الحلقة الفرنسية في عملية اغتيال بن بركة
كان بحث الشرطة الفرنسية الأول ضعيفا كما وكيفا، ثم جاءت المحاكمة الأولى ، عبارة عن شهادات لم تؤد إلى إضاءة عملية الاختطاف والاغتيال. وبدا واضحا تهرب السلطات الفرنسية من الإجابة على تساؤلات الطرف المدني وعجز رئيس المحكمة عن استجواب الوزير الأول ووزير الداخلية، تحت طائلة سر يمس الدفاع الوطني أو سر المهنة أو الحصانة الدبلوماسية… لكن وصول الدليمي المفاجئ إلى باريس، أرجأ المحاكمة إلى حين إتمام التحقيق معه .
أدى التحقيق إلى الكشف عن امتدادات مشاركة عدد من المسؤولين الفرنسيين في عملية الاختطاف، وهذا ما أعلنت عنه اللجنة من أجل الحقيقة في قضية بن بركة ، التي كانت وراء إصدار الكتيب، الذي نشر في سنة 1975 ، من لدن فدرالية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأوروبا . و أثار أعضاء اللجنة فيه مسؤولية فرنسا في عملية الاختطاف، وأضاف هؤلاء ، “إن كنا نؤكد على التذكير بالمسؤوليات في تفاصيلها، ، في حالة محاكمة الليوتنان كولونيل الدليمي مع شركائه ، حتى لا يكون هناك منحى نحو النسيان أو التقليل من دور الأجهزة الفرنسية في القضية ، وتعطى الأهمية فقط إلى المجرمين من المغرب فقط” ( Affaire Ben Barka. Témoignages et documents- ص19) كما نبه هؤلاء إلى مناورات الطرف المغربي في إلقاء المسؤولية على الجانب الفرنسي واعتبار عملية اختطاف بن بركة قضية فرنسية داخلية.
ضابط الشرطة سوشون
طرحت أسئلة عدة حول الانسياق السهل لبن بركة وراء سوشون ، الذي صرح فيما بعد أنه أثاء توجه الاثنين نحو السيارة ، خاطب بن بركة قائلا : فيما إذا كان هناك هدف آخر غير الفني ( الفلم) وراء حضوره إلى باريس. وهذا التصريح يفند ما فاه به سوشون من أنه كان يعتقد أنه حمل بن بركة إلى لقاء “سياسي” مع مسؤولين مغاربة كبار. وهذا التناقض في الأقوال يبرز من جهة أن الأسباب الحقيقية لاختطاف بن بركة كانت معروفة لدى سوشون، وأن الأوامر بعملية للاختطاف صدرت من سلطات عليا فرنسية، لأن شخصية سوشون، وفق شهادات متعددة ، كانت من النوع الذي يخلص في عمله ، وله ثقة في المؤسسة التييشتغل فيها.أصدر لويس سوشون كتابا ، تحت عنوان : أصمت أيها المتهم ، صدر سنة 1970، بباريس. ونقدم ما كتبه سوشون عن النقاش الذي دار بينه وبين رئيسه سيمباي يوم 4 نوفمبر:
…Le lendemain 4 novembre , peu avant midi, à mon grand soulagement ,M Simbille me donne rendez-vous. Dés que nous nous retrouvons, j’interroge :
– Alors patron, comme ça va pour Lopez?
Son visage revêt instantanément un masque que j’interprète comme pouvant être celui de la commisération.
– Mon pauvre Souchon, me dit–il d’une voix lasse , Lopez n’était certainement pas l’homme que vous croyiez …
– Mon regard doit être suffisamment éloquent pour qu’à ma grande satisfaction il corrige lui-même ;
– L’homme que nous suppositions tous…
Mon interlocuteur peut se permettre cette rectification pour la raison bien simple qu’il connaît assez bien Lopez; à différentes reprises nous avons assisté à des déjeuners d”affaires ” ensemble qui lui ont permis de se faire une opinion sur l’agent secret. J’ai pu me tromper sur son compte mais je ne suis pas le seul.
Pour ma part , j’ai vite fait le tour de la question :
– Ce qui veut dire que tout est foutu! Je n’ai plus qu’a me mettre une balle dans la tête…
Mais non , mais non, proteste–t-il aussi vivement que sincèrement, je n’ai pas dit que tout est foutu , en tout cas pas pour vous. Lopez c’est une chose , et vous une autre / Puis d’abord ,vous ne ferez pas ce que vous dites , vous n’en avez pas le droit. A cause de votre famille surtout et aussi pour le gars Voitot . Je sais que vous ne le laisserez pas se débrouiller tout seul dans cette panade.
Ces propos remplis de bon sens me touchent , j’acquiesce :
– Et oui, vous avez raison , même ça n’arrangerait rien !
– Surtout , répond M. Simbille , que pour vous rien n’est perdu, bien au contraire .
– Ah comment ça ? je ne comprends pas très bien.
– Vous devez tout de mémé penser qu’il a été question de
vous dans les hautes sphères?
– Je m’en doute un peu .
– Tout le monde a parfaitement bien compris
– Je suis de bonne fois dans cette histoire , vous le savez .
– Bien sur, mon vieux, que je le sais . En tout cas à votre sujet, voila ce qui a été décidé . Au cas où un service quelconque quel qu’il soit, se proposerait de vous interroger sur cette affaire , vous ne savez rien.
Vous connaissez Lopez bien entendu , mais c’est tout . Il ne vous a jamais rien demandé et vous ne lui avez jamais rendu aucun service . Vous n’êtes au courant de rien, c’est clair..
– J’ai très bien compris, patron ,ne vous inquiétez pas .
Ces instructions vient d’en haut?
– En effet…
حول ” الاستنطاق ” الذي خضع له يوم 11 نوفمبر أمام المراقب العام بوفيي ، يذكر سوشون في كتابه الحوار الذي جرى بينهما ( الترجمة):
– ” سيدي المراقب العام ، أحرص على تنبيهكم أني لم أمنح ثقتي للوبيز الموظف بشركة إير فرانس ، ولكن للوبيز عميل السديك .
– نعم، أعرف جيدا، لكن الحديث عنها مقلق، من الأحسن ، على ما أعتقد، استعمال تعبير عام.
– لا أعرف ما هو هذا التعبير”
وبعد نقاش بين الرجلين ، تم الاتفاق على استعمال عبارة هيئة رسمية، وهو التعبير الذي ظهر في المحاضر الأولى ، وفي المقالات الصحفية ، التي كانت تغطي المراحل الأولى للتحقيق. ويضيف سوشون ، أنه عند الوصول إلى اسم Foccart ، الكاتب العام للإيليزي ، تغيرت سحنة المراقب العام ، قائلا :
” – لو كنت في موقعكم ….فلن أتحدث عن هذه الشخصية …
– إذا تحدثت عن هذا ، فلأنه طلب مني أن أقول كل شيء ، ولأن لوبيز تحدث عنه ، فأنا لا أخترع شيئا.
– طبعا، لكن هذا مزعج.
– لاأرى كيف أن الأمر مزعج؟ قالو لي أن أصرح بكل ما أعرف، وأني بدأت بهذا، إني أقول كل ما أعرف..
– إني أفهم موقفك ، لكني لن أسجل هذا الاسم في محضر الاستماع، في كل الحالات ليس الآن….. كيف تريد أن تمد لك هذه الشخصية يد المساعدة فيما إذا ما ربطت الاسم ( فوكار ) مع هذه القضية ؟ “
وتابع سوشون اعترافاته بأنه كان أمام الأمر الواقع ، أي وضع ثقته في رؤسائه.
Louis Souchon : Accusé taisez vous. Editions de la table ronde. Paris .1970. pp 49-50 et 73-74. ( Voir Affaire Ben Barka. Témoignages et documents/ Paris / 1975)
أثناء المحاكمة سأل سوشون رئيس المحكمة ، وإذا قلت لك سيدي الرئيس أسماء رؤسائي، فأجابه الرئيس ، سأعتقلهم في الحال ، وإذ ذاك أطرق سوشون رأسه دون أن يقول كلمة. رغم أن المدعي العام قد رفض فيما بعد تصريح سوشون، عندما اشتد عليه الخناق، بأنه تلقى صباح يوم 29 أكتوبر 1965،مكالمة منمسؤول بالداخلية الفرنسية، اسمه أوبير ، وفهم من ذلك أنه تلقى الضوء الأخضر من مراكز القرار،كما شرحنا ذلك سابقا ، واعتقد بحماية من لدن عدد من المسؤولين الذين أصدروا له الأوامر بالتعاون مع لوبيز. ولذلك ورد في المحاضر الرسمية أن سوشون لم يخبر رئيسيه سيمفيل وفيرني بمضمون هذه المكالمة، عندما اعترف لهما يوم 3 نوفمبر بمشاركته في اختطاف بن بركة؟ وعندما بنى المدعي العام في المحاكمة الثانية ، أواخر ماي 1967، مرافعته على المحاضر الرسمية ، انفجر سوشون صارخا بأن هذا لا يحتمل ، فأخرج من القاعة لفترة زمنية.
أبرز المدعي العام ، أن سوشون لم يكن ذلك الرجل البريء ، وأضاف إنه يدعي أنه حمل بن بركة إلى موعد سياسي، ولهذا السبب لبى طلب لوبيز، وتساءل ، هل المواعيد السياسية تتم على قارعة الطريق ، وببطاقة الشرطة؟ و لماذا تحدث سوشون إلى زميله فواتو عن عملية تستهدف محرضا، وربما تاجر مخدرات؟ ولكي يبرز المدعي العام أن سوشون كان متورطا في عملية الاختطاف استند إلى شهادة الطالب المغربي، الأزموري، الذي رافق بن بركة إلى الموعد المعلوم، فقد أدلى بشهادة يقول فيها ، إن سوشون عندما طلب من بركة مرافقته، توجه إلى الأزموري قائلا: Pas toi .
أما أهم ما جاء في أقوال رجل الشرطة الثاني فواتو ، فهو أنه سمع المختطفين الذين وصلوا إلى فونتني لو فيكونت وهم يتهامسون فيما إذا كان لازما طمأنة بن بركة ، بالقول أنه حمل إلى الفيلا لتجنيبه محاولة اغتيال . والحالة هذه هل كان بن بركة في حالة غيبوبة حينما حمل في سيارة الشرطة إلى فيلا بوشسيش؟
قد يكون هذا الاحتمال جائزا ، إذا ما أخذنا برواية بوريكات ، نقلا عن لوني وديباي وبوشسيش، عندما كانوا جميعا معتقلين في دار المقري، رواية مفادها أنه بمجرد ما أدخل بن بركة رأسه في السيارة ، سدد له لوني لكمات ، أفقدته الوعي.
أكدت التحقيقات فيما بعد أن سوشون تلقى مكالمة يوم 19 أكتوبر 1965،إما من لوبيز أو من ترجمان ، وهو يهودي مغربي، و صديق حميم لأوفقير ، وصل باريس يوم 13 أكتوبر، ونزل في فندق لوكران أوطيل دوري، الذي خرجت منه المكالمة الهاتفية نحو سوشون . أما البخاري فيقول في حق سوشون وفواتو أنهما كانا عميلين للكاب 1 ، وأنهما تلقيا رشوة مقابل العمل الذي قاما به من استدراج بن بركة نحو الفخ، لكن السياق الحدثي الذي ذكرناه يتعارض مع هذا الطرح المبسط من لدن البخاري. ( الاتحاد الاشتراكي 7 غشت 2001 )
إن استعمال شرطيين فرنسيين في عملية الاختطاف المباشرة، كان ضمانة لانصياع بن بركة لرجلي أمن فرنسيين، في الوقت الذي كان يحمل فيه جواز سفر دبلوماسي جزائري ، ولولا تدخل الشرطة الفرنسية لما أمكن قياد بن بركة إلى الفخ الذي نصب إليه ، وإذا ما ربطنا هذا الاحتمال مع ما نشر حول تحذير كيرييل لبن بركة حول فريق العمل السينمائي الذي نسج حول بن بركة ، ربما فكر بن بركة حين تقدم إليه سوشون بأن ثمة مؤامرة كانت ستدبر له ، أو أن سوشون طلب منه مرافقته لوجود تهديد في حينه. حاولت الإدارة الفرنسية في البداية عرقلة البحث القضائي، لكن توالي الأحداث و”انتحار ” فيكون واختفاء عدد من المتورطين، أعطى لقضية بن بركة امتدادا في السياسة الداخلية لفرنسا، خصوا وأن الجنرال دوكول أحس بأنه مستهدف أيضا من فضيحة اختطاف بن بركة ، لأن عدد من الشهود وخاصة أصدقاء بن بركة في منظمة تضامن أكدوا أن الرجل كان على موعد في الإليزي صبيحة يوم السبت 30أكتوبر، لكي يقدم شروحا حول موقف اللجنة التحضيرية لمؤتمر القارات الثلاث ، من عدة قضايا، وتكمن في هذه النقطة بالذات مصالح عدد من المؤسسات الفرنسية الأمنية والاقتصادية، التي كانت ترى خطرا في انفتاح مؤتمر القارات الثلاث على فرنسا الديكولية.
كتب كلود أنجيلي مقالا، نشر في مجلة نوفيل أوبسرفاتور( عدد 66. 16-22 فبراير 1966) ، في انتظار الندوة الصحفية التي عقدها دوكول رئيس الجمهورية الفرنسية يوم 21 فبراير حول قضية بن بركة. كان عنوان المقال : ” هل سيقول دوكول ما يعرف؟” وكتب الصحفي أنجيلي أن رئيس الجمهورية يعرف المصير الذي آل إليه بن بركة، ويعرف أيضا أن وزير الداخلية روجي فري يحمي المحامي والبرلماني الدوغولي بيير لومارشان ، ويعرف أن مارسيل لوروا قد قدم كبش فداء في هذه القضية، ويعرف أخيرا أن لقاء تم بين عميد الاستعلامات العامة كاي وجورج فيكون ، عضو عصابة باريس المنفذة لعملية اختطاف بن بركة.
أصدر دفاع الطرف المدني بلاغا ، نشر في جريدة لوموند بتاريخ 26 فبراير 1966، يضع فيه اختطاف بن بركة في إطار مسؤوليات فرنسية ومغربية متعددة.
أنطوان لوبيز
لم ينفك أنطوان لوبيز منذ شهر أكتوبر 1965 ، وإلى أيامنا هذه من إثارة الانتباه إليه سواء من حيث حجم و أهمية الدور الذي اسند له في عملية ينبئ في كل مرة انه سيقول الحقيقة وتظل تصريحاته أقرب إلى الابتزاز ،عوض تفاصيل جديدة يمكن أن تكشف عن تفاصيل العملية من اختطاف واغتيال وعن مصير جثة المهدي بن بركة. وظهر منذ المحاكمة الأولى أن لوبيز لعب دور الوسيط في كل العلاقات التي كانت قائمة بين الجانب المغربي وعدد من رجال العصابة التي نفذت الاختطاف. كانت له علاقات متشعبة وعميقة بين جل الأطراف المتهمة في عملية الاختطاف ، وقد تنبه عدد من محامي الطرف المدني،كبريكويي وستيب، إلى شخصية لوبيز المعقدة بل إن أحد ضباط الشرطة وهو العميد كولون يرجح أن الرجل كان يحمل عدة ولاءات.
كان موظفا مسؤولا في مطار أورلي و يدير مصلحة من 500 موظفا . كان أيضا رجلا ” متطوعا ” في جهاز المخابرات الفرنسية S.D.E.C.E (مصلحة المستندات الخارجية ومكافحة التجسس) وكان يعتقد أن الخدمات التي يقدمها للمخابرات الفرنسية تحميه من أي ملاحقة قضائية. وأدلى المراقب العام للأمن بوفيي في شهادته أمام المحكمة أن لوبيز وهو على وشك السقوط، كان يعول على تدخل مصالح المخابرات لإنقاذه. وبقدر ما كان الرجل في علاقات جد وثيقة مع عدد من المسؤولين الفرنسيين، كان في نفس الوقت مرتبطا بأسماء لامعة في عالم الإجرام ، وهكذا كان بوشسيش ، الذي سيسخر سكناه لاحتجاز بن بركة ، صديق لوبيز منذ عهد الطفولة وعلاقة الطرفين علاقة شبه عائلية لقرب سكناهما ، لوبيز في أورموا ، وبوشسيش في فونتني لوفيكونت ، وارتبط لوبيز بفيكون، من أصحاب السوابق القضائية ، عن طريق بوشسيش ، الذي ربط له أيضا علاقات مع عدد من المشبوهين ، والذين ستظهر أسماؤهم فيما بعد كمتورطين في عملية اختطاف واغتيال بن بركة، مثل باليس و لوني و دوباي و جو عطية وآخرين . وقد كتب لوبيز إلى ” رئيسه” لوروا أن هذه العلاقات هي التي مكنت الجنرال أوفقير من خدمات مثل ” وضع حد لمعارضة بن بركة بطرق غير أرثوذوكسية”، وهي الجملة التي وردت في أحد التقارير التي رفعها لوبيز إلى ” رؤسائه” في مصالح المخابرات، والتي يعود تاريخه إلى 17 ماي 1965. كان لوبيز أيضا على ارتباط بالشرطة القضائية، ومخبرها، وذلك منذ سنة 1962 ، حيث أعلمت مصالح المخابرات عميلها لوبيز بالتعامل مع الشرطة في ميدان محاربة المخدرات، واستغل لوبيز هذا لربط علاقات وثيقة مع عدد من رجال الشرطة. وهذه الاختراقات ولف شبكات من كل الأنواع، هي التي ساعدت لوبيز على فتح أبواب. وهي علاقات غير عادية بين رجال الشرطة وعميل، كما لاحظ ذلك عميد الشرطة بوفيي أثناء المحاكمة. إن وضعية لوبيز لا يمكن أن تخفى على ” المسؤولين الكبار” ، وقد يكون الرجل الشخص الأمثل لتنفيذ مخطط دقيق جدا. هذه العلاقات هي التي يسرت الارتباط الذي حصل بين لوبيز وسوشون، الشرطي الذي اختطف بمعية فواتو المهدي بن بركة ، وحملت السيارة السوداء التي تم بها الاختطاف كلا من لوبيز وسوشون وفواتو وصاحب السوابق لوني ، أي معارض سياسي يختطفه رجل عميل للمخابرات الفرنسية بصحبة مجرم وشرطيين وهي علاقات تزكم الأنف بالضرورة.
الأدهى من هذا وذاك أنه تحت إلحاح سوشون، وهو رئيس الكتيبة الخاصة بشرطة مكافحة الإجرام، اقتنى بوشسيش ولوبيز أسهما في فندق يسمى l’Unic Hôtel، الذي أضحى قاعدة، موجهة مبدئيا لتنظيم مراقبة مكافحة المخدرات. زرع في هذا المكان أحد المخبرين للكشف عن المعلومات المتعلقة بالمشبوهين، ومن غرائب الصدف كما كشفت التحقيقات والشهادات فيما بعد، أنه في هذا الفندق نزل عدد من المغاربة الذين ستذكر أسماؤهم الحقيقية أو المستعارة، والذين شاركوا أيضا في عملية الاختطاف.وبرزت أهمية الفندق عندما وجه دفاع الطرف المدني الأستاذ مشيل بوفييارد، أسئلة حول الموضوع إلى المتهم سوشون، لكن رئيس المحكمة سمح للمتهم بعدم الإجابة حول أسئلة الدفاع لأن ذلك سيضع حياة عدد من الأشخاص في خطر. من الأشياء الملفتة للانتباه، أن الحلقة التي أشرفت على تنفيذ عملية الاختطاف، هي التي شكلت تقاطعا بين أجهزة المخابرات الفرنسية والشرطة.
تكتمل الرؤية عندما نعلم أن لوبيز كان صديق الجنرال أوفقير، وضيفه عندما يحل بالمغرب ، وأثبتت التحريات فيما بعد أن لوبيز زار المغرب ثمانية مرات في الزمن الممتد بين 2 أبريل و 30 شتنبر 1965 . بل إن أوفقير تدخل لدى زميله الفرنسي فري لنقل لوبيز إلى المغرب، وربما بهذا الوعد أمسك أوفقير بصديقه لوبيز جيدا، الذي أصبح في وضع الاستجابة المطلقة للجنرال أوفقير.
جاء في التحقيقات أيضا أن لوبيز وإن كان يشتغل لصالح أوفقير ، فإنه لم ينسى أنه عميل للمخابرات الفرنسية ، والتي كان يزودها من حين لآخر بصور للوثائق المغربية التي تمر من مطار أورلي ، وإخبار مصالح المخابرات الفرنسية من خلال عدد من التقارير، التي ستكشف أثناء التحقيق والمحاكمة ، بمخطط أوفقير ومن معه بالتقرب من أوفقير قصد وضع حد لمعارضته” بطرق غير أرثوذوكسية” ولعل لوبيز وهو العارف بخطورة اتصالاته كان يقصد في نفس الوقت حماية نفسه في حالة تفكير الطرف الآخر من التخلص منه ن كما وقع فيما بعد لعدد من شركائه في عملية اختطاف واغتيال بن بركة
لوبيز أيضا ودائما كانت له روابط خاصة مع الضابط المكلف به داخل أجهزة المخابرات الفرنسية، ويتعلق الأمر بلوروا (فينفيل) .جاء في شهادة الجنرال جاكيي ، رئيس مصالح المخابرات ، أن تلك العلاقة غير طبيعية بين مسؤولية الضابط مع مخبره. وكشفت التحقيقات والمقالات الصحفية التي واكبت المحاكمة ، أن لوروا حينما أصبح رئيس وحدة الدراسات والمعلومات (المصلحة7) مكلف بالبحث وجمع المعلومات ، التابعة لمصالح الكولونيل بومون، مدير ” البحث والتحري ” ، كان من المفروض أن ينفصل عن لوبيز ، ولعل هذه المعطيات تكشف على أن الهدف المرسوم لاغتيال بن بركة كان يقتضي الإبقاء على العلاقة ، وإن كان هذا صحيحا فمسؤولية اختطاف واغتيال بن بركة لها امتدادات عميقة داخل أجهزة الدولة الفرنسية ، وهو الملف الذي كان يشهر في وجه فرنسا كلما احتد النقاش حول القضية ، خصوصا في السنوات التالية لعملية الاختطاف ، وربما يفسر هذا أيضا نوبة الغضب التي اجتاحت رئيس الجمهورية الفرنسية ، الجنرال دوكول ، حينما نزع مصالح المخابرات من الوزير الأول بومبيدو ، وإلحاقها بوزارة الجيوش ( الدفاع) ، وهو الانتقال الذي سمح بالكشف عن جزء من أسرار العملية ، ولم يتردد دوكول، في ندوته الصحفية المشهورة ليوم22 فبراير 1966 ، ( لوموند 23 فبراير 1966) ، في اتهام وزير الداخلية المغربي الجنرال أوفقير بالوقوف وراء اغتيال بن بركة.
عندما سمع لوروا بتصريح لوبيز حول تورطه في اختطاف بن بركة ، قال للصحفيين، بأن هذه التصريحات كاذبة، وانتهى إلى القول :” السؤال الوحيد الذي يطرح نفسه في الواقع ، هي أن نعرف إلى أين نريد أن نعود بواسطة هذه المناورات، ولدي إحساس أن هناك بحثا على شيء يتجاوزني شخصيا”. إن صاحب هذا التصريح رجل مخابرات ، وقد وعى بعد سقوط لوبيز ، وتصريحات مسؤولي المخابرات الفرنسية ، خاصة تصريحات بومون، رئيسه المباشر ، انه ولوبيز وبعض ضباط الشرطة قد قدموا أكباش فداء.
بعد سبع سنوات على اختطاف بن بركة ، صرح أنطوان لوبيز لجريدة فرانس سوار، ليوم 31 ماي 1972 ، بأنه إذا أرادوا أن يعرفوا ما وقع ، فلينتظروا ، وأنه تلقى عرضا من منتج سينمائي لإنجاز فلم حول الموضوع ، وأن كل واحد سيوضع في المكان المخصص له، وهذا التصريح هو أقرب إلى التهديد من كشف “الحقيقة” ، ولذلك بادره الصحفي : إذن قل لنا الحقيقة، فانفجر لوبيز غاضبا : لقد قلت الحقيقة ، كنت أقولها دائما ، لكنها تضايقهم ، وأضاف :
” Quand je l’ai vu ( Ben Barka) pour la dernière fois , le 29 octobre 1965, vers 15 heures, à Fontenay-le-vicomte, il terminait de déjeuner. En bout de Table , à la place d’honneur, en complet gris, souriant, il conversait amicalement avecBoucheseiche , le maître de maison. Il y avait aussi Figon. Ben Barka m’a semblé avoir la situation en mai. Il n’était pas inquiet”
إذن هذه شهادة لوبيز ، يجب أن تأخذ بحذر لأنه كان يطلق عليه “الصابونة” ، يقول فيها أنه في يوم 29 أكتوبر 1965، كان بن بركة جالسا هادئا في صالون فيلا بوشسيش ، وكان بصحبة بوشسيش وفيكون. إن الزمن الذي أطلق فيه لوبيز هذه التصريحات ، كان أوفقير حينها يعد العدة لمحاولة الانقلاب الثانية ، وبما أن لوبيز كان صاحب التصريحات التي استندت إلى التهديد والابتزاز ، ألا يمكن أن نقرأ في ذلك خطابا موجها إلى صديقه القديم أوفقير ، حينما يقول في تصريح 31 ماي 1972 ، أن بن بركة ربما في مكان ما ، توفي مكبلا في إحدى مخابئ فيكون…
جورج بوشسيش
حبكت الحبال حول عنق جورج بوشسيش ، الذي هيأ”فيلته” لاحتجاز بن بركة، من خلال الأبواب التي فتحها له لوبيز في المغرب. صرحت زوجته لعدد من المنابر الإعلامية، أنها هي و زوجها و لوبيز زاروا المغرب في بداية شهر يوليوز، وتم ” شراء ” أوطيل في اسم زوجة بوشسيش في الدار البيضاء ، بمساعدة رجال المخابرات التابعين لأوفقير. لقد أطلقت زوجة بوشسيش تصريحات عدة ، بعد ” اختفاء ” زوجها إثر فشل محاولة الانقلاب الثاني في غشت 1972. قالت للصحافة : ” نعم لقد اختفى زوجي ، ليس الأربعاء الماضي ( 16 غشت 1972) ، بعد موت أوفقير، ولكن بالضبط يوم 19 مارس 1972..” وأضافت أنه بعد ” وفاة ” أوفقير أبلغها أصدقاء متمكنين من المعلومات بأن جورج بوشسيش قد توفي. ، وقالت إنه مات في سجنه ، وأنها لم تتلقى أي خبر منه منذ مارس 1972 . واتهمت زوجة بوشسيش الكولونيل الدليمي بأنه وراء كل ذلك. ثم أضافت : ” هذه كل قصتي، فقبل خمسة أشهر ، مما سيطلق عليه فيما بعد قضية بن بركة، اشتريت فندقا بالدار البيضاء، Le Grand Hôtel ، زنقة عبد الكريم الديوري، يحتوي على خمسة وعشرين غرفة. كوننا شركة مجهولة الاسم، ولكني أملك إلى يومنا هذا كل الأسهم. كنت أراقب بنفسي عملية تجديد الفندق . في غيابي لم يكن باستطاعة جورج استقبال أي أحد دون رضاي. واختفى جورج بعد ذلك ، انطلاقا من أجوبة رسمية من الشرطة، كانت فرنسية أو مغربية، قيل ، لا أحد رآه. وأقول أنا ، بأني التقيته مرارا بالمغرب حيث استقر هناك بعد هربه ( من فرنسا ) . كان متسترا في البداية .”
أضافت هذه السيدة أنه بعد عودة الدليمي إلى المغرب وتبرئته من محكمة الجنايات بباريز ، تغيرت الأشياء بالنسبة لبوشسيش، فقد طلب الدليمي من زوجها أن يتكلف بالفندق ، لكن دون الحاجة إلى زوجته.، وطلب مني أن أعود إلى باريس ، وأن بوشسيش كان يهاتف زوجته مرارا، أو أنها كانت تلتحق به في إقامات في الأحياء الراقية بالرباط، وكان آخرها فيلا بتمارة ، إقامة كبيرة بمسبح، وأن زوجها أخبرها أن الفندق أصبح لا يدر شيئا. ولكنه اكتشفت فيما بعد أن المداخل كانت هامة ، ولكن كان كل شيء تحت مراقبة الدليمي، ولم يعد رجلا حرا ، فقد أوكل إليه الدليمي بحراس دائمين، وأضافت زوجة بوشسيش أنه هو الذي أمر بسجن زوجها في مارس 1971 ، وتم نهب فيلته. وبعد أن انتظرت طويلا قررت الذهاب إلى المغرب لبيع الفندق و الاتصال بالجنرال أوفقير ، الذي اعتبرته زوجة بوشسيش رجلا يلتزم بكلمة الشرف. وصلت هذه السيدة إلى الرباط ، وفق روايتها ، يوم الجمعة ، وفي صباح يوم الاثنين طردت من المغرب ، وأنه لم يعد لها أي حق في الفندق لأنها أمضت وكالة…. (Philipe Bernert – L’Aurore.24 /8/1972 )
لكن الجنرال أوفقير صرح لثلة من الصحفيين بالرباط يوم 17 نوفمبر 1965، بخصوص بوشسيش، أنه تلقى أمرا من وزير العدل لاعتقال بوشسيش، وأنه أعطى أوامره للمصالح المختصة، وأنه سيذهب بعيدا في هذه القضية، وإذا كان بوشسيش في المغرب فلن يفلت من الاعتقال. ( لوموند 18 نوفمبر 1965) . يظهر إذن تناقض كبير، بين ما صرح به أوفقير حول هذا الموضوع، من جهة، و شهادة زوجة بوشسيش سنة 1972 ، وأيضا شهادات أخرى ، تؤكد على وجود صاحب الفيلا التي احتجز فيها بن بركة بالمغرب ، الذي التجأ إليه أوائل نوفمبر 1965. روى بوريكات عن مصير بوشسيش ما يلي : ” لقد تمت تصفيتهم في معتقل آخرPF2 ،(…) ودفنوا في PF3 ، لقد تم دفن بوشسيش يوم 29 أكتوبر 1974 وديباي ولوني لاحقا، وكنت شاهدا رفقة إخوتي والمانوزي وعقا وعبابو على عملية دفن بوشسيش” ( الصحيفة، عدد 27. 20-26 يوليوز 2001).
جورج فيكون وعميد الاستعلامات العامة جان كاي والمحامي لومارشان
تردد أيضا اسم فيكون كثيرا في قضية المهدي بن بركة سواء في الإعداد للاختطاف أو بعده ، وأيضا بالمصير الذي انتهى إليه :الانتحار وفق رواية رسمية ، الاغتيال ،حسب رواية أخرى. وقد خصص بيير بن إشو مقالا حول فيكو ، في مجلة نوفل أوبسرفاتور،عدد 64، 2-8 فبراير 1966 . يحكي الصحفي أن فيكون ترك 4 تسجيلات ، منها واحدة تخص اختطاف بن بركة. تلقى هذا الصحفي يوم 8 نوفمبر مكالمة من فيكون ، يود فيها مقابلته ، وقد حكى فيكون لبن إشو عن أوفقير ، وأضاف : ” لا يمكن لك أن تتصور أن كيف كان ( أوفقير) يرسم في حلق بن بركة بضربات قصيرة، هكذا، ويشتمه بالعربية في نفس الوقت.” فقاطعه الصحفي : ” إذن مات بن بركة ؟ فأجاب فيكون:أتمنى ذلكن هذا نعم أتمنى ذلك ، وسأكون متطوعا لإطلاق رصاصتين على رأسه، قد وضعنا في مشكل…” .تابع الصحفي حديثه ، بأنه علم بأن فيكون التقى ظهيرة ذلك اليوم الصحفي جان مارفيي ، وأنه ثلاثة أيام بعد ذلك سيجل اعترافات فيكون ببطاريات ضعيفة ، وشريط مهترئ ، فجاءت التسجيلات القديمة والحديثة متداخلة وغير مفهومة.
انخرط فيكون في قضية بن بركة بطريقة مباشرة بواسطة عصابة من عالم الانحراف في فرنسا ، كان صديقا لجوليان لوني، وهو الذي أدخله إلى جماعة باريس : جو عطية وبوشسيش وديباي و سارتور وباليس( وكلهم متورطون في اختطاف بن بركة) . كان فيكون مع أصدقائه الجدد ينفذون عملية تهريب الأموال من المغرب والجزائر نحو أوربا ، ويختم الصحفي مقاله عن فيكون، بأنه رآه لآخر مرة يوم 5 يناير 1966 بملتقى مونسينيي وسان أوغستان حوالي الساعة الواحدة والنصف ظهرا ، قال له وهما يلجان مطعما بعين المكان : اقرأ صحافة الجمعة المقبلة، سترى، سيتحولون إلى مجانين. لكن نشر اعترافات فيكون بدأت في الظهور يوم 7 يناير ، بدأ أولا باتهام عميد الشرطة والمراقب العام بوفيي ، أي أن اتهامات فيكون مس أجهزة الأمن أولا ( يلتقي سوشون وفيكون في اتهام بوفيي، الذي أصر على عدم ذكر اسم فوكار في عملية الاختطاف، وهو بالمناسبة الكاتب العام للقصر الجمهوري ) . بعد 10 أيام من بدإ نشر الاعترافات وفي ليلة الاثنين 17 يناير وصباح الثلاثاء 18 ، أعلن عن انتحار فيكون ، رواية لم يكن الصحفي بن إشو مقتنعا بها ، نظرا لمعرفته لفيكون منذ 1961، فقد قال له مرة وهو يتحدث عن الذين ينتحرون بالأقراص المنومة، أن هذه طريقة انتحار خاصة بالنساء ، أما إذا أراد أحد أن ينتحر عليه أن يدخل فوهة المسدس في فمه ويضغط على الزناد . هذه رواية فيكون كما نقلها بن إشو عن الانتحار . لكن الرواية الرسمية قالت أن فيكون أطلق رصاصة على صدغه ، وبين الروايتين بون كبير. ولم يقتنع أحد بقصة الانتحار . فهل أسكت صوت فيكون لأنه أظهر منذ البداية انه عنصر قد يفضح المستور أو أن تصفية فيكون كانت رسالة إلى كل الذين اعتقلوا، وكانوا حينها يخضعون للتحقيق أمام القاضي زولنجر؟ هل لهذه الأسباب انحصرت الاتهامات المتبادلة فقط بين عناصر الشرطة والاستعلامات العامة والمخابرات؟
نجد معطى هاما في المقال الذي نشر في مجلة نوفيل أوبسرفاتور ،2-8 فبراير 1966 ، تحت عنوان: Le “couac” de François Mauriac ، وعلى هامش انعكاسات قضية بن بركة على مجموعة فرانس-مغرب ، اتصل وزير الداخلية فري بفرانسوا مورياك ، الشيء الذي أثار كل المتعاطفين مع قضية بن بركة ، وأثناء الأخذ والرد ، صرح مورياك بأن وزير الداخلية يتهم المخابرات الأمريكية C.IA بأنها وراء مقتل فيكون . وإذا كان هذا صحيحا ن فقناعة وزير الداخلية الفرنسي آنذاك كانت تستبعد انتحار فيكون. وأن عملية القتل استهدفت إسكاته ، لأن اتصالاته تعددت مع الصحفيين.، والكشف عن مكونات الأجهزة الأمنية والسياسية التي اتصلت بلوبيز لتنظيم عملية الاختطاف.
نستطيع أن نفهم دور فيكون من خلال العلاقات التي كانت تربطه بالطرف الآخر، ويتعلق الأمر من جهة بعميد شرطة الاستعلامات جان كاي ، الذي أدار البحث غداة اختطاف بن بركة بشكل غريب ، ومن جهة أخرى بالمحامي البرلماني لومارشان الذي له علاقة حميمية مع جورج فيكون . فقد ورد في مقال صحفي رئيسي خصصته نوفيل أوبسرفاتور ، عدد 2-8 فبراير 1966، لعميد الشرطة كاي( مقال كلود أنجيلي: Un commissaire politique )، انه كان صديقا مقربا لروجي فري وزير الداخلية الفرنسي ، وصديق موريس بابون ، حيث شوهدا معا يتناولان العشاء ليلة موت فيكون ، وفي نهاية المطاف كان كاي أيضا صديقا للمحامي لومارشان. كان عميد الشرطة جان كاي ، مديرا مساعدا للاستعلامات العامة بولاية باريس ، ورئيس الشعبة الثانية ، المكلفة بالشؤون السياسية والاجتماعية ، ويتصرف في معلومات تجمع حول المجتمع السياسي والنقابات والجمعيات وعالم الصحافة،من خلال مخبرين مندسين في كل المؤسسات. ولذلك كان يعرف جل ما يجري في ولاية أمن باريس ، ولا غرو أن يكون الرجل أول من ” قاد ” البحث في بدايته بعد الإعلان رسميا عن اختطاف بن بركة في باريس. والتقى بفيكون أربعة أيام فقط على اختطاف بن بركة، وعلم بما فاه به فيكون في ليلة 29 و 30 أكتوبر حول العملية ، فالتجأ إلى لومارشان ، ربما لمحاصرة فيكون ، لأن لسانه تحرر في حانات باريس. ربما أيضا من باب الصدف أن يكون كاي الضابط الذي تسلم الكولونيل أركو،( أحد الضباط الفرنسيين المتمردين ضد استقلال الجزائر) الذي اختطفه رجال المحامي لومارشان من ميونيخ وحمل حيا إلى فرنسا مخدرا، أي نفس السيناريو الذي كان محضرا للمهدي بن بركة . فهل تمت الاستعانة بنفس الفريق الذي اختطف الكولونيل أركو ، لعمل نفس الشيء مع بن بركة. لقد اشترك في هذه العملية السياسيون و رجال المخابرات الخارجية والاستعلامات العامة والشرطة و نفذها رجال الانحراف والإجرام؟
ماذا جرى إذن صبيحة يوم 2 نوفمبر عندما التقى عميد الاستعلامات العامة كاي بجورج فيكون ؟ جرى حديث بين الاثنين ، لينصرف بعدها فيكون في حالة اطمئنان تام ، بل كما بيننا أعلاه ، وكما أشار إلى ذلك عدد من المحامين ، كان فيكون عمليا تحت حماية الشرطة، ولم يعتقل، في الوقت الذي كان على كاي، إصدار الأمر باعتقاله نتيجة المعلومات التي أسر بها فيكون لكاي. ولو فعل ذلك لأخذت قضية بن بركة مجرى آخر. وفي هذه النقطة بالذات حددت مسؤوليته من طرف المتتبعين للقضية في فرملة فيكون . سنلاحظ أيضا أن عميد الشرطة سيمباي رئيس الشرطي سوشون قد نحى نفس المنحى ، إذ عمل على طمأنة سوشون بأنه تحت حماية جهات عليا ، وسمع سوشون نفس الخطاب بعد لقائه بالمراقب العام بوفيي.
لكن التفسير الرسمي للقاء كاي بفيكون جاء بالرواية التالية : حينما ولج كاي مكتبه في صباح يوم الاثنين 1 نوفمبر ، وبعد أن علم باختطاف بن بركة في باريس ، تلقى مكالمة من مجهول ، ومحتواها أن فيكون متورط في القضية. وسيصرح المحامي والبرلماني لومارشان فيما بعد أن كاي أحال هذه المكالمة إلى الصحفي فليب برنيي ، الذي اعتقل بدوره لمشاركته في الإعداد للاختطاف. لكن المقال الصحفي الذي نشرته نوفيل أوبسرفاتور ،يسرد رواية أخرى، وهي أنه في مساء يوم 30 أكتوبر تلقى كاي مكالمة من صديقه وزير الداخلية روجي فري ، يطلب منه ” التحري” في موضوع الاختطاف . يوم 1 نوفمبر اتصل كاي بصديقه الآخر المحامي لومارشان ، وطلب منه العثور على فيكون، وإذا ما ربطنا هذا بما ذكرناه حول يوم 30 و31 أكتوبر ، حين توصل كاي بمعلومات من مخبريه حول ما تحدث عنه فيكون في حانات باريس ، بخصوص اختطاف بن بركة، فإن كاي قد أسر لوزير الداخلية بما يعرفه عن القضية منذ 30أكتوبر، وأن طلب وزير الداخلية في البحث( عن فيكون) جاء نتيجة معلومات كاي. لم يتوقف فيكون عن “الكلام” حول موضوع بن بركة ، فاتصل كاي بالمحامي لومارشان، يوم 1 نوفمبر، وطلب منه أن يجد فيكون. وقع لقاء في منزل لومارشان يوم الثلاثاء 2 نوفمبر 1965 ، في الساعة الحادية عشرة ، حضره المحامي والنائب البرلماني لومارشان وعميد الاستعلامات العامة جان كاي و فيكون . حكى فيكون كل ما يعرفه عن القضية ، وأنه شارك في اختطاف بن بركة الذي اعتدى عليه أوفقير وأصابه بجروح، وأنه حين غادر فيلا بوشسيش كان بركة حيا. ويضيف مقال الأوبسر فاتور ، أن اتفاق وقع بين فيكون و كاي و لومارشان على أن فيكون لن يتعرض للبحث من لدن الشرطة. وصرح كاي أمام المحكمة أنه أخبر وزير الداخلية روجي فري و سيمفاي مدير ديوان والي أمن باريس وعميد الشرطة القضائية مارشان ، لكن عميد الشرطة بوفيي، وكما أشرنا إلى ذلك من قبل ، لم يصدر أمرا لاعتقال فيكون إلا يوم 6 نوفمبر 1965. وربما هذا الشيء أثار فيكون الذي اعتبر ذلك إخلال بالاتفاق الذي وقع بينه وبين صديقه لومارشان وكاي، وهو ما دفعه لإدلاء بتصريحات متتالية حول عملية الاختطاف ، وتذمره من المحامي لومارشان ، الذي كان يعتبره صديقا. وتسارعت الأمور كما شرحنا ذلك من قبل ، في دور كاي في توجيه البحث سواء لدى الشرطة أو عند اتصاله بلوروا ، في نفس اليوم الذي التقى فيه لوروا في مطعم يلتقي فيه عادة عناصر الأجهزة الأمنية بباريس. . وكما نبه إلى ذلك مقال الأوبسر فاتور المذكور أعلاه ، فإن كاي صرح أمام المحكمة أنه أخبر كافة المسؤولين ، ولم يفصح أمام المحكمة عن أسماء أولئك الذين أمدوه بمعلومات حول قضية بن بركة ،بدعوى الحفاظ على السر المهني، لكن المقال ذكر في النهاية، بالمادة 50 من القانون الجنائي ، الذي ينص على أن أي ضابط في أجهزة الأمن اطلع على تفاصيل جريمة ، عليه أن يخبر وكيل الجمهورية ، وهو الشيء الذي لم يفعله كاي، الذي ربما فضل هذا الحل، وعقابا قد يصل إلى ثلاث سنوات سجنا، عوض أن يقول الحقيقة التي تزن أكثر من هذه العقوبة السجنية.
كان لومارشون في نفس الوقت صديق فيكون المجرم، وكاي عميد الاستعلامات العامة وفري وزير الداخلية ، كان لومارشون ينتمي إلى الحزب الديغولي ، واعتبره البعض رئيسا لعصابة من المنحرفين ، الذين كانوا يوظفون في قضايا سياسية. حاول المحامي والبرلماني أن ينكر أي علاقة مع رجال عصابات ، فقد صرح للقاضي زولنجر و للصحافة غداة انفجار قضية بن بركة أنه لم ير فيكون منذ 22 شتنبر 1965، لكن بعد اكتشاف علاقاته المتعددة ، حول النقاش إلى الحلبة السياسية ، وأعلن أنه يتعرض لهجوم لأنه صديق وزير الداخلية . كشفت مجلة الإكسبريس في عدد خاص حول بن بركة، عن معلومات هامة وردت على لسان لومارشان . روى الصحفي جاك دروكي أنه كان على موعد مع فيكون يوم 14 دجنبر 1965 ، لكن الرجل لم يحضر . بعد ذلك وجد نفسه أمام صديق لفيكون ، ليقول له : ” إن فيكون لن يحضر ، لقد “استرجعه ” لومارشون ، أخبرني بذلك صديقه سيرج الأرميني، الذي اقتسم مسكنه مع فيكون ، إنللومارشون علاقات متعددة ، لا نستطيع مواجهته دون خطر..” . وأضاف الصحفي أن لومارشان اشتكى من القاضي زولنجر لصديقه وزير الداخلية ، وإثر ذلك استدعي وزير العدل القاضي إلى مكتبه .
رفع لومارشان قضية ضد مجلة الاكسبريس ، وفي نفس الوقت طلب لقاء مع طاقم المجلة، وتم اللقاء في مطعم “لادوفين” . كان هذا اللقاء الأول بين لومارشون و دوروكي من مجلة الإكسبريس . حكى المحامي والبرلماني الديغولي أن لا يد له في اختطاف بن بركة، واتهم مصالح المخابرات الفرنسية ” السديك” بأنها أرادت أن تضرب عصفورين بحجر واحد ، تسليم بن بركة إلى المصالح الخاصة المغربية ، وفي نفس الوقت المس بعدد من الديغوليين لأهداف سياسية ، لأن هناك جناح داخل المخابرات الفرنسية ضد سياسة ديغول. واعترف لومارشان بأنه رأى فيكون بعد الاختطاف ، لكنه يلتزم بالسر المهني . في نفس العدد ذكر الصحفي جان مارفيي، أنه أمضى مع فيكون آخر ظهيرة له في هذا العالم ، أي يوم 17 يناير 1966 ، ساعات معدودة من موعد موته ، صرح للصحفي بأن المحامي لومارشون وعميد الاستعلامات العامة جان كاي يريدان موته.
يشبه فيكون إلى حد ما لوبيز في اللعب بالتصريحات من أجل جلب مكاسب ما ، و الظاهر أن اغتيال أو موت فيكون ، كان من وراءه تحذير الآخرين من نفس المصير، إن أطلقوا العنان لألسنتهم ، وهذا ما نستنتجه من تصريحات عدد من المتهمين ، الذين فضلوا تحمل المسؤولية فيما هم متهمون فيه عوض الكشف عن التراتبية في تسرب قرار تصفية بن بركة داخل الأجهزة الأمنية الفرنسية المختلفة.
داخل تصريحات فيكون المختلفة استمعت المحكمة إلى رسالة من عشيقة سابقة، وجهتها إلى القاضي زولنجر يوم 17 فبراير 1965 ، وقرأت في جلسة 20 شتنبر 1966. وأهم ما جاء في هذه الرسالة أن فيكون التقى بلوبيز في نفس اليوم مباشرة بعد الغداء في مطعم دو ماكو ، حيث ترك سيارته قبل ذلك ، لينقل بن بركة في سيارة الشرطة إلى فيلا بوشسيش ، وقال لوبيز لفيكون أن كل شيئ مر على ما يرام ، وأن بن بركة تحت تصرفه. وإثر ذلك توجه فيكون إلى فونتناي ، ليلتقي هناك لوني.
في ملفات المحاكمة الأولى ، توجد شهادة لسيدة ممثلة، تدعى آن ماري كوفيني، كانت لها علاقة بفيكون في زمن اختطاف بن بركة ، وقد سبق للشرطة أن استمعت إليها ، وكما ورد في جريدة لوموند بتاريخ 28 يناير 1966، أنها تعرف فيكون منذ الصبا ، وأنه زارها عدة مرات منذ شهر نوفمبر ، وأدلى لها بمخاوفه من التعرض لعملية اغتيال. أدلت نفس السيدة أمام محكمة الجنايات بباريس ، في جلسة الجمعة 30 شتنبر 1966 ، ذكرت هذه السيدة ، أن فيكون حكى لها أنه ذهب في طاكسي وحيدا إلى فونتناي ، لتسلم نصيبه من المال، وأن بن بركة كان هادئا جدا، على العكس من ذلك لم يستطع تسلم نصيبه من المال الموعود. وأنه عاد إلى بريس مع لوني، وأنه قيل لهم سيأخذون نصيبهم في الأسبوع المقبل، وانه ترك بن بركة في هذا اليوم سالما دون أثر للعنف.
في نفس اليوم أدلت سيدة أخرى تدعى فرانسواز أرنول ، بتصريح للمحكمة ، بحكم علاقتها مع فيكون. أكدت نفس المعلومة السابقة في أن فيكون ترك بن بركة سالما يوم 29 أكتوبر ، وانه ذهب إلى فيلا بوشسيش لتسلم المال فقط ، وأنه رأى بن بركة لآخر مرة في اليوم التالي ، وعندما سألها الريس ، هل تعتقد أن بن بركة أمضى ليلة في فيلا بوشسيش، أجابت بنعم ، وعن الحالة التي ترك فيها فيكون بن بركة لآخر مرة، أجابت هذه السيدة أن فيكون كان بالفعل في فيلا بوشسيش، لكنه لم يجد نفسه في نفس المكان مع بن بركة، وانه حالته كانت سيئة واستعمل مصطلح maltraité.
لوروا فانفيل و الكولونيل بومون : حلقة الاستخبارات الفرنسية
أبرزت جلسات المحاكمة الأولى والثانية أن كلا من لوروا و بومون يتجادلان مسؤولية ما قع داخل مصالحهما، ويحاول كل واحد منهما أن يوجه الاتهام للآخر. يقول البخاري أن لوروا كان متعاونا لدى مصالح الكاب 1 ،كالشرطيين سوشون وفواتو ، وكما أبرزنا ذلك من قبل ومن خلال الوثائق الموظفة في هذه الدراسة أن الحلقات الصغيرة داخل المخابرات الفرنسية والشرطة والاستعلامات العامة كانت ضحية لآلة كبيرة في أجهزة الدولة الفرنسية ، تمتد من المؤسسات السياسية إلى الأجهزة الأمنية المختصة ،( أنظر تصريح البخاري للاتحاد الاشتراكي 7 غشت 2001) . ويظهر ذلك جيدا عندما لف بومون الخناق حول لوروا، تدخل دفاع هذا الأخير ليهدد بومون بإفشاء عدد من الأسرار التي تدخل فيما كان يعرف أثناء المحاكمة بسر الدفاع الوطني. وكاد لوروا أن ينفجر في جلسة السبت 1 أكتوبر1966، عندما توجه إلى رئيس المحكمة قائلا: أن عليه أن يثبت براءته، لكنه محصورا سر الدفاع الوطني، وإذا فعل ذلك، فإنه سيجد نفسه مباشرة معتقلا أما محكمة أمن الدولة. وهذا التصريح قد يكون أيضا تهديدا للمسؤولين السامين المتورطين في القضية، ويبدو أن هذا التصريح قد أصاب هدفه، على الأقل أثناء المحاكمة، إذ ظهر لوروا في جلسة الاثنين 3 أكتوبر أكثر هدوءا.
تسائل الدفاع أثناء المحاكمة حول تصرفات مصالح المخابرات الفرنسية أثناء الإعداد لعملية الاختطاف، وهل ما وقع كان نتيجة مشاركة المصالح في العملية أم أنه تقصير من جانبها، وخلص المحامي ثورب إلى القول بأنه داخل المصالح التي توجد بين القيادة والمصالح الصغرى تقع مسؤولية التغطية حول عملية الاختطاف. كان الكلام موجها إذن إلى الكولونيل ببومون، والذي لاحظ الجميع أن البحث الذي فتح داخل المصالح لتحديد مسؤولية المخابرات الفرنسية، وقع تحت مسؤولية وإشراف الكولونيل بومون، فهو إذن الخصم والحكم.
صرح الوزير الأول جورج بومبيدو أمام الجمعية الوطنية ليوم 6 ماي 1966 بأن مصالح S.D.E.C.E شاركت طويلا في المعارك الاستعمارية ، وأن بعضا من أطرها احتفظ بسلوكات وعلاقات تعود إلى هذه الفترة. نجد في تصريح الوزير الأول هذا نوعا من الاعتراف بأن أطرا داخل المخابرات شاركت من قريب أو من بعيد في عملية تصفية بن بركة، والإشارات إلى العلاقات والأساليب التي تعود إلى عهد الاستعمار قد يعني بها أيضا الروابط التي كانت قائمة بين أوفقير الضابط العسكري السابق في الجيش الفرنسي وبعض زملائه، الذين أصبحوا قادة و مسؤولين داخل المؤسسة العسكرية أو جهاز المخابرات الخارجية. وربما إلى هؤلاء كان لوروا يصدر تهديده بالكشف عن أسرار الدفاع الوطني.
قبل اختطاف بن بركة كانت مصالح S.D.E.C.E تابعة للوزير الأول ، ثم حولت إلى وزارة الجيوش بعد ذلك ، طرح الجميع آنذاك مسؤولية الوزير الأول عما حدث لابن بركة ، لكن الإجابة كانت تقول دائما أن كل المعلومات المتعلقة باختطاف بن بركة، لم تصل أبدا إلى الوزير الأول ، الذي تدخل يوم 6 ماي 1966 أمام الجمعية الفرنسية ، في الوقت الذي كان فيه وزير الداخلية فري يلقي خطابا ، وذكر أنه منذ أن عرف أن أحد رجال المخابرات متورط في القضية، تم تفحص كل الوثائق المرسلة من S.D.E.C.E ،ابتداء من شهر ماي ، ولم يعثر في أي منها ما يفيد بمخطط اختطاف بن بركة.
ومهما يقال عن التغطية السياسية لعملية اختطاف بن بركة فوق التراب الفرنسي ، فإن المسؤولية قائمة بالنسبة للوزير الأول ، وقد قام المجلس الوزاري المنعقد يوم 19 يناير 1966 بتبني قرارين لهما بعد سياسي بالنسبة للوزارة الأولى ، وربما شك الجنرال دوكول بتورط مسؤولين كبار في مصالح الوزير الأول . يتعلق القرار الأول بإقالة الجنرال جاكيي وتعويضه بالجنرال كيبو على رأس مصالح المخابرات ، و سحب S.D.E.C.E من الوزير الأول وإلحاقها بوزارة الجيوش. الزمن الذي يفصل بين تاريخ اختطاف بن بركة وتاريخ هذين القرارين هو تقريبا ثلاثة أشهر ، وهو زمن البحث والتحري وجمع معلومات كانت السند الحقيقي للقرارين المذكورين. لكن S.D.E.C.E ذكرت أمام المحكمة أن أوامر جاءت من أعلى ، من ديوان الوزير الأول ، تطلب عدم إزعاجه بالمعلومات المتعلقة باختطاف هذه الشخصية أو تلك.
صرح علي بوريكات ، على هامش قضية بن بركة ، أنه تعرف على ضابط فرنسي كبير في المخابرات الفرنسية يسمى لوليليوس، كان الفرنسيون الأربعة الذين أدينوا من لدن المحكمة غيابيا ، يعملون تحت إمرته ، ويتعلق الأمر ببوشسيش و ديباي و باليس و لوني، وأضاف ذلك الضابط ، وفق شهادة بوريكات ، سيأتي اليوم الذي سأكشف فيه للجميع عن حقيقة المهدي بن بركة ومدى تورط فرنسا في هذه العملية.( أنظر الأحداث المغربية24 يوليوز 2001)
استندت تبريرات الوزارة الأولى ومصالح الأمن الفرنسية بأنه لم تكن هناك شكوك حول ما تعرض له بن بركة، نظرا لورود أخبار حول الاتصالات التي قائمة بين القصر وبعض المعارضين المغاربة بهدف عودتهم ومشاركتهم في حكومة مقبلة. لكن وكما شرحنا ذلك في سابقا، وكما فسر ذلك بدقة عبد الرحمان اليوسفي في شهادته أمام المحكمة، أنه منذ شهر يوليوز، لم تعد هناك اتصالات، وما كتبه بن بركة في مقدمة، الاختيار الثوري، والمؤرخ في يوليوز 1965، خير دليل على القطيعة التي كانت قائمة بين المسؤولين المغاربة وبن بركة. وهذه المعطيات جميعها، والتي تهم بلدا له مصالح استراتيجية واقتصادية وسياسية، لا يمكن أن تغيب عن المؤسسات السياسية والعسكرية في فرنسا، إن لم يكن العكس هو الصحيح، إي أن هذه القطيعة، إضافة إلى الإعداد لعقد مؤتمر القارات الثلاث، والبعد العالمي لشخصية بن بركة هي التي عجلت بنهايته، والحالة هذه لا يمكن للمصالح الفرنسية أن تكون غائبة عن هذا السياق، وان تبرر عدم علمها بمخطط اختطاف بن بركة، بأن هناك اتصالات قائمة بين زعماء المعارضة والقصر. إن هذه المؤسسات هي أعلم بما يجري من أحداث سواء داخل التراب الفرنسي أو المغربي، وقد أثير إبان المحاكمة وما بعدها دور السفارة الفرنسية في الرباط، والتي لمح الجميع إلى أنها أكبر سفارة فرنسية في العالم ولها امتدادات متنوعة. ولم تستطع المحكمة أن تكشف شيئا من السفير الفرنسي آنذاك روبير جلي، الذي رفض الإجابة على أي سؤال متذرعا بالسر الدبلوماسي .
سبع سنوات بعد عملية الاختطاف والاغتيال وإصدار الأحكام المعروفة من لدن محكمة الجنايات بباريس ،كان لوروا وفواتو يأملان في العودة إلى العمل، أملا ، ربما في تلك التغطية الموعودة، لكن مجلس الدولة أقر بمسؤولياتهما في ما حدث ، وأصدر قرارا نهائيا في الفصل من العمل.( جريدة لوفيغارو. 4 غشت 1972 )

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق