رواية رؤوف أوفقير
أصدر رؤوف أوفقير كتابا تحت عنوان : ” الضيوف، وصدر الكتاب في 519 صفحة ، عن دار النشر فلاماريون – باريس – 2003 . ويخصص الصفحات الأخيرة منه لقضية بن بركة(511-518)
يمكن أن نقسم كتاب رؤوف أوفقير إلى جزأين ، الأول الخاص باعتقال عائلة أوفقير دون محاكمة لمدة عقدين من الزمن ، وما عانته خلال ذلك من شظف العيش والعزل والمعاناة والألم ، بعد حياة القصور والترف والسلطة ، أما الجزء الثاني فيخص الحياة السياسية للمغرب من الاستقلال إلى غشت 1972 ، ولا تحمل المعلومات الواردة في الكتاب أي إحالة ببلوغرافية ، فيمتزج حكيه عن الاعتقال بالأحداث السياسية ، وقد خضع الكتاب بمهنية كبيرة لعملية مونتاج ، لاستهلاك الأحداث السياسية ، كما يرويها أوفقير الابن ، داخل الحكي عن التجربة المريرة التي عاشتها عائلة أوفقير ، وسعى إلى تركيب صورة أخرى للجنرال أوفقير مناقضة للصورة التي يعرفها الجميع ، بيد أن هذه العملية تخللتها أخطاء وتناقضات عديدة على مستوى الخبر والتحليل وبناء الأحكام ,انطلاقا من روايات شفوية ، لها موقف ضمني من حزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، وشكلت قضية تبرئة الأب من اغتيال المهدي بن بركة هاجسا لدى رؤوف أوفقير ، غير أن بن بركة لم يسلم أيضا من أوفقير الابن ، فكال له تهما عديدة لتبرير مسؤولية الجنرال في أعمال القمع والاغتيالات التي عرفها المغرب خصوصا بعد 1960.
اعتمد رؤوف أوفقير ، الذي كان عمره 15 سنة عند قام والده بمحاولة الانقلاب ، على روايات ذات موقف سلبي من المهدي بن بركة وحزبي الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية ونجد عددا من الأحكام الضمنية والواضحة بخصوص الصحراء المغربية والصراع العربي الإسرائيلي والتاريخ الاستعماري بالمغرب .
. جاء في كتاب أوفقير الابن ، أن والده كان على اتصال بالمخابرات الفرنسية في المغرب وفي سرية تامة مع أحد الضباط اسمه هنري ( ص 307 )
استضاف أوفقير أيضا في الرباط، الجنرال الفرنسي المتقاعدLe général Pierre George Boyer de la Tour . نشرت مجلة Le Nouvel Observateur ، في عددها الصادر بتاريخ 21/8/1972 ، مقالا تحت عنوان : ” سر أوفقير ” ، كتبه كل من Jean Pierre Joulin و Alia Josette أن أوفقير قام بزيارة ، طويلة الأمد نسبيا ، إلى باريز في شهر ماي 1972 ، والتقى برجال أعمال لحثهم على إبقاء أنشطتهم بالمغرب ، رغم إدانة أوفقير في قضية اغتيال بن بركة من لدن محكمة الجنايات بباريز ، قام بزيارات متعددة إلى فرنسا
يقدم رِؤوف أوفقير حدث اختطاف بن بركة إلى حين تسليمه إلى بوشسيش ، الذي قال لبن بركة أنه هنا من أجل سلامته. ويتبنى رؤوف أوفقير الرواية القائلة بأن والده وصل إلى باريس يوم 30 أكتوبر 1965 ، في الساعة الخامسة والنصف ، أي 29 ساعة بعد عملية الاختطاف. يشكك رؤوف أوفقير في رواية فيكون التي تقول بأنه رأى الجنرال أوفقير وهو يجهز على بن بركة بخنجر. ثم يتعرض أوفقير الإبن إلى الحملة الصحفية التي واكبت الحدث ، والتي خلصت في معظمها إلى تورط عددا من رجال العصابات ومصالح الاستعلامات ومساعدي جاك فوكار في عملية اختطاف بن بركة ( كما شرحنا ذلك سابقا شغلفوكار منصب الكاتب العام لقصر الإليزي، وقد ورد اسمه في التحقيق الذي أجري مع سوشون يوم 11 نوفمبر 1965، لكن المراقب العام بوفيي طلب منه الصمت، وعدم ذكر اسم هذا المسؤول للمحققين) . ويتابع أوفقير الإبن أن العملية أثارت حفيظة الجنرال دوكول في البداية ، لكن الأمور ستنزع نحو التهدئة لأن الدولة الفرنسية فضلت مصلحتها أولا، وطلب من المتهمين التزام الصمت. وأن الأرشيف المتعلق بالقضية ما زال يخضع للسرية.
تسائل رؤوف أوفقير لماذا تزامن وجود الجنرال مع حدوث عملية الاختطاف ، هل كان الهدف من ذلك إجبار بن بركة على دخول المغرب ، أو كما يقول آخرون، منعه من الرجوع إلى المغرب. يصل أوفقبر الابن بعد ذلك إلى المحاكمة التي مرت من مرحلتين انتهت بإعلان الحكام في 5 يونيو1967 ، والتي أدانت الجنرال أوفقير وسوشون ولوبيز ، في حين برأت ساحة الدليمي وآخرون ، ويستشهد رؤوف بما كتبه جيل بيرو حول الموضوع من أن تبرئة الدليمي تفرغ إدانة أوفقير( ورد هذا التقييم في عدد من المقالات التي صدرت غداة إعلان الأحكام ).
يتساءل أوفقير الابن إلى أين وصلت قضية بن بركة الآن، ويجيب بأنها ظلت و مازالت لغزا محيرا ، وأنه منذ سنوات ، تكشف ” حقائق” لتزيد من ” تخيلات” البعض , ويذهب رؤوف أوفقير إلى المصالح السرية المغربية وبمساعدة السديك أو بعضا من أجنحته ، وبمشاركة مصالح المخابرات الفرنسية والموساد قد نظمت عملية الاختطاف، ويضيف لكن ما هو الهدف من هذا، هل كان الأمر يتعلق بحمل بن بركة إلى المغرب لوضعه أمام خيارين، إما أن يقبل بالتعاون مع ” النظام ” ، أو يتم تنفيذ حكمي الإعدام الصادرين في حقه.
لكن أوفقير الابن يطرح أيضا افتراضا آخر مفاده أن العملية كانت تستهدف تخدير بن بركة وانتزاع الرقم السري لحسابه في سويسرا ، وأن ذلك سيمكن من معرفة خطط تمويل المنظمات الثورية العالمية ، وأن ذلك أيضا سيمكن الأمريكيين والفرنسيين والإسرائيليين من توجيه ضربات للحركات المناهضة للغرب و للإمبريالية ، وأن عودة بن بركة وقبوله بالأمر الواقع في المغرب ، سيجعله خائنا في أعين المنظمات الثورية العالمية. كما أن تحييد رجل يقود حركات التحرر الثورية سيشكل مكسبا هائلا بالنسبة للدول المعنية.
بعد ذلك يصل أوفقير الابن إلى التساؤل عن موقع والده في كل هذا، ويجيب بأن أوفقير وانطلاقا من مسؤوليته كوزير الداخلية ، كان عليه أن ينفذ الأوامر ، وأن يعمل على إقناع المصالح السرية الأجنبية بالمشروع ، وأنه لو كان الأمر متعلقا بالتصفية الجسدية لبن بركة ، لما ارتكب الجنرال خطأ المجيء إلى باريس 29 ساعة بعد عملية الاختطاف ، وفي الوقت الذي بدأت فيه وسائل الإعلام تتحدث فيه عن اختطاف زعيم اليسار المغربي . يتساءل أوفقير الابن بعد ذلك ماذا كان يفعل والده آنذاك في باريس ، هل كان الأمر يتعلق فقط بالصدفة؟ وأن المنطق في كل هذا يؤدي إلى أن اللقاء الذي كان سيقع بين المبعوث المغربي والمهدي بن بركة قد تحول إلى خطإ.
يتطرق أوفقير الابن إلى طرحين تدوولا في الأوساط الرسمية:
الأول هو أن بوشسيش ضرب بن بركة بعقب مسدس على قفاه بمجرد دخوله الفيلا ، وأن هذا الأخير لم يتحمل الصدمة فتوفي على الفور ، خصوصا وأن عملية جراحية أجريت له في نفس الموقع عندما تعرض ” لحادثة”. ( يتعلق الأمر بمحاولة اغتيال وقعت يوم 16 نوفمبر 1962 )، وأن أوفقير أرسل إلى عين المكان لفك تداعيات المشكل.
الطرح الثاني ، ويتعلق بالمخدر الذي حقن به بن بركة من أجل استنطاقه قد هيئ من لدن مصالح سرية أخرى، للإجهاز مرة واحدة على بن بركة ، وأن خطة الموت السياسي تحولت إلى جريمة قتل، و يتابع أوفقير الابن أن الهدف من ذلك هو التخلص من بركة، وفي نفس الوقت محاصرة الجنرال أوفقير في وضعية تقطع عنه كل الارتباطات الخارجية ، في حالة تفكيره في انقلاب عسكري.
يصل رؤوف أوفقير إلى الرواية التي نشرت في جريدة لوموند حول اغتيال بن بركة ، ويؤاخذ ما ذهبت إليه هذه الجريدة من الحديث عن الحقيقة في قضية لها تشعبات متعددة ، ومدة زمنية تجاوزت 36 سنة من التحقيق القضائي الذي لم يصل بعد إلى فك ألغاز القضية، في حين استندت حقيقة لوموند إلى تصريحات موزع كلمات، ويتساءل رؤوف أوفقير كيف استطاع موزع المكالمات في الكاب 1 أن يفك، بشكل بقيني، قضية لها تشعبات عالمية ، ومن أعقد القضايا التي عرفها القرن العشرين. وحاول أوفقير الابن أن يبين نقائص الرواية التي قدمتها لوموند حول مقتل بن بركة على يد الدليمي و أوفقير ليلة 29 أكتوبر ، وأن الرواية اختزلت كلها في 5 مكالمات هاتفية. ويستغرب من أن الأمور مرت كلها من خلال مكالمات هاتفية عادية مع موزع كلمات في مكاتب الكاب 1 المقفرة بدون وجود أي مسؤول للإشراف على لتنفيذ عملية من هذا الحجم . ويضع أوفقير الابن تساؤلا عن العلاقة بين المكالمات التي كانت تمر عبر الكاب 1 ، وكيف أن نفس الراوي قال بعد ذلك أن الجنرال والدليمي عادا مرة اخرى إلى باريس لإعطاء التعليمات التي لا يمكن أن تمر عن طريق المكالمات الهاتفية، وكأن هناك تمييزا في العملية بين شقيها الأول والثاني.
يتساءل أوفقير الابن كيف تحول موزع المكالمات إلى منسق لعملية من هذا الحجم، وكيف أن البخاري الذي يبرز نفسه من خلال هذه الرواية أنه عارف بدقائق الأمور ، كان يجهل فيما إذا كان أوفقير قد توجه إلى فاس في ليلة 29 أكتوبر ، للالتقاء بالملك . ويقول رؤوف أوفقير ، انه يستحيل عمليا أن يصل أوفقير إلى فيلا بوشسيش حوالي منتصف الليل من ليلة أكتوبر29 ، في حين يقول موزع المكالمات أنه رأى الجنرال في مكاتب الكاب في الساعة السابعة مساء بالتوقيت الفرنسي ، وإذا كان قد انتقل إلى فاس ، ثم الزمن الذي يستغرقه حضوره في فاس ، ثم امتطاء الطائرة، ثم زمن الرحلة من مطار فاس إلى مطار أورلي ، فزمن المسافة من المطار إلى فيلا بوشسيش ، و إذا كان بن بركة قد اغتيل بوقت قليل بعد منصف الليل ، يقول رؤوف أوفقير، يستحيل عمليا أن يكون أوفقير في فرنسا ليلة 29 أكتوبر ، ثم يستند إلى رواية لوبيز أثناء المحاكمة كما رواها ستيفان سميث ، والتي يقر فيها بأن الجنرال وصل إلى باريس في اليوم التالي في الساعة السابعة والنصف ، أي 29 ساعة بعد اختطاف بن بركة. و يتابع رؤوف أوفقير ، حتى لو سافر والده بطائرة عسكرية للنقل ، والتي كانت في ذلك الزمن من نوع هليس داكوتا ، يستحيل أن تصل إلى باريس قبل 5 ساعات . ويتعجب أوفقير الابن كيف أن رواية البخاري، الوحيدة وغير المباشرة، تصبح اليوم أكثر صدقا من المعلومات التي تحققت منها المحكمة.
رغم تشكيكه في رواية البخاري يقبل رؤوف أوفقير بأن هذه الرواية قد كشفت الغطاء عن أشخاص جدد يجب مسائلتهم من لدن العدالة. وينهي أوفقير الابن مناقشته لموضوع بن بركة بوضع تساؤلات حول المسار الذي أخذته القضية فلماذا لم يستطع خمس رؤساء الجمهورية الفرنسية من الحسم في القضية، ولماذا لم تستجب الحكومة السويسرية والأمريكية لطلب الدفاع ، ويستند أوفقير الابن إلى تصريح للبشير بن بركة فيما إذا كانت هذه الحقيقة قد تزعج أوساطا داخل فرنسا نفسها .
في طيات كتب ” الضيوف ” نعثر على وصف لذكريات رؤوف الطفل ، عندما كان في نفس الزمن الذي اختطف فيه بن بركة ، يتابع دراسته مع أخته في مدرسة بكاستاد بسويسرا . يحكي رؤوف كيف أن والده وصل إلى جنيف يوم 31 أكتوبر بصحبة أمه ، وقضيا الليلة بأوطيل بريزيدان ، وفي اليوم الموالي قصدا كاستاد لزيارة ابنيهما رؤوف ومريم وتناول الجميع العشاء في مطعم ، ويتذكر رؤوف أوفقير أن والده كان شاردا ، منغمسا في التفكير ، وأحس لديه بشعور المرارة. سمع رؤوف أمه تسأل عما جرى بعد اختفاء بن بركة ، وتسأله فيما إذا كان وراء العملية ، فأجاب بالنفي. ويضيف رؤوف بأن والده غادر جنيف في اتجاه باريس يوم 2 نوفمبر1965 ( رؤوف أوفقير . الضيوف. المرجع السابق. ص 117 )
بعد ذلك يضيف أوفقير الابن أنه أصبح محاصرا ومتابعا ، وتم تخصيص حراسة فردية له بعد أن وقعت حوادث غريبة له ولأخته في سويسرا. وانتهى الأمر بعودة رؤوف ومريم أوفقير إلى المغرب ، وأن الحراسة تقوت حول أبناء أوفقير، لينتهي رؤوف أوفقير إلى خلاصة مفادها أن مكانة الجنرال داخل القصر لم تعد كما كانت ، في حين أخذ نجم الدليمي في تصاعد مستمر . وربط كل ذلك بقضية اختطاف بن بركة ، وهي نفس الأطروحة التي تبناها رؤوف في الأوراق لتي خصصها في نهاية كتابه لقضية بن بركة.
يوظف إذن رؤوف أوفقير الحكي المرتبط بحياته منذ عودته من سويسرا لتفسير أن آلية وضعت لمحاصرة عائلة أوفقير ، من خلال ” تهديد خيالي ” لحياة العائلة وربط ذلك بانعكاسات اغتيال بن بركة . في هذا التفسير الذكي يبرأ رؤوف أوفقير والده من عملية اختطاف واغتيال بن بركة.
الخلاصات
إن ما قدمناه من معلومات حول قضية اختطاف واغتيال بن بركة ، يستند بالأساس إلى ما تم نشره طوال أربعة عقود ، سواء تعلق الأمر بوثائق لعدد من المؤسسات الفرنسية ، أو ما نشر من كتابات حول الموضوع في الصحافة المكتوبة ، أو التآليف التي أنجزت من بعض المتهمين لتقديم رواياتهم حول الموضوع ، إضافة إلى وثائق داخلية لحزب الاتحاد الوطني / الاشتراكي للقوات الشعبية. الأجهزة الأمنية المغربية وحدها فقط ظلت صامتة ، بينما تحمل الجانب المغربي الرسمي الواجهة السياسية للقضية سواء من خلال التعاليق التي كانت تذاع في الإذاعة المغربية ووكالة المغرب العربي أو الندوات الصحفية الرسمية ، أو الحملة الدبلوماسية التي قادها مبعوثون مغاربة ، ومن هنا برزت أهمية رواية البخاري حول قضية بن بركة، لكونها جاءت على لسان أحد الذين اشتغلوا في جهاز الكاب 1 .
رغم هذه المعطيات المتناسلة ، والمتناقضة في أحيان عدة ، على امتداد ما يقارب الأربعة عقود ، فإن ما خفي من الوثائق و الأسرار أعظم ، وهذا يبرز التداعيات العالمية لهذه القضية إلى يومنا هذا، بحيث ما زالت الدول المعنية ترفض الرفع الجزئي أو الكلي للسرية عن ملف بن بركة ، وهذا يفسر بدون شك أن مصالحها مهددة داخليا أو خارجيا بالحقائق التي تحتضنها ملفات دهاليز عدد من الأجهزة الاستخباراتية العالمية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق