذلك لم يذكر كامب ما يعرفه عن الجنرال أوفقير رغم توفر المعلومات لدى مصالح المخابرات من مشاركته في العملية ، وكان الحديث في هذا الاجتماع مقتصرا على ما جاء في تقرير لوروا ليوم 22 شتنبر والفرقة الخاصة التي كلفت بملف بن بركة والكومندان الدليمي… ودار الحديث حول لومارشان صديق فيكون .
في هذا الزمن كان لوروا يملك معلومات هامة ، لكنه أخفى كل شيء عن علاقاته بالفريق المغربي ، خصوصا وأن هناك أخبارا تدوولت حول علاقة لوروا بالشتوكي ( أو برئيس الكاب 1) ،إذ تناول الرجلان طعام الغداء بمطعم يقع في شارعOberkamp ، كما كشف الكولونيل أمام المحكمة أن مصالحه هيئت ملفا حول بيرنيي، الذي شارك في الإعداد للاختطاف ، من خلال ” الفريق السينمائي “.
.يظهر من سياق الحديث أن التقرير الذي حمله بومون إلى الشرطة كان متجاوزا، بل إن الثغرة التي فتحتها مصالح الاستعلامات العامة في قضية بن بركة كانت سببا في فضح تواطؤ عدد من مصالح المخابرات الفرنسية. فتقرير بومون ، كانت تنقصه عدد من المعطيات ، بالإضافة إلى أنه لم يشر إلى موضوع المكالمة التي جرت بين لوروا ولوبيز، يوم 31 أكتوبر . كما أن تقرير بومون لا يشير إلى لوبيز وحضور أوفقير والدليمي إلى باريس، والليلة التي أمضاها أوفقير في منزل لوبيز، ولم يتطرق أيضا إلى حركات الذهاب والإياب الليلية في منطقة أورموا. اعترف لوبيز بعد ذلك أمام المحكمة أن التقرير الذي حمله بومون إلى الشرطة لا قيمة له.
بهذه المعطيات الناقصة والموجزة جدا حلت بعثة S.D.E.C.E بمصالح الشرطة يوم 2 أكتوبر 1965 في الساعة الثالثة بعد الزوال ، وكان الاجتماع في مكتب كودار ، مدير ديوان المدير العام للأمن الوطني . وصل لوروا متأخرا إلى الاجتماع ، وكما فسر لكودار ، تأخر عن الموعد، لأنه كان يقوم بعملية تمحيص لبعض المعلومات، والحقيقة أنه كان على موعد مع لوبيز في نفس الوقت . وبدل أن تدلي مصالح المخابرات بما لديها من معلومات حول عملية اختطاف بن بركة ، كان همها أن تتوصل إلى ما تعرفه الشرطة عن القضية ، وصرح كودار أنه أحس في هذا اللقاء بأنه يخضع لاستجواب ، أكثر منه حوار حول القضية. وعندما وصل لوروا إلى موعد الاجتماع في نهاية الجلسة لخص لزميليه كامب و كاين، ما دار بينه وبين لوبيز.
في الساعة الرابعة بعد الظهر، انتقلت هذه البعثة إلى مكتب ديوان والي الأمن، سامفاي، وأقسم كامب أمام مدير الديوان أنه لا يعرف شيئا عن القضية. صرح كاين أمام المحكمة، بأنه في هذا الاجتماع قال عميد الشرطة كاي لأعضاء بعثة المخابرات، وإذا أثبت لكم أن لوبيز شارك في عملية الاختطاف، فحاول لوروا التغطية على لوبيز بأن هذا الأخير صرح بكلمة الشرف أنه لم يشارك في العملية، وطلب من سامفاي أن يأخذ بعين الاعتبار قيمة لوبيز لدى مصالحه، وأنه إذا تبتت مشاركته في العملية فإن مصالح المخابرات لن تحميه.
ونخلص من وراء كل هذا أن لوروا لعب دورا مشبوها في عدم ربط المعطيات وإيصالها إلى كل المصالح ، وهو الشيء الذي سهل مأمورية جل المتورطين في عملية الاختطاف والاغتيال في مغادرة التراب الفرنسي بكل طمأنينة.
في الوقت الذي كان فيه الجميع مقتنعا بتعدد الأطراف في عملية الاختطاف والاغتيال ، كان لوروا يقبرك التقارير الخاطئة ، إذ صرح الجنرال جاكيي أمام المحكمة ، ومنذ الجلسات الأولى ،أن الجميع ، ومنذ 2 نوفمبر ، كان مقتنعا بمشاركة أوفقير والدليمي في عملية الاختطاف. وكما لاحظ الدفاع ، فإن الجنرال جاكيي، لم يخبر الحكومة الفرنسية بهذا الاقتناع الذي وصل إليه الجميع يوم 2 نوفمبر 1965 .
كان يوم 2 نوفمبر حاسما في تطور قضية اختطاف بن بركة، وأحس يومها لوروا بوقوعه في قفص القضية ، كان يومها على موعد مع لوبيز بمقهى Le Bougnat ، في الساعة الثامنة ليلا، وهو المقهى الذي كان في ملك زوجة أحد مساعديه يدعى لونوار ، و أحس لوبيز ولوروا بانغلاق الدائرة عليهما، كان لوروا تائها ، ويردد :
Mon petit vieux, je saute, je saute…
في نفس الزمن كانت مصالح الشرطة تبحث عن لوبيز، الذي ” اختفى “عن الأنظار، وحين كان سامفاي يتحدث إلى لوروا ظهيرة ذلك اليوم (2/11/1965) كان يؤكد على لوروا بأن يتقدم لوبيز إلى مصالح الشرطة لتسليم نفسه، فأجاب لوروا بأنه سيفعل ذلك ، لكنه لم يذكر انه رآه قبيل ذلك اللقاء بقليل ، وانه على موعد معه في المساء. وفي لقائهما بالمقهى مساء يوم 2 نوفمبر طلب لوروا من لوبيز تسليم نفسه إلى الشرطة ، ولكن في صباح الغد.
يوم 2 نوفمبر هاتف الشرطة المكلفة بالجنايات، كان عميد الشرطة ،بوفيي، الذي عوض مارشان غائبا ، فطلب كاي أن تترك له الرسالة التالية: ” هل قادكم البحث إلى قرب أورموا؟”. لكن كاي أسر إلى والي أمن باريس بابون بتفاصيل أكثر دقة في نفس اليوم ، في الساعة الثالثة زوالا ، وكانت بين الرجلين علاقة خاصة ، ومن ضمن ما صرح به كاي في لقاءه مع بابون ، تورط لوبيز في العملية ، واحتجاز بن بركة في إحدى الفيلات بضواحي باريس ،وأن الشرطة متورطة في الموضوع . وقد أخبر بابون حالا وزير الداخلية الفرنسي بما لديه من معلومات .
اعتقد محامو الطرف المدني بأن اتفاقا حصل بين كاي والمحامي لومارشان على ألا يشمل البحث فيكون ، نظرا للمعطيات التي يعرفها حول الإعداد للاختطاف والاغتيال . خصصت مجلة نوفيل أوبسرفاتور ، في عدد 20 فبراير 1966، مقالا بقلم كلود أنجلي حول قضية بن بركة ، ذكر فيه أن روجي فري ، وزير الداخلية ، وصديق كاي و لومارشان ، أكد في عديد من المرات ، أن كاي زار لومارشان في نهاية صبيحة 2 نوفمبر، وأن فيكون كان أيضا حاضرا معهما ، وانه أسر بتفاصيل حول القضية. كان روجي فري يكيل المديح لنفسه ، إذ ذكر ، وفق كاتب المقال ، بأن تحت إلحاحه اهتم صديقه كاي بالموضوع، وأن المعلومات المهمة الأولى جاءت عبر هذا اللقاء. وتسائل الصحفي ، ألم يكافئ كاي ، جورج فيكون بإبقائه طليق السراح ، ولماذا لم يبحث الأمن ، ولمدة شهرين ، عن فيكون ، وأن روجي فري ، كان يتفاوض مع أوفقير والدليمي في اليوم الثالث من نوفمبر ، عندما أرسل مساعديه أوبير وبوزي ، إلى مأدبة العشاء الذي أقيمت في السفارة المغربية. هذه المعطيات لم يكذبها في حينه المحامي لومارشان ، لكن أمام المحكمة تراجع عنها،علما أن في فبراير 1966 كانت تجري ظروف أخرى ، غير ظروف المحاكمة التي أودت بمصير عدد من المسؤولون في المخابرات والأمن الفرنسي ، وكادت أن تعصف بمسؤولين كبار في نفس الأجهزة ، دون استثناء مسؤولين سياسيين في وزارة الداخلية و ديوان الوزير الأول ، بل حتى داخل قصر الإليزي. وهذا ما نبه إليه الدفاع حول الدور الذي لعبه لومارشان في تحويل مجرى البحث من أجل أهداف خاصة.
في نفس المقال أشار الصحفي إلى التداخل الحاصل بين أوساط الإجرام والمخابرات وأجهزة الأمن والمسؤولين السياسيين ، فوزير الداخلية فري صديق للومارشان ، وعلى علاقة مع عميد الشرطة كاي ، ولومارشان البرلماني والمحامي له علاقة حميمية مع لوبيز وفيكون . وعندما طرحت مسألة استقالة لومارشان من البرلمان دافع فري بقوة عن صديقه.
عاد المراقب العام بوفيي إلى مقر عمله، فاستلم ملف بن بركة من عميد الشرطة مارشان ، الذي كان يقوم بالمهمة بالنيابة. لكن ولاية الأمن لم تسلمه كل المعطيات المرتبطة بالملف . في الساعة الثامنة مساء اتصل به كاي ، ليعطيه بعض المعلومات حول لوبيز ومساهمته في الاختطاف.
يوم 3 نوفمبر 1965
يوم 3 نوفمبر 1965 جاء الشرطي سوشون عند مدير الشرطة القضائية واعترف له بمساهمته في اختطاف بن بركة. وبعد ذلك سيأخذ لوبيز إلى مقر الشرطة . وهناك اعترف لوبيز بمشاركته في عملية اختطاف بن بركة، مصرحا بأن آخر من رأى بن بركة قد يكون الجنرال أوفقير.
في يوم الاثنين 3 نوفمبر ، بعد الظهيرة، كانت الشرطة قد استوفت عناصر جريمة اختطاف بن بركة، تحت إشراف أوفقير ، الذي كان في نفس الوقت يحضر حفلة كوكتيل على شرف إنهاء بعض العمال لتدريب في باريس. وكما لاحظ دفاع الطرف المدني ، كان بإمكان المراقب بوفيي طلب استماع لأوفقير ، لكن هذا المسؤول الأمني قرر إرجاء الاستماع من جديد للوبيز إلى الساعة الواحدة ليلا من ليلة 3/4 نوفمبر ، والقيام بتفتيش في سكن لوبيز . ولم يصل طلب الاستنطاق إلى وزير الداخلية الفرنسي بشأن أوفقير ومن معه إلا في الساعة التاسعة وخمس وأربعين دقيقة، في حين حلقت الطائرة التي تقل أوفقير والدليمي في الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة . جرت الأمور ، وكأن كل شيء مرتب لكي يغادر أوفقير فرنسا دون أدنى ملاحقة .( استند رؤوف أوفقير في كتابه ، الضيوف، الذي صدر في بداية السنة ، إلى العلاقات المتميزة التي كانت تربط بين أوفقير وعدد من الأجهزة الفرنسية ، خصوصا داخل جهاز الجيش الفرنسي والمخابرات . اشرنا أيضا في مقالنا ، الذي نشر في الأحداث المغربية في شهر ماي من هذه السنة ، إلى الزيارات المتكررة السرية التي قام بها إلى فرنسا ، رغم أنه نظريا ، كان مدانا من لدن محكمة الجنايات بباريس ، علما أن هذه الزيارات تمت في عهد بومبيدو، الذي أصبح رئيس الجمهورية الفرنسية.)
تلقى لوروا في صباح يوم 3 نوفمبر أمرا من رئيسه بومون بالابتعاد عن التحقيق في قضية الاختطاف ، ومرة أخرى لاحظ محامو الدفاع ، أن مصالح S.D.E.C.E ، مهتمة بمصير مخبرها لوبيز أكثر من اهتمامها بالبحث عن بركة. و أثبتت الوقائع أم مصالح المخابرات تحركت في كل الاتجاهات لتضليل تحريات الشرطة الفرنسية، والسؤال الذي طرح في حينه : لماذا بذلت مصالح المخابرات كل هذا الجهد لتضليل وعرقلة البحث؟
في الوقت الذي اجتمعت معطيات عدة على مشاركة العناصر المغربية والفرنسية في عملية الاختطاف .أثارت هذه المعطيات دفاع الطرف المدني ، فتحدث المحامي ستيب أمام المحكمة قائلا :
” ليس من شأن شرطي أن يوجه اتهاما ،إن هذا دور قاضي التحقيق ، والحالة هذه أنه يوم 3 نوفمبر عين السيد زولنجر قاضيا للتحقيق . ابتداء من هذه اللحظة ، كان من حق السيد زولنجر وحده فقط ، التقرير في إقرار اتهام أم لا ، أو على الأقل الاستماع كشاهد إلى أوفقير والدليمي والعشعاشي ، والذين كانوا آنذاك في التراب الفرنسي(…) لماذا لم تعملوا أي شيء لمنعهم من مغادرة أورلي يوم 4 ( نوفمبر)…” .(Affaire Ben Barka. Témoignages et documents- U.S.F.P. France-1975)
كان رد والي أمن باريس موريس بابون ، أنه من غير الحكمة في هذا الوقت اتهام الجنرال أوفقير ، الذي كان يعتبر صديق فرنسا ، وأحد الضباط العسكريين السابقين في الجيش الفرنسي ، وأعلن ثقته في ” صديق فرنسا” .( كانت تربط أوفقير بفري ، وزير الداخلية الفرنسي صداقة متينة ، وربما استغلت هذه الورقة في توظيف لوبيز ولوروا و وسوشون وفيكون ولومارشان وغيرهما في عملية الاختطاف ، فلم يكن أحد يعتقد أن الأمور ستنكشف بهذه السرعة ، وأن الغطاء على القضية سيكون كثيفا).
في الوقت الذي كان أوفقير يحضر حفلة كوكتيل يوم 3 نوفمبر ، كتب بابون خلاصاته إلى وزير الداخلية،جاء فيها :
” Nous avons des informations qui tendent à mettre en cause le général Oufkir (…) Pour le moment ce sont des allégations sans preuves matérielles (…) Dans ces informations il y a des bavardages de Lopez” – Affaire Ben Barka. Témoignages et documents – P 45
بيد أن السياق الزمني للأحداث وكما ذكرنا أعلاه كان جميع المسؤولين الأمنيين على علم بتفاصيل حدث الاختطاف ، وأسماء المساهمين فيه ، إضافة إلى اعترافات فيكون ولوبيز وسوشون ، فلماذا كتب بابون إلى وزير الداخلية بأن الأمر لا يتعدى ثرثرة دون أدلة مادية. هل يرتبط الأمر بتغطية خاصة بوزارة الداخلية الفرنسية لرفع أي اتهام بالتقصير في القيام بواجبها ، أم تغطية زمنية للسماح لأوفقير ومن معه بمغادرة التراب الفرنسي ، أم هما معا؟ ومن غرائب الصدف ، أن مساعدي بابون حاولوا وبكل قوة أن يبينوا أن المعلومات التي جمعت من لدن الأجهزة الأمنية يوم 3 نوفمبر لم تكن جدية ، إلا أن المحاميبريكويي ، رد على ذلك ، كيف أن نفس المعلومات التي توفرت لدى الأمن كانت غير جدية يوم 3 نوفمبر ، في الوقت الذي كان فيه ” المغاربة” موجودين فوق الترب الفرنسي ، لتصبح بقدرة قادر يوم 4 نوفمبر جدية ، أي في الوقت الذي غادر فيه “الفريق المغربي ” فرنسا؟
كان وزير الداخلية الفرنسي قد اقتنع تماما بتورط أوفقير في عملية اختطاف بن بركة ، وهو ما أسر به إلى مدير الأمن الوطني ، كريمو ، وطلب منه ، بما أنه سيحضر حفلة في مقر السفارة المغربية ، أن يتحدث مع أوفقير حول الموضوع ، وأن يسجل ردود فعله. أثناء سهرة السفارة ، وصلت أخبار إلى المغرب ، عن العثور على جثة في إسون ، فبلغ سفير فرنسا في الرباط مخاوفه إلى باريس ، وتحدث إلى جاك أوبير ، وفرانسوا دولابولاي ، الموجودين في السفارة المغربية، إبان حفلة المساء. وأثارت هذه المكالمات فضول أوفقير ، الذي لم يتورع على نزع السماعة ، وطلب من السفير الفرنسي الموجود على الخط، سبب مكالمته ومخاوفه.
لكن الموظفين الفرنسيين لاحظا مباشرة بعد ذلك ، رغبة وتسرع أوفقير في مغادرة فرنسا ، والغريب أن دولابولاي ، ساعد أحد موظفي السفارة المغربية على الاتصال بإدارة الخطوط الفرنسية لحجز وبسرعة مقاعد نحو المغرب ، وهكذا سجل مكتب الحجز بخصوص هذه المقاعد ، أنها حجزت بتوصية من الشؤون الخارجية .
يوم 4 نوفمبر 1965
في صباح يوم 4 نوفمبر 1965 غادر أوفقير والدليمي باريس باتجاه المغرب ، في حين توجه العشعاشي نحو جنيف ، وتسائل محررو الكتيب ، الذي صدر بباريس سنة 1975 ، عن سبب توجه العشعاشي إلى جنيف .
(Affaire Ben Barka. Témoignages et documents – P(46
والتساؤل قد يرتبط بالحديث عن الوثائق التي كانت بحوزة بن بركة بجنيف ، والمتعلقة بمؤتمر القارات الثلاث ، وبمنظمة تضامن ، التي كانت تجمع عددا من المنظمات التحريرية والثورية في العالم.
ومع هذه العودة السريعة من طرف أوفقير ومن معه، فإن السلطات الفرنسية ورغم المعلومات المتوفرة لديها، ورغم اعتقال لوبيز وسوشون، فإن أفراد العصابة الفرنسية، باليس ولوني و ديباي تمكنوا أيضا من مغادرة التراب الفرنسي بسهولة، علما أن سوشون غادر فرنسا منذ 1 نوفمبر، كان أفراد العصابة الفرنسية قد دخلوا منذ فترة في مفاوضات مع أوفقير ، اتصل باليس بالماحي ، في فيلا سعيد، بعدما تعذر عليه الاتصال بأوفقير، ليطلب هو ورفاقه لقاء مع وزير الداخلية المغربي ، الذي رأى في الطلب مجازفة كبيرة. لكن الفرنسيين ألحوا على الحصول على المال للفرار نحو المغرب. فتلقوا من الدليمي مليون فرنك.
حينما نشر بوفيي إعلان البحث عن العناصر الفرنسية ، يوم 4 نوفمبر 1965 ، في الساعة الواحدة زوالا ، كانت هذه العناصر كلها قد غادرت فرنسا.
لم يبح الشرطيان سوشون و فواتو بكل ما يعرفان أمام مدير الشرطة القضائية، ماكس فيرني إلا يوم 3 نوفمبر، لكن في المساء ذاته ، تلقى والي الأمن تعليمات ، من لدن وزير الداخلية، بشأن إرجاء استنطاق الشرطيين ،لأن هناك خطوات دبلوماسية ستتخذ إزاء الحكومة المغربية. ولم يخبر فيرني ، المراقب العام بوفيي، بتوقفه عن استنطاق سوشون و فواتو . ولم يعلم المراقب العام إلا مساء يوم 6 نوفمبر بأن الاستنطاق توقف بأمر حكومي. وكما لاحظ دفاع الطرف المدني، فإن توقف استنطاق الشرطيين له انعكاسات كبيرة على سير التحقيق. وسيظهر فيما بعد أنه إذا كان أمر بوشسيش قد حسم يوم 9 نوفمبر ، بالنسبة لقاضي التحقيق ، فإن الأمر بالاعتقال الصادر في حق أوفقير والد ليمي ، لم يصدر إلا يوم 20 يناير 1966 ، رغم أن دفاع الطرف المدني طاب بذلك منذ يوم 29 نوفمبر 1965.
برز أيضا البعد الحكومي في قضية بن بركة عندما طلب وزيرا الداخلية والوزير الأول للإدلاء بأقوالهما، فقرر مجلس الحكومة التستر بالمادة 564 من القانون الجنائي. ولم يستطع الطرف المدني توجيه أسئلته إلى ببومبيدو وفري إلا عبر الكتابة، بل إن الأسئلة الموجهة خضعت لمراقبة دقيقة من المحكمة. مست هذه الأسئلة جوهر قضية بن بركة في إطارها السياسي ، والمساعدة التي كانت عناصر المخابرات المغربية تجدها فوق التراب الفرنسي ، ومسؤولية بعض الشخصيات الفرنسية على ذلك. وكان أهم الأسئلة التي حذفت تلك المتعلقة بتقرير 22 شتنبر 1965، ودور بومبيدو وفري في عرقلة اتهام أوفقير ومن معه، إضافة إلى سؤال آخر حذف متعلق بالبعثة الدبلوماسية التي أرسلت إلى المغرب يوم 4 نوفمبر للتفاوض حول مصير بن بركة.
ولاحظ دفاع الطرف المدني أن أجوبة الوزيرين كانت تنحو نحو الهروب من الموضوع الحقيقي ، وأن المسؤولين في الوزارة الأولى والداخلية لم يبلغوا الوزيرين بكل المعطيات في حيته . لكن دفاع الطرف المدني ذكر بأن وزير الداخلية كان يملك معلومات هامة وكافية لاتهام أوفقير والدليمي وآخرين ظهيرة 3 نوفمبر 1965 . وعلى هامش هذه الملاحظة ، صرح المحامي ستيب أمام المحكمة بما يلي :
” Si monsieur le ministre de l’intérieur n’avait pas(…) pris cette regrettable initiative qu’il a prise le 3 novembre au soir de n’inquiéter en aucune façon ,avant leur départ du territoire français ,Oufkir, Dlimi, Achachi et autres policiers marocains ?les assassins de M ben Barka seraient ici aujourd’hui , sur ces bancs.” ( Affaire Ben Barka. Témoignages et documents – p 48 )
في الندوة الصحفية التي أقامها دوكول رئيس الجمهورية الفرنسية، يوم 22 فبراير 1966، تحدث دوكول عن اختفاء بن بركة ولم يستعمل كلمة الاختطاف، أما والي أمن باريس فقد خاطب زوجة المهدي بن بركة بالأرملة، أي أن الأوساط الفرنسية كانت متيقنة من اغتيال بن بركة، ولم يتردد رئيس الجمهورية الفرنسية في اتهام وزير الداخلية المغربي الجنرال أوفقير في الوقوف وراء عملية الاغتيال.
منذ تاريخ اختطاف بن بركة والروايات تتوالى حول مصير جثته، لكن أهم ما في هذا المسلسل أنها بدأت قصة فرنسية، من خلال أطوار التحقيق القضائي الفرنسي وأطوار محاكمة الجنايات بباريس (1966-1967)، وكانت هناك محاولة إنهاء لهذه القصة التي طالت جدا، وشكلت جرحا عميقا في التاريخ السياسي ببلادنا، يتعلق الأمر برواية أحمد البخاري حول عملية اغتيال بن بركة ، والتي حولت الاهتمام والمسؤولية من الجانب الفرنسي نحو الجانب المغربي ، وكان يلح في عدد من الاستجوابات أن السلطات الفرنسية والأجهزة الأمنية لم تكن على علم بعملية الاختطاف ، ولعل هذا يثير في حد ذاته أسئلة متعددة حول رواية البخاري ، التي تزامنت مع الرفع الجزئي عن سرية الملف من لدن الحكومة الفرنسية في يناير 2000 .
عن موقع
salimonline

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق