المتابعون

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

حول اختطاف المهدي بن بركة-7-

 الطرح الجنائي : تعددت روايات القتل والجثة واحدة

تعددت إذن المصادر التي كشفت أو باحت بجزء مما وقع ، وبتعدد الروايات تعقدت الحقيقة المرتبطة بمصير بن بركة ، الذي تحولت منذ ظهيرة يوم 29 أكتوبر 1965 ، إلى خيوط دخان ،ونكتشف في كل رواية أننا كنا نطارد خيط دخان، ومع كل رواية تتحول الحقيقة إلى سراب، مع أن عدد من الرواة كانوا شهودا على فصل من فصول قصة الرجل الذي توفي منذ ما يقارب الأربعين سنة ، لكن لا أحد استطاع دفن جثته . ويمتد قبر بن بركة عميقا في  زمن  قارب الأربعة عقود ، وفي جغرافية، تنكسر أطرافها من ضواحي باريس إلى تربة دار المقري في ضواحي الرباط   تناقض الروايات يعقد حالة مصير الرجل، فالآمرون والمنفذون لعملية الاغتيال متعددوا الجنسية والمصالح ، وتظهر وكأنها مجموع حلقات كلما أزيلت حلقة ، تبرز حلقة أخرى وهكذا دواليك ، وتبدو القضية أشبه ما تكون بالدمية الروسية ، التي لا تنتهي.

تكاد الروايات جميعها تجزم بأن بن بركة انصاع لطلب سوشون وفواتو بمرافقتهما ، ولم يبد أي مقاومة. ولعل في هذا تبرير لما كتبه جيل بيرو حول الموعد الذي كان مقررا يوم السبت بين بن بركة و مسؤولين في قصر الجمهورية ، وربما اختار مهندسو عملية الاختطاف ، مخاطبة بن بركة – عن طريق ضابط الشرطة سوشون- بالموعد مع شخصية سياسية ، وفي الوقت الذي كان فيه بن بركة يفكر ، وفق هذا السياق ، في موعد الإليزي ، كان سوشون يفكر في موعد بين بن بركة وشخصية سياسية مغربية . وعندما نتصفح تصريحات سوشون منذ جلسات الاستنطاق الأولى إلى روايته حول الموضوع للصحفي برناردفيولي ، في كتابه ” قضية بن بركة ” ، الصادر بباريس سنة 1995 ، مرورا بكتاب سوشون نفسه ” أصمت أيها المتهم “، نستنتج أن الشرطيين الفرنسيين كانا فقط منفذين لأوامر صادرة من جهات عليا داخل جهاز الأمن ووزارة الداخلية ، الشيء الذي جعل الرجلين يسقطان في فخ العملية. وكشف الصحفي برناردفيولي في كتابه المذكور أعلاه أن جهات ما داخل جهاز الأمن الفرنسي تكلفت بأتعاب المحامين وبتعويضات الشرطيين . كما كشفت تحقيقات هذا الصحفي أن صاحب المكالمة الهاتفية من ” السيد أوبير ” ، في خط هاتفي داخلي للأمن الفرنسي ، صباح يوم 29 أكتوبر 1965 ، إلى سوشون للتأكد من أن هذا الأخير سيكون في الوعد ، قد أبانت أن المسألة قد تتعلق بجاك أوبير ،مدير ديوان وزير الداخلية آنذاك روجي فري ، وقد تكون أيضا صادرة من كابرييل أوبير ، أحد ضباط الأمن الفرنسي الذي كان منتميا إلى أمن باريس ، وهو من الضباط الفرنسيين الذين اشتغلوا في الاستعلامات العامة بالمغرب ، ابتداء من سنة 1954، في الوقت الذي تأججت فيه المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي ، وعمل أيضا في الأمن المغربي إلى سنة 1959، ويعرف الساحة السياسية المغربية بامتياز، وقد تم اعتقاله إبان المحاكمة الأولى ، لكن لا أحد علم بمحضر الاستنطاق ، بما فيهم هيءة المحكمة والإعلام الفرنسي، وفي هذا دلالة كبيرة ، وتأكيد على الخط الذي اتبعته جهات أمنية متعددة داخل الدولة الفرنسية ، وإقبار الحقيقة المتعلقة بعملية اختطاف واغتيال بن بركة.

كانت الأجهزة الأمنية الفرنسية مكتظة بعدد من العملاء والضباط والمسؤولين الذين كانت لهم مواقف من الحركة الوطنية المغربية ، ويعرفون جيدا قادة المقاومة وجيش التحرير والقادة السياسيين ، ولذلك كانت عملية الاختطاف تجري تحت غطاء عدد من هؤلاء، بل إن موريس بابون والي أمن بريس ، اشتغلكاتبا عاما للحماية الفرنسية إلى جانب مهام أمنية بالرباط ، ومن ثم فهو يعرف جيدا بن بركة ، وكانت كافة الأجهزة الأمنية الفرنسية عالمة بوصول بن بركة إلى باريس ، عن طريق شرطة مطار أورلي. وإذا كانت أطراف داخل الجناح الدوغولي تعرف مسبقا بالاستقبال المرتقب لبن بركة في قصر الإليزي ، فالنتيجة أن عملية الاختطاف جرت كمشهد على خشبة المسرح كان المتفرجون فيه عدد من المسؤولين الفرنسيين ومن عناصر المخابرات الفرنسية ومن الموساد ومن المخابرات الأمريكية.

ورد في الجريدة الفرنسية الساخرة ، لوكنار أونشيني في يناير 1975 ، أولى المعلومات حول مراقبة الاستخبارات الأمريكية لعملية الاختطاف ، من خلال ذكر ثلاث أسماء:  Vernon Walters ، الرجل الثاني في  جهاز الاستخبارات الأمريكية العاملة في أوربا ، و Henri Tosca ، السفير الأمريكي بالمغرب إبان عملية الاختطاف،  و Robert Wells  أمريكي قاطن بالقاعدة العسكرية بالقنيطرة ، والذي كان يطلق عليه سفير السيا في المغرب . هذه الأسماء سبق ذكرها في شهادة صحفية تسمى Annette Lena  ، أدلت بها إلى محامي الطرف المدني إبان انعقاد المحاكمة ، ويتعلق الأمر بما فاه به صديقان لها يوم الاختطاف،  عندما كانت هذه الصحفية صحبة الكاتبين في مقهى ليب ، وعندما سألت الصحفية زميلها فيما إذا كان إزرا بوند سيتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية همس زميلها في إذنها : ” لا تتفوه بهذا أمام أحد رؤساء السيا بباريس” . كان الأمر يتعلق بشخص يجلس في الطاولة الأمامية لواجهة المقهى  ، وإلى جانبه جلس رجل آخر متميز بطوله وملامحه السمراء ، تحرك كثيرا بين مقهى ليب ومحل آخر قريب منها. وعندما خرجت الصحفية من المقهى صحبة صديقيها، في الساعة الواحدة وخمس وأربعين دقيقة ظهرا، لمحت رجل السيا  والرجل الآخر على الرصيف قريبا من نفس المكان. كان رجل السيا خلالها يحمل حقيبة سوداء . وأن احد صديقيها Jean-Edern Hallier  تحدث إلى الرجلين مباشرة بعد خروجهم من المقهى، وأن الرجل صاحب الملامح السمراء قدم لهم كمثقف من أمريكا اللاتينية، لكن الصحفية قالت إنه لا يتحدث اللغة الفرنسية بلكنة أجنبية. وعندما ذكرت الصحفية صديقها فيما بعد بحدث اختطاف بن بركة أمام مقهى ليب وحضور رجل السيا ، نبهها هذا الصديق إلى عدم ترديد هذا أو أنه لم يقل لها شيئا. هذه الصحفية المصورة ستلقى حتفها بعد ذلك في حادثة سير .

اختلفت الروايات أيضا حول ردود فعل بن بركة حين صعوده سيارة الشرطة.

رواية بوريكات ، نقلا عن ديباي وبوشسيش ولوني وباليس، الفرنسيين ، تقول أنه بمجرد دخول بن بركة إلى سيارة الشرطة وجه له لوني لكمات ، فقد بعدها الوعي ، وحين وصوله فيلا بوشسيش شد وثاقه إلى حين وصول أوفقير والدليمي ، و تم تعذيبه بشدة إلى أن أجهز عليه أوفقير بخنجر.

رواية البخاري تقول أنه بعد حمل بن بركة إلى فيلا بوشسيش عومل بأدب وكياسة ، وأنه كان يتناقش مع مغاربة كانوا حاضرين في الفيلا ، ويتعلق الأمر برجال الكاب 1 ، لكن مع حضور الدليمي في مساء نفس اليوم ، شد وثاق بن بركة وبدا الدليمي في تعذيبه مع حقنه بمخدر ، ومع وصول أوفقير بعد منتصف الليل حقن بن بركة مرة ثانية بمخدر ، لكنه فقد الوعي نهائيا ليسلم الروح بعد ذلك، وهذه الرواية هي الوحيدة التي تقول بقتل بن بركة على يد الدليمي و أوفقير في ليلة 29 أكتوبر 1965. وحمل في صبيحة الأحد 31 أكتوبر إلى المغرب ليتم تذويب جثته في حوض بدار المقري في نفس اليوم.

رواية توفيق أوفقير تقول بافتراضين، الأول هو أن بوشسيش  ضرب بن بركة بعقب مسدس على قفاه بمجرد دخوله الفيلا ، وأن هذا الأخير لم يتحمل الصدمة فتوفي على الفور ، خصوصا وأن عملية جراحية أجريت له في نفس الموقع  عندما تعرض ” لحادثة” ، وأن أوفقير أرسل إلى عين المكان لفك تداعيات المشكل.

الافتراض الثاني ، ويتعلق بالمخدر الذي حقن به بن بركة من أجل استنطاقه قد هيئ من لدن مصالح سرية أخرى، للإجهاز مرة واحدة على بن بركة ، وأن خطة الموت السياسي تحولت إلى جريمة قتل،( وهي رواية ورد أصلها في المقال الذي كتبته جوزيت عاليا في النوفيل أوبسرفاتور . 2 فبراير 1966)، و يتابع أوفقير الابن أن الهدف من ذلك هو التخلص من بركة، وفي نفس الوقت محاصرة الجنرال أوفقير في وضعية تقطع عنه كل الارتباطات الخارجية ، في حالة تفكيره في انقلاب عسكري.

روايات لوبيز حول موت بن بركة تتنوع حسب السياق الذي تبلورت فيه ، لكنه بصفة عامة يقول إن بن بركة مات يوم وصول أوفقير والدليمي ، أي يوم السبت 30 أكتوبر 1965 ، وأن الجثة دفنت في غابة بأحد ضواحي باريس. في نفس السياق تنحو رواية الفرنسيين الأربعة لبوريكات ، التي تقول إن اثنين منهما وهما ديباي و لوني ، قطعا جثة المهدي، في حين تكلف باليس بإيصال الرأس إلى أوفقير ، الذي نقله إلى المغرب، وتم تسليم باقي الجثة إلى فرنسيين آخرين وهما Pilet  و Berthau  ، اللذان أخفيا الجثة في الاسمنت المسلح بمنطقة لواري. ويضيف بوريكات أن الرأس تم دفنها فيما بعد في دار المقري.( الصحيفة ، عدد 27. 20-26 يوليوز 2001 ). في نفس السياق تدوولت في فرنسا قصة المجرم الفرنسي Christian David ، الذي قتل أواخر يناير 1966 عميد الشرطة Galibert، ، والذي كان ينقب في قضية فيكون ، بعد “الانتحار”، وهرب كريستيان دافيد إلى البرازيل وأثناء اعتقاله صرح أنه تلقى أموالا هامة لإخفاء جثة المهدي بن بركة. سلم صاحب السوابق هذا إلى الولايات المتحدة حيث حكم عليه ب 20سنة سجنا . بعد عودته إلى فرنسا سنة 1990،  طرحت عليه القاضيةCatherine Courcol  سؤالا حول تصريحاته بصدد إخفاء جثة بن بركة، فأجاب أن أصدقاء له طلبوا منه إخفاء الجثة في حوض من الجير الساخن.

قد تكون هذه الروايات صحيحة إذ تلتقي في نقاط مشتركة ، لكن السياق الزمني الذي وضعت فيه قد يؤثر على مصداقيتها، إذ ربما تهدف إلى فتح بصيص من الأمل في الإنقاذ خصوصا إذا كان صاحبها مهددا بالموت ، وهي تصريحات تقصد فتح ملفات قضائية لعدم تطبيق حكم معين أو لوضع الأشخاص المعنيين تحت المساءلة القضائية لتجنيبهم مصيرا مجهولا، أو لإثارة الإعلام والرأي العام العالمي.

رواية فيكون التي نشرت في مجلة الاكسبريس 10 يناير 1966، تقول إن بن بركة عند إيصاله إلى فيلا بوشسيش أدخل إلى غرفة في الطابق الأول ، كان الرجل هادئا ، وأخرج كتابا من حقيبته، وطلب الشاي من ” مضيفه ” . صعد بوشسيش إلى الغرفة ليخبر بن بركة أنه وقع إكراه في الموعد ( مع شخصية سياسية ) الذي سيتأخر. بعد ذلك خلد بن بركة إلى النوم ، قام الفرنسيون بالاتصال بأوفقير والدليمي هاتفيا. أخبر ديباي بن بركة بأن الموعد تأخر إلى يوم السبت ، كما حملت إليه وجبة طعام  طبخته الخادمة المغربية في فيلا بوشسيش ، لكنه لم يأكل أي شيء،  في حين طلب المزيد من الشاي . وبعد نقاش بين ديباي وبن بركة استسلم هذا الأخير إلى النوم . في ظهيرة يوم السبت وصل الدليمي مصحوبا بالعشعاشي على متن سيارة لوبيز. دخل الجميع إلى بهو الفيلا ، حيث وضعت عدة أشياء أحضرها المغاربة. كان الدليمي وفق رواية فيكون ، منشرحا وباردا. عندما سأله بوشسيش ، ما ذا سنعمل ببن بركة ، أجابه الدليمي بشكل قاطع : سنصفيه ، فتساءل صاحب الفيلا مرة أخرى : كيف ، رد عليه الدليمي : هنا ، وبعد ذلك ندفنه في حقل. لكن بوشسيش اعترض في البداية على هذا ، لأنه لم يكن هناك اتفاق على قتل بن بركة. وبعد نقاش بين الدليمي والفرنسيين ، انتهى الأمر إلى وضع مخدر في فنجان شاي حمله ديباي إلى بن بركة” لتجنب مفاجأته” ، وانتظر الجميع ربع ساعة ، بعدها دخل بوشسيش وديباي وباليس ولوني إلى غرفة بن بركة ، الذي انتفض قائلا : ماذا يجري ؟ ، فوجه له بوشسيش لكمة، وانقض عليه الجميع بالضرب ، لكن شهادة فيكون تقول بأن بن بركة قاوم بشدة ، وهو الشيء الذي أثار ديباي ، فضرب بن بركة بأثاث على الرأس . أصبحت حالة الرجل يرثى لها من كثرة الضرب . بعد ذلك صعد الدليمي والعشعاشي إلى غرفة المعركة ، وعندما رأى بن بركة الدليمي أدرك نهايته . بدأ باليس بشد وثاق رجليه . بعد حضور أوفقير أخد خنجرا في يده وصعد إلى الطابق الأول ، وعندما رآه بن بركة بدأ في العراك مجددا بيديه الطليقتين ، وإذاك قال أوفقير : إني أعرف طريقة لتهدئته ، وبدأ يغرس الخنجر في رقبة بن بركة ، وفي أعلى الصدر. حمل بن بركة بين الحياة والموت إلى قبو فيلا  لوبيز غير بعيد عن سكن بوشسيش . هناك التقوا رجلا لم يكن معهم في فيلا بوشسيش( يقول لوبيز في رواية أخرى أن رجالا مغاربة كانوا موجودين في فيلته عندما عاد إليها يوم مساء يوم السبت، في رواية البخاري أن رجال الكاب 1 كانوا في فيلا بوشسيش ) ويعتقد فيكون أنه الرجل الذي حمل أوفقير بسيارة إلى فيلا بوشسيش. وهو الذي شد وثاق بن بركة إلى مسخنة كبيرة في القبو ، إلى درجة أصبح تنفسه بطيئا. بعد ذلك صعد الجميع إلى صالون الفيلا ، وهناك شرح لهم أوفقير أنه لم يحمل معه مستحقاتهم المالية ، وأنه غير راض على إجراء العملية في التراب الفرنسي. ولامهم على عدم اختطاف مرافق بن بركة، الطال التهامي الأزموري ، وأن الخطأ سيكون أعظم إذا ما لم يلزموا الصمت ، وأن أي خطإ سيكون قاتلا. بعد ذلك بدأ الجنرال في تفتيش محفظة بن بركة . وقال إن الأمر لا يتعلق فقط بتنحية خصم سياسي ، فبن بركة عدو لفرنسا وللإنسانية. وشكر في النهاية أعضاء عصابة باريس ، وأنه سيكون بحاجة إليهم في المستقبل.

في الزمن القريب جدا من عملية الاختطاف قامت الصحفية الفرنسية جوزيت عاليا بإنجاز روبورتاج عن الاختطاف بالمغرب ، ومن ضمن خلاصاتها في المقال المنشور في النوفيل أوبسرفاتور، 2 فبراير 1966، أن همسا يجري بالرباط ، وفي أماكن خاصة ، مفاده أن الأمريكيين فرضوا أن يتحول مشروع اختطاف بن بركة وحمله إلى المغرب ، إلى عملية تصفية جسدية. غير أن الصحفية الفرنسية لم تفصح عن مصادر خبرها هذا ، هل هي أوساط مغربية أم فرنسية ، لأنه في نفس الوقت اتهمت شخصيات وزارية فرنسية المخابرات الأمريكية بالضلوع في عملية الاختطاف والاغتيال.

يمكن بصفة تقريبية تقديم  الخلاصات العامة للروايات المتعلقة بقضية بن بركة:

1)     إن عملية الاختطاف قد تمت يوم 29 أكتوبر 1965، بتخطيط كبير اشتركت فيه المخابرات الفرنسية وجهات نافذة في أحهزة الأمن والاستعلامات العامة ، إضافة إلى المخابرات الأمريكية والموساد ورجال المخابرات المغربية.

2)     نفذ عملية الاختطاف رجال من الشرطة الفرنسية وعملاء السديك وأصحاب سوابق سبق لهم ان اشتغلوا لنفس الجهاز في اختطاف أركو ، كولونيل فرنسي هارب إلى ألمانيا، وسلم في ظروف خاصة للشرطة الفرنسية.

3)     تم الاحتفاظ ببن بركة في فيلا بوشسيش من يوم الجمعة 29 أكتوبر إلى يوم السبت 30 أكتوبر إلى حين حضور الدليمي قادما من الجزائر في ظهيرة ذلك اليوم ، وأوفقير في مساء نفس اليوم قادما من المغرب.

4)     تلتقي شهادة المشاركين في العملية ديباي ولوني  و بوشسيش مع روايات أخرى حول دفن أجزاء من الجثة في منطقة اللواري أو تذويبها ، لكن هذه المرة في فرنسا، في حوض جيري ساخن . لكن رواية فيكون تقول إنهم غادروا فيلا لوبيز وكان حينها بن بركة في حالة سيئة ولكنه حيا ، وهي التصريحات التي أكدتها عشيقات لفيكون تحدث لهن عما وقع لبن بركة ، وأدلين بشهادتهن أما محكمة الجنايات بباريس .

5)      يبدو أن مصير بن بركة حيا أو ميتا أوكل إلى الطرف المغربي، كي لا يبقى أثر للجريمة في فرنسا. وقد يكون قد حمل حيا إلى المغرب، حيث لاقى حتفه في قبو ما، كما وقع لبعض من معتقلي تازمامارت.

6)       تشترك عدد من الروايات في أن بن بركة قد حقن أو شرب مخدرا عند احتجازه في فيلا بوشسيش.

7)     أدلى أوفقير والدليمي بتصريحات ، تؤكد اليوم أنهم كانوا ضالعين في عملية الاختطاف والاغتيال وإخفاء الجثة. والغريب في الأمر أن لوني الذي كان موجودا بالمغرب كتب إلى قاضي التحقيق الفرنسي نفس الرواية التي أدلى بها الدليمي لصحيفة الحياة ( 19/10/1966 )، وهي بلا شك نفس الرواية التي رواها الدليمي للمحققين الفرنسيين.وملخص هذا التصريح أنه كان بباريس للالتقاء ببن بركة والتأكد من عودته إلى المغرب، وأنهم فوجئوا في باريس باختطافه، واتصل المختطفون بهم ليعلموهم أن بن بركة بين أيديهم ، وأنهم مستعدون لحمله إلى المغرب مقابل فدية مالية، وأنهم قبلوا بشروط المختطفين في حالة عودته حيا وسالما. لكن الدليمي يقول إنهم تركوه حيا في باريس.

8)     تبدو رواية البخاري حول نهاية بن بركة يوم 29 أكتوبر 1965 منفردة عن الروايات الأخرى الصادرة من الفاعلين عن طريق رواة مختلفين، لكن هذه الرواية تقتضي إلغاء روايات بوشسيش وديباي و لوني وباليس و فيكون ولوبيز وغيرهم . كما تفترض حضور أوفقير والدليمي في باريس يوم الاختطاف ، كما تفترض تأكيدا من السلطات الجزائرية بأن الدليمي غادر الجزائر ، والتي كان في زيارة رسمية لها ، يوم 29 ، وليس          30 أكتوبر. بيد أن رواية البخاري، وإن كانت لها أهمية خاصة، تعتريها عيوب كثيرة في الشكل والجوهر.

كان بن بركة عالما بالمخطط الذي كان يستهدفه ، فقد كتب في بداية 1965 إلى الصحفية Christiane Darbor ، ما يلي :

” J’ai du quitter Genève précipitamment pour Rome afin d’éviter le sort d’Argoud. Je ne peux pas aller à Paris. J’y suis menacé. Paris truffé de policiers marocains et je pourrais être élevé à Orly même”.  Bernard Violet. ” L’affaire BenBaeka” . op . cit p 143

من غرائب الصدف أنه وقع لبن بركة نفس ما وقع للكولونيل أركو ، وعلى يد نفس الأشخاص تقريبا ، وتحت إشراف جهاز السديك ، لكن مصيره كان أسوء مما وقع لأركو.

الطرح السياسي : ” الحقيقة تنتقم من التزوير “

بسطنا في دراستنا هذه حدث اختطاف واغتيال بن بركة في سياق التحولات السياسية التي عرفها المغرب منذ 1960 ، والصراع الذي اندلع بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وأطراف عدة ، صراع حول المسار الذي يجب أن يأخذه المغرب آنذاك ، وكان إجهاض حكومة عبد الله إبراهيم مؤشرا لتحولات في موازين القوى ، كان بن بركة أحد ضحايا هذا التحول رغم أن الضربة الأولى جاءت من ذوي القربى داخل حزبه، وعمل زمن المنفى الأول على تبلور شخصية جديدة لبن بركة ، وعندما عاد إلى المغرب في ماي 1962 ، وجد الاتحاد الوطني قد تحول إلى أداة في يد الجهاز النقابي  ، وكان منتصف سنة 1962 زمن الاقتناع الكلي لبن بركة في الربط بين الأداة التنظيمية والأهداف السياسية والاستراتيجية التي ينبغي أن يسلكها ” الحزب الثوري” . قناعة أثبتتها الأحداث عندما كان بن بركة يعاين في الجزائر وسوريا عشرات من قيادات المقاومة وجيش التحرير في المنفى من أجل وطن كانوا على استعداد كلي من أجل الاستشهاد في سبيله، إبان سنوات الاستعمار. وكانت حياتهم مستهدفة أكثر من مرة. رغم مشاركة بن بركة في الانتخابات التشريعية التي جرت في ماي 1963، وفوزه بمقعد يعقوب المنصور، فقد غادر بسرعة المغرب في 15 يونيو لإدراكه أن مغرب ذلك الزمن لم يعد أمنا، كما أن الحزب الذي أسسه في سنة 1959، لم يعد أيضا تلك الأداة التي يمكن أن تحقق الأهداف التي كان بن بركة يعتقد أن الشعب المغربي يستحق أن يصل إليها.

ويمكن أن نضع عملية اختطاف بن بركة في السياق السياسي الداخلي بالعودة إلى كل الخطب والندوات الصحفية الرسمية ، وتصريحات مبعوثي الحكومة المغربية إلى عدد من الدول لشرح موقف الحكومة المغربية من الحدث.إن النقاش الذي جرى في حينه بين المغرب وفرنسا انصب أساسا على رد الفعل القوي للجنرال دوغول على حدث الاختطاف، في حين لزمت الطبقة السياسية الرسمية الصمت ، إلى أن مرت زوبعة دوغول. وكان ظاهرا من خلال التغطية الصحفية الفرنسية لتفاعلات قضية بن بركة على الساحة السياسية الفرنسية ، انه منذ اليوم الأول كان الخطاب هو المحافظة على مصالح فرنسا الاستراتيجية في المغرب، ولذلك نزعت تصريحات بومبيدو الوزير الأول آنذاك ، وفري وزير الداخلية إلى تحويل حدث اختطاف بن بركة في التراب الفرنسي إلى حادث شارك فيه عدد من الفرنسيين الذين كانت لهم ارتباطات بالماضي الاستعماري الفرنسي . كان الطرف المغربي حينها يمارس عملية دفاع تعتمد على إخراج أوراق متتالية تجاه فرنسا ، بدءا بالكتاب الأبيض وانتهاء بالتهديد الذي وجه مباشرة إلى الجنرال دوغول ، من خلال وثيقة مكتوبة بخط بن بركة عن لقاءات الرجلين السرية في العديد من المرات .  وهو تهديد موجه إلى دوغول نفسه لإحراجه بالأساس في الساحة السياسية الفرنسية ، وتعقيد العلاقات الفرنسية الأمريكية ، التي كانت تمر من ظروف حرجة نتيجة مواقف فرنسا من سياسة الولايات المتحدة، خصوصا بعد الاستقلال  العسكري لفرنسا بخصوص موقفها من الناتو، إضافة إلى رؤية خاصة لدوغول تجاه العالم الثالث تختلف كليا عن رؤية الولايات المتحدة. وبما أن هذه الأخيرة كانت ترى في تحرك بن بركة ،من خلال الإعداد لمؤتمر القارات الثلاث ، خصما حقيقيا يهدد مصالحها في القارات الثلاث. كما استطاع بن بركة أيضا أن يقرب بين الفتناميين والكوبيين ، وهي عملية كانت تثير الرعب لدى مهندسي السياسة الأمنية الأمريكية. وهذه الأبعاد الدولية في عملية اغتيال بن بركة ستكشف عنا لا محالة تقارير المخابرات الأمريكية حول المهدي بن بركة ، ولاشك أن المسؤولية الأمريكية في القضية هي التي تقف اليوم حاجزا لرفع السرية عن هذا الملف من لدن وزارتي الدفاع والعدل الأمريكيتين .

في سنة 1965 أصبح الحجم السياسي لبن بركة أكبر من شخصية سياسية تنتمي إلى المغرب ، فهو الرجل الذي أصبح يطلق عليه الرئيس بن بركة، بوصفه منسقا لحركات التحرر العالمية، وزعيما مقبلا لمؤتمر القارات الثلاث، وهي أول مرة ستجتمع فيها حركات التحرر الأمريكية والإفريقية والآسيوية، في إطار تنظيمي يسمح بتوازنات جديدة في السياسة الدولية ، فجمع الرجل بين الفتناميين والكوبيين ، وأقنع السوفيات والصينيين بأن مؤتمر القارات الثلاث يهم الشعوب أولا قبل الأنظمة.

كانت فرنسا الدوغولية تحتل مكانة متميزة في السياسة الدولية ، وتنحو توجها سياسيا مستقلا عن الولايات المتحدة الأمريكية. لم ترد فرنسا أن تبقى على هامش ما يجري من إعداد لمؤتمر القارات الثلاث ، وكانت اللقاءات المباشرة مع بن بركة وسيلة لفهم السياسة المستقبلية لهذه الحركة العالمية. وكشفت عدد من وثائق المخابرات الفرنسية، التي تم نشرها في كتاب الصحفيين Krop و Faligot ، في سنة 1985 حول المصالح السرية الفرنسية، أن بن بركة زار بأسماء مستعارة باريس عدة مرات ، وكانت المخابرات الفرنسية عالمة بذلك من خلال عدد من الوثائق التي نشرها الصحفيان المذكوران أعلاه.( تم نشر هذا الكتاب بعد التحول الذي عرفته مصالح المخابرات الفرنسية إثر صعود الحزب الاشتراكي الفرنسي إلى الحكم في ماي 1981 ، وإدخال تعديل جوهري على مكونات الأجهزة المخابراتية الفرنسية) . بالمقابل كانت الولايات المتحدة تهدف إلى قطع أي دعم سياسي من أي دولة تنتمي إلى ما كان يعرف بالعالم الحر. وليس من الصدف أن تأتي عملية اغتيال بن بركة في التراب الفرنسي ليلة الإعلان عن ترشح الجنرال دوغول لانتخابات رئيس الجمهورية. ودوغول أحس بأنه كان مستهدفا أيضا من عملية اغتيال بن بركة، ولذلك صب جام غضبه على ” أولئك” الذين استهدفوه من الفرنسيين، وعلى الجنرال أوفقير أيضا .

أظهر كتاب ريموند فيولي : ” قضية بن بركة”،  ومن خلال شهادات عدد كبير من الضالعين في عملية اختطاف بن بركة ، ومن المسؤولين في مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الفرنسية ، أن مصالح السديك كانت تحكمها شبكات من الأطر ذات ارتباطات استعمارية ، واشتغل العديد منهم في المغرب والجزائر ، حتى في مرحلة ما بعد الاستقلال. وكشف التحقيق القضائي أن أجهزة الاستخبارت ” السديك” مختلطة بالأجهزة السياسية ، وبرجال الانحراف والعصابات . والحالة هذه أن اختطاف بن بركة يجري في سياق عرفته فرنسا في هذه الفترة من اختطاف العسكريين الفرنسيين السابقين أو الاغتيالات أو اختطاف مناضلين من الاتحاد الوطني ، كما وقع لأحد المغاربة بباريس، والذي كان يشبه إلى حد بعيد الفقيه الفكيكي ، أحد قياديي المقاومة وجيش التحرير ، وأحد قادة التنظيم السري إلى حدود 1971. وحمل الرجل الفكيكي إلى فيلا بضواحي بريس، وأطلق سراحه بعدما تم التحقق من أنه ليس المعني بالأمر. وكان عدد من المناضلين الاتحاديين في ذلك الزمن يعرفون جيدا الارتباط القائم بين رجال الأجهزة الأمنية الفرنسية والمغربية. والذين خططوا لاغتيال بن بركة اعتمدوا بالأساس هذا المعطى لإنجاح العملية. وبمجرد انكشاف اختطاف بن بركة عملت أجهزة متعددة داخل المخابرات والأمن الفرنسي على إخفاء الوثائق والتستر على المعلومات، بدعوى سر المهنة وسر الدفاع الوطني وعدد من الفصول القانونية التي كانت عرقلة في وجه قاضي التحقيق زولنجر، و نقل ريموند فيولي ، تصريحات لهذا الرجل الذي عانى الكثير ، فقد قال للصحفي Charles Villeneuve  :

” Je ne pouvais plus rien ajouter . Toutes les portes étaient fermées, tous les verrous poussés..” ( R. Violet. op. cit .p351)

إن اختيار فرنسا كمسرح لعملية الاختطاف لم يكن اعتباطيا ، وكان بن بركة واعيا بالمخاطر التي تهدده ، عندما صرح ، كما أوردنا أعلاه ، من أن اختطافه ممكن في قلب مطار أورلي. فما ظهر من خيوط القضية يبرز أن الحلقة الفرنسية تتكون من سياسيين، يتمتعون أيضا بحماية من مختلف المؤسسات السياسية في البرلمان والبلديات والجهات ويملكون وسائل إعلامية قوية، بل إن الأمر ألزم إدخال شخصيات وازنة جدا في الأدب والسينما في لب معركة اختطاف بن بركة وانعكاساتها السياسية. ومن ضباط في المخابرات والأمن والاستعلامات ، ولهم علاقات خاصة مع الفاعلين السياسيين الفرنسيين ، ومن رجال عصابات يشتغلون في نفس الوقت في عالم الانحراف ويؤدون خدمات للمصالح السرية . ولذلك يبقى العمق السياسي ، على ضوء ما ذكرناه، قائما في عملية اختطاف بن بركة داخل التراب الفرنسي . وعندما يصر دفاع الطرف المدني على فتح ملفات المخابرات الفرنسية بشأن بن بركة، فإنه في الحقيقة يضع يده على أحد مفاتيح هذه القضية التي طالت لمدة تقارب الأربعة عقود. ومن غرائب الصدف ، ومن سوء حظ بن بركة ، أن فرنسا الاشتراكية لم تستطع أن ترفع السرية عن هذه الملفات، ويكفي أن نذكر أن بومبيدو الذي كان رئيس الوزراء إبان عملية الاختطاف ، ورئيس المخابرات الفرنسية ، سيجد نفسه بعد ذهاب دوغول رئيسا للجمهورية ، كما رقي عدد من المسؤولين إلى مراتب أعلى، أي أصبحوا هم بدورهم في مراكز القرار ، وهكذا دواليك.

بقيت نقطة إيجابية في هذا الخضم من المصالح المشتركة التي تحجب الامتدادات السياسية العالمية لاغتيال بن بركة ، متمثلة في أن القضاء الفرنسي لم يغلق ملف بن بركة ، وما زال مفتوحا إلى يومنا هذا.لأن القضية باختصار أكبر من أن تكون قضية مغربية صرفة أو قضية فرنسية أو أمريكية أو إسرائيلية أو سويسرية.واستحضار هذه المعطيات جميعا في عملية بناء أحكام ، يغنينا عن تبسيط القضية في حادثة قتل أو انتقام أو …ويبقى الاستدلال بالجزء على الكل عملية خطيرة ومحرجة.

بالنسبة إلى المغرب ، نعتقد- في حدود ما نشر حول القضية-  أن وزير الداخلية و المدير العام للأمن الوطني آنذاك وآخرين ، قد يكونوا الأداة المنفذة للمخطط الذي وضعته جهات للعب بالورقة المغربية في التراب الفرنسي بهدف كسب أوراق رابحة في رهانات داخلية ودولية، لأن لا أحد يعتقد أن المخابرات المغربية كانت أكبر حجما من الأجهزة السرية العالمية، والدليل هو تورط وزير الداخلية ومدير الأمن الوطني إلى جانب حلقات صغيرة في جهازي السديك والأمن الفرنسي  وأعلام من عالم الانحراف وأصحاب السوابق .  ولذلك سيكون الجانب المغربي قويا إذا استطاع فتح ما يتعلق بهذه القضية في الثانية عشرة والنصف زوالا وداخل البيت المغربي ، لأن هذه العملية ستبرز فعلا الإجراءات الفعلية لإرادة إنهاء ملف الاختطاف والاعتقال ، التي أعلن عنها منذ  مدة ، ولأن بن بركة رمز لمرحلة في تاريخنا القريب ، مرحلة مؤلمة لكنها مفيدة إذا قبلنا جميعا بمبدإ انخراط المغرب في القيم العالمية لحقوق الإنسان .



عن موقع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة

  جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...