المتابعون

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

حول اختطاف المهدي بن بركة-5-

 روايات البخاري

تأتي رواية أحمد البخاري حول مصير بن بركة ، في سياق تاريخي له أهميته الخاصة ، مرحلة تمكن من الحديث عن بعض الملفات. والملاحظ في روايات البخاري أنها تتنوع بتنوع المخاطب ( بفتح الطاء) ، انطلاقا من روايته الأولى  ليومية لوموند وللأسبوعية الصحيفة بتاريخ 30 يونيو2001، رواية صاغها كل من المغربيين علي عمار وبوبكر الجامعي ، والفرنسي استيفان سميث.

تقول رواية البخاري الأولى  ، إن بن بركة حين وصوله إلى مطار أورلي في صبيحة 29 أكتوبر 1965، في الساعة الثامنة وخمسين دقيقة، كان يرافقه في نفس الطائرة رجلان من جهاز الكاب 1، وهما محمد حليم وحسن بن يوسف ، وأن ثلاثة آخرين كانوا ينتظرونه في مطار أورلي ، وهم محمد بطيش و عبد القادر الدرفوفي و ميلود التونزي ، هذا الأخير تحمل ، وفق رواية البخاري، العبء الأكبر في العملية اللوجيستيكية لتصفية المهدي بن بركة. ( وردت معلومات عن عدد المختطفين الذين تجاوز عددهم العشرة ، كما جاء في بيان  الكتابة العامة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية المؤرخ في 31 أكتوبر1965 )

نفس الأشخاص حضروا أمام مقهى ليب، لتصوير عملية الاختطاف ،في الساعة الثانية عشرة والنصف ( الحادية عشرة والنصف بتوقيت المغرب)، في نفس الوقت تلقى البخاري ، الذي كان يداوم قرب الهاتف، مكالمة من العشعاشي محمد، تقول بنجاح العملية، وأن الطرد جاهز للإرسال، ويطلب إرسال الطائرة. وأنه بعد اختطاف بن بركة عمل نفس الأشخاص على شتم الطالب الأزموري وتهديده بالموت ، وأنه نتيجة لذلك ، اختفى على الأنظار لمدة 48 ساعة ، ولم يدل بمعلومات حول عملية الاختطاف للشرطة إلا يوم الأحد1 نوفمبر( من خلال عدد من الوثائق الحزبية بالخصوص، أعلم الطالب الأزموري الطلبة و المسؤولين الاتحاديين بعملية الاختطاف في الساعة الثالثة من نفس اليوم ، وجاءت تحركات الطاهري صديق بن بركة بناء على المعلومات التي أدلى بها الأزموري إلى الاتحاديين باريس) . تضيف الرواية الأولى ، أن بن بركة والمختطفين وصلوا إلى فونتناي في الساعة الواحدة والنصف ، واستقر الجميع في صالون الفيلا التي يملكها بوشسيش . كان يوجد بالصالون إلى جانب صاحب الفيلا ، أربعة رجال مغاربة ، وهم العشعاشي عبد الحق ومحمد و عبد القادر صاكا و محمد المسناوي. ( ذكر تقرير داخلي للمخابرات الفرنسية، حرره لوروا ثم أخفاه فيما بعد، خبر المغاربة الأربع الذين حضروا إلى باريس لتصفية بن بركة ، وظلت أسماء هؤلاء مجهولة ، ولم يسلم التقرير إلى المحكمة ، رغم إصرار الطرف المدني على ذلك ، وكان رفض مصالح المخابرات ينبني على تعليل أن في ذلك مسا بأسرار الدفاع الوطني) .

لم يتوجس بن بركة من المغاربة الحاضرين ، لأنه أخبر بوصول مبعوث خاص من الملك، حيث سيناقش معه شروط عودته إلى المغرب، لترأس الحكومة .  وأنه بعد ذلك فتح نقاش سياسي بين بن بركة ورجال الكاب 1. حاول البخاري الاتصال بأوفقير ، لكن دون جدوى،. في الساعة السادسة  مساء عرج أوفقير في نهاية المطاف على مقر الكاب 1 بالرباط، وحمل معه مبلغا كبيرا من العملات الأجنبية. في الساعة التاسعة مساء، بتوقيت المغرب ( العاشرة بتوقيت فرنسا)  تلقى البخاري المكالمة الثانية من العشعاشي محمد ، يطلب فيها إحضار ” الممرض ”  أحمد الجدايني إلى مقر الكاب 1 . محمد العشعاشي ، ودائما وفق رواية البخاري، اتصل مرة ثالثة بالممرض ، وطلب منه الذهاب إلى المطار وانتظار الطائرة التي ستحمل الطرد، دون نسيان المحفظة الخاصة به. عاود العشعاشي الاتصال للمرة الرابعة ، للتأكد من تطبيق التعليمات التي أصدرها من قبل. لكن ساعة بعد ذلك ، اتصل مرة أخرى( الخامسة) ليطلب فيها عودة الجدايني من المطار، وأن رحلة الطائرة العسكرية قد تأجلت عودتها بأربع وعشرين ساعة. كان حينها بن بركة قد فارق الحياة . أربك وصول الدليمي في مساء يوم الجمعة إلى فيلا بوشسيش بفونتناي ، كل حسابات محمد العشعاشي . بدأ الدليمي في شتم بن بركة، ، بدأ بن بركة في الصراخ، فشد وثاقه على كرسي ، وطلب من الحسوني أن يحقنه بمخدر ، فغاب بن بركة عن الوعي لمدة ثلاث ساعات ، ساد فيها نقاش حادا بين مجموعتي الدليمي والعشعاشي محمد . في منتصف الليل يصل أوفقير إلى الفيلا ، ولم يضع حدا للعنف الذي مارسه الدليمي على بن بركة. حين استعاد بن بركة وعيه ورأى أوفقير ، عرف بقرب نهايته ، فربطه الدليمي وجماعته بحبل وعلقه ، وحقنه مرة ثانية ، وبدأ في استنطاقه ، في الوقت الذي كان فيه الجنرال يشرب كؤوس القهوة. كانت حالة بن بركة سيئة جدا، وبدأ يتنفس بصعوبة ، فاقترب منه أوفقير بخنجر ذي حوافي مثلثة، منتهية  برأس دقيقة، وبها كان أوفقير يحفر  في وجه بن بركة وفي أعلى صدره. لم يجب بن بركة على أسئلة الدليمي ، ولم يكن يحس بخنجر أوفقير ، بل كانت عيناه جاحظتان تجاه العشعاشي محمد وصاكا والمسناوي القابعين في الطرف الآخر ممن القاعة..دامت هذه العملية زهاء ساعة من الزمن ، انتهى بعد ها الدليمي إلى وضع  خرقة مشبعة بالماء الوسخ على أنف وفم بن بركة ، أطلق الجسم حينها حركاته الأخيرة . أمام هذا الوضع يقول البخاري ، انتفض العشعاشي ومن معه، وأنزلوا الرجل ، وفكوا وثاقه ومددوه أرضا ، وحاول الحسوني إنعاشه ، لكن دون جدوى ، إذ فارق بن بركة الحياة. ويضيف البخاري أن أوفقير انتبه إلى خطورة الموقف ، في حين انصرف الدليمي إلى التفكير في التخلص من الجثة، وكان الوحيد بين الحاضرين ، الذي حمل قفازتين . غادر بعد ذلك أوفقير والدليمي فرنسا ، كما وصلا في سرية تامة ، بمساعدة أصدقاء للمغاربة ، لحمل ” يساري خطير” إلى المغرب.

عاد الجنرال أوفقير والدليمي إلى فرنسا ،مرة أخرى ولكن بطريقة رسمية ، يقول البخاري . وصل الدليمي إلى باريس يوم السبت 30 أكتوبر في الساعة الثانية والنصف بعد الظهر إلى مطار أورلي قادما من الجزائر حيث كان في مهمة للإعداد لزيارة الملك في لقاء أفرو آسيوي ، كان من المقرر عقده يوم الاثنين 1 نوفمبر  ، ويضيف البخاري أن الدليمي ، كان في الجزائر منذ يوم الأربعاء ( هناك اضطراب في المعلومات حول رحلة الدليمي الأولى السرية والثانية العلنية ). أما أوفقير فقد حل بباريس في نفس اليوم أيضا في الساعة الخامسة والنصف .كان في انتظاره التونزي ميلود والغالي الماحي. لم يكن لأوفقير والدليمي أي اتصال سوى بمساعديهما. حمل أوفقير إلى  فونتناي صديقه ، ومسؤول في مطار أورلي ، أنطوان لوبيز، في حين كانت السفارة قد حجزت له غرفة في أوطيل روايال ألما . وبعدها غادر لوبيز ضيفه ، بعد ذلك تدمج القصة المعروفة عن تحركات لوبيز بحذافيرها في الحكي البخاري .

في صباح الأحد 31 أكتوبر ، وفي الساعة الخامسة صباحا قاد لوبيز أوفقير والدليمي في عدة أمكنة للبحث عن مخبأ لجثة المهدي. في الثامنة صباحا غادر أوفقير أورلي في اتجاه جنيف ، في حين توجه الدليمي إلى الدار البيضاء في الساعة التاسعة وخمس وثلاثيين دقيقة. عاد الاثنان إلى باريس مرة ثالثة ، حيث حل الدليمي أولا يوم الاثنين ، وعاد أوفقير من جنيف إلى باريس يوم الثلاثاء 2 نوفمبر ، وصرح أمام الصحفيين أنه أول من تفاجأ بالنبأ. شارك الاثنان أيضا في  حفل استقبال على شرف انتهاء تدريب عمال وزارة الداخلية المغربية. في صباح اليوم الموالي ، تدخل موظف بوزارة الداخلية الفرنسية لحجز مقعدين لأوفقير والدليمي على متن الطائرة المتوجهة إلى المغرب في الساعة التاسعة وخمس وخمسين دقيقة.

في الساعة السادسة مساء من مساء يوم السبت 30 أكتوبر هاتف محمد العشعاشي مقر الكاب 1 ، وطلب بأن يكون الجدايني حاضرا بالمطار في الساعة الثانية صباحا ، ولاحظ البخاري أن رئيسه لم يطلب من ” الممرض” أن يحمل محفظته الخاصة. التحق احمد أجداين بالمطار في الساعة الواحدة والنصف . في الساعة الثامنة صباحا من يوم الأحد حضر إلى مقر الكاب 1 وعلى غير عادته الأمريكي ، مارتن، الذي كان يشتغل إلى جانب أمريكيين آخرين في مصالح هذا الجهاز.. في نفس الوقت تلقى البخاري مكالمة من أجداين ، يخبر فيها أن الطائرة حطت في مطار سلا منذ ساعتين ، وحملت الطرد برفقة الحسونيوالتونزي. وأن الجميع حاضر في دار المقري. . بعد ذلك تلقى البخاري مكالمة من الدليمي يسأل فيها عن الطائرة ، وعندما تأكد من الخبر ، طلب من التونزي و” الممرضين” البقاء في دار المقري بانتظار الأوامر. لاحظ البخاري أن محمد النويني خرج مهرولا حاملا معه كاميرا وآلة تصوير .

في يوم الأحد 31 أكتوبر كان أوفقير في جنيف ، حيث وصلها قادما من باريس ، التي غادرها بساعة ونصف قبل الدليمي ، في الوقت الذي انتقلت فيها جثة بن بركة خارج فرنسا ، إذ نقلت الجثة في سيارة الليموزين الدبلوماسية. وبمشاركة عناصر فرنسية، أدخلت السيارة إلى المطار حيث كانت تركن الطائرة المغربية ، التي حملت جثة بن بركة إلى مصيرها الأخير بدار المقري ، وهناك أذيبت في حوض صنع خصيصا لإذابة الجثث . وتكلف بوضع المواد الكيماوية كل من الكرواني بناصر والمعطي ريحان، بحضور ميلود التونزي ومحمد النويني و بوبكر الحسوني وأحمد أجداين. ألبست الجثة بن بركة نفس الملابس التي كان يحملها حين قدومه الموعد الحتمي، لتصوير مشهد عملية إذابة الجثة، ويقول البخاري في هذه الرواية أن أرشيف الكاب 1 احتفظ بعدد من الصور، أما النسخة الوحيدة للفلم الذي يصور وضع جثة بن بركة في حوض التذويب ، قد سلمت للملك من لدن الدليمي. يتابع البخاري سرد روايته بقلم المغربيين علي عمار وبوبكر الجامعي والفرنسي ستفان سميث أن رجال الجهاز عادوا إلى المغرب عبر عواصم مختلفة ، وأن عبد الحق العشعاشي ، الوحيد الذي رجع إلى المغرب في رحلة عادية .

في العدد الموالي لأسبوعية لوجورنال، عدد 25 ، بتاريخ 14 يوليوز، تم نشر بيانات حقيقة لكل من محمد العشعاشي وصاكا والمسناوي ينفون فيها ما ورد على لسان البخاري ، بصياغة عمار والجامعي وسميث . ونشرت في نفس العدد استجوابا مع البخاري، رد فيه على ما جاء من في بيان ضباط الأمن الثلاثة. وكانت أجوبته أقرب إلى الإقناع، لأن أسئلة المحاور كانت تصب في الدفاع عن الأطروحة التي تبنتها المجلة.

عكس الخط الذي تبنته مجلة لوجورنال ، نحت الصحيفة عدد 25 ، بتاريخ 6 يوليوز ، إلى الاعتدال في الأخذ برواية البخاري ، وكانت أسئلة نور الدين مفتاح  على البخاري تهتم بصاحب الرواية أولا، وهذا له أهميته في الكشف عن العديد من الأشياء التي تدخل في جوهر الموضوع، وهي تصريحات ستجد لها إطارها الخاص إذا ما ركبت  مع ما صرح به محمد المرابطين ليومية رسالة الأمة بتاريخ 25 أبريل 2002/ عدد 6000، والمرابطين ، أحد أصدقاء البخاري في مدينة آسفي بين 1962 و1964، من جهة، مع ما ورد في محضر الشرطة القضائية لشوجار أحد المتهمين في محاكمة مراكش من جهة أخرى.

بين الرواية الأولى للبخاري و التي وردت في يومية لوموند وأسبوعية لوجورنال في 30 يونيو 2001 ، وروايته الأخيرة في كتابه ” السر” المنشور في باريس 2002 ( أنظر بالخصوص من الصفحة169 إلى الصفحة193 )، نثر البخاري عدة استجوابات وتصريحات لمنابر إعلامية مغربية وأجنبية ، ولعدد من القنوات التلفزية، وقع تراجع فيها عن قضيتين أساسيتين: الأولى وهي أن الدليمي سلم الفلم الذي يصور تذويب الجثة إلى الملك، والثانية ، أن العشعاشي كان يتصل بالملك مباشرة .لكن في كتابه ” السر ” ، يحتفظ البخاري بنفس الكرونولوجيا الواردة في الرواية الأولى، والتي تغطي الزمن الممتد من يوم الجمعة في الساعة الحادية عشرة والنصف بتوقيت المغرب إلى يوم الأحد 31 أكتوبر 1965.

هذه الكرونولوجيا تحمل عيوبا أساسية ، قد تخل بجوهر رواية البخاري في عملية إعادة بناء الأحداث. فمثلا في النقطة الأساسية المتعلقة بزمن اغتيال بن بركة ، يقول البخاري أنه في يوم الجمعة 29 أكتوبر ، في الساعة الحادية عشرة والنصف تلقى مكالمة من محمد العشعاشي ، يطلب فيها إرسال الطائرة، المكالمة الثانية جاءت في الساعة التاسعة بتوقيت المغرب، لإخبار ” الممرض” أجداين بالحضور إلى مقر الكاب 1 ، (  الساعة العاشرة وفق رواية الكتاب ). يتصل العشعاشي مرة أخرى ليطلب من ” الممرض” الذهاب إلى المطار( الرواية الأولى) . ساعة بعد ذلك( 11 ليلا بتوقيت المغرب ) ، وفق الرواية الأولى، اتصال العشعاشي يخبر فيه بتأجيل عودة الطائرة، في رواية الكتاب ، نجد توقيت الثالثة صباحا من يوم السبت. وأن العشعاشي هاتف مرة أخرى البخاري في الساعة الخامسة من صباح يوم السبت يطلب بإعادة أجداين من المطار إلى مقر الكاب 1 ، وانتظار الأوامر.

في كتاب ” السر ” نجد أن العشعاشي اتصل بالبخاري في الساعة الثانية صباحا، للتأكد من ذهاب أجداين إلى المطار .

في الرواية الأولى نجد أن أوفقير وصل إلى الفيلا حوالي منتصف الليل ، وأنه بعد ساعة من التعذيب بحضوره توفي بن بركة حوالي الساعة الواحدة صباحا من يوم السبت ،( منتصف الليل بتوقيت المغرب ) إذن هذه الكرونولوجيا لا تستقيم، فزمن اغتيال بن بركة يتأرجح بين الواحدة و الثالثة صباحا من يوم السبت. وحتى إذا أدخلنا بعين الاعتبار الخلط الذي وقع فيه البخاري بين التوقيت الفرنسي والمغربي ، فإن زمن الخطأ لا يجب أن يتعدى ساعة وهو الفرق بين التوقيتين في فصل الخريف ، ومكا ورد في سباق الحديث نفسه.

بين الروايتين ، الأولى والأخيرة لا نجد نسقا واضحا لتحركات الدليمي وأوفقير ، ونجد تنقلاتهما وكأنها سفر بين بلدين متجاورين ، في الوقت التي نجد فيه خلطا لدى الدليمي فهو في نفس الوقت في الدار البيضاء والجزائر، وقد يعودان في طائرة واحدة أو في رحلات مختلفة. تبقى أيضا مسألة الحسوني ، الذي قال عنه البخاري أنه عوض أجداين ، لأن هذا الأخير كان في حالة صحية غير عادية، علما أنه لم يذكر متى سافر الحسوني إلى باريس، هل بصحبة الجماعة الأولى أو مع أوفقير. ومسألة التوقيت لها أهميتها في تبرير تعويض أجداين أم لا، علما أن اسم الحسوني هو الذي تردد في عدد من الروايات.

في الرواية الأولى يجهل البخاري أشياء هامة ، فقد ورد مثلا عن السفر ” الأول” لأوفقير إلى باريس ما يلي:

”  Y a-t-il pris l’avion militaire  mis à la disposition de l’opération “Bouya Bachir” par le colonel Lyoussi du 2è Bureau de l’armée et prêt à partir depuis trois jours? S’est-il rendu à Fès , où séjourne le roi , pour ” voir le patron ” comme il l’aurait dit au téléphone à Antoine Lopez , l’agent français multicartes à Orly, à qui le général annonce son arrivée à Paris pour la nuit, à 2h 30? Ahmed Boukhari l’ignore . Il s’en tient aux certitude de son “registre permanencier” et aux témoignages de ses amis de services…” لوجورنال 30 يونيو 6 يوليوز 2001.

لكن نفس الراوي ، أي البخاري يقول في تصريح لجريدة الصباح، بتاريخ22/23 دجنبر 2001، ما يلي :

” هناك وثيقة أخرى هامة جدا، وهي عندما وصل الجنرال أوفقير ليلة الجمعة 29 أكتوبر إلى باريس ما هو معلن ورسمي أن أوفقير ذهب إلى فرنسا مساء السبت، لكنه في الحقيقة كان في فرنسا ليلة الجمعة إضافة إلى الدليمي . ذهب من الرباط إلى فاس ومن فاس إلى باريس…”. ويؤكد نفس المعلومات في تصريح للفضائية الجزيرة، بتاريخ 2 غشت 2001.

في روايات البخاري نجد طرحا ثابتا مفاده أن رجال الكاب 1 ، تصرفوا في التراب الفرنسي دون رقيب ، وأن العلاقات مع الفرنسيين لم تتعد أسماء ستة أفراد.بل يؤكد لجريدة الصباح 22/23 دجنبر2001، أن المخابرات الفرنسية لم تكن على علم بعملية اختطاف بن بركة ، وأن الفرنسيين القلائل الذين شاركوا في العملية عملوا لصالح المغاربة مقابل مبالغ مالية.

إن ردود العشعاشي وصاكا والمسناوي على رواية البخاري، لم تكن في مستوى ثقل ما صرح به البخاري في مشاركتهم في عملية اختطاف بن بركة ، واختفت أجوبتهم وراء العواقب القانونية التي يمكن أن تستنتج من أقوالهم ، لكن لا أحد سيصدق أن من اشتغل في الكاب 1 ، لا يعرف دار المقري وأشياء أخرى، وبالرغم من الكشف عن طرفهم لبعض الأخطاء الواردة في رواية البخاري ، فإن أجوبتهم لجريدة الأحداث المغربية ، هي أقرب إلى إثبات ما ورد في رواية البخاري، عوض نفيه؟

إن روايات البخاري تحمل معلومات مفيدة، لكن يجب أن توضع في سياق يأخذ بالجوانب التالية:

1-         يقول البخاري أشياء هامة حول اغتيال بن بركة ودهاليز الأجهزة الأمنية وأشياء أخرى، ويؤكد حضوره بشكل أو بآخر في هذه الوقائع وإثبات صحة حضور البخاري فيها يقتضي النبش في ماضيه، وهذا ما تنبه له نور الدين مفتاح في استجوابه للبخاري في العدد 25 من أسبوعية الصحيفة، بتاريخ 6-12 يوليوز 2001 ، خصوصا وأن هناك شهودا على المرحلة التي كان فيها البخاري مستقرا في آسفي، بين 1961 و 1964. وأدلى البخاري في استجوابين مختلفين بأنه تعرض للتوقيف من العمل مرتين ، حوالي 1961 و 1970 

هناك وثيقة من محاضر الشرطة القضائية المرتبطة بمحاكمة مراكش ، التي جرت في صيف 1971 ،  ويتعلق الأمر بمحضر عبد الرحمان شوجار رقم 55/44، والذي يحمل تاريخ 17/12/1969- 6 يوليوز 1970 ،( أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد) . تحمل الصفحة الخامسة من هذا الملف معلومات هامة، تدخل في سياق ما قاله شوجار للشرطة، فقد حكى عن مرحلة وجوده بآسفي وعن طرده من مدرسة المعلمين ، وانتقاله إلى الدار البيضاء في أبريل 1964 ، وهناك التقى بالشعبي ( احد مناضلي الاتحاد الوطني بمدينة آسفي ) الذي طلب من شوجار العودة إلى آسفي، وأعطاه مسدسين يسلمهما إلى المرابطين،( الذي كان معروفا بالسكليست، لإصلاح وبيع الدرجات العادية والنارية)، و وسافرا معا على نفس الحافلة من الدارالبيضاء إلى آسفي . في الساعة الثامنة مساء التحق الشعبي وشوجار والمرابطين بمنزل البخاري، الذي كان يستغل دكانل لصنع الموازين، يوجد في نفس الزنقة التي توجد بها مقهى تسمى ” قهوة اليهودي” . ويقول شوجار في نفس المحضر 55/44 أنه لم يسبق له أن رأى هذا الشخص في مقر الحزب بآسفي، وأنه كان يسكن بيتا صغيرا بحي الترابسيني، غير بعيد عن سكة القطار، وأنهم جميعا تناولوا العشاء عند البخاري، بل إن شوجار والشعبي قضيا ليلتهما عند البخاري، في حين انصرف المرابطين إلى بيته. وأثناء  الحديث والنقاش الذي سبق وجبة العشاء، أخرج الشعبي من حزامه رشاش من نوع مات 49 ، وأخرج المرابطين المسدسين، وبدأ الشعبي في شرح طريقة استعمال  الأسلحة، وتحدث الجميع عن الانتفاضة المسلحة والثورة، وفي صباح الغد عاد المرابطين ب”كارطونة” وخبأ فيها الأسلحة وحملها إلى دكان البخاري حسب اتفاق بينهم، بعد ذلك سافر شوجار إلى الدار البيضاء ، وبعد عودته إلى آسفي مرة أخرى سمع باعتقال المرابطين.

هذه الأحداث ، وبناء على السياق الزمني في المحضر رقم 44/55 ، تنحصر بين مارس/أبريل 1964 و غشت 1964. ذكر المرابطين في حديث خاص ( أنظر أيضا الصحيفة، عدد 26، 13-19 يولييوز 2001) ، أنه استقطب البخاري إلى التنظيم بعد ” طرده ” من سلك الشرطة ( كانت التنظيمات السرية داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، تلجأ إلى استقطاب عناصر الأمن والقوات المساعدة والجيش إلى صفوفها ، كما تبين ذلك من خلال ملفات محاكمتي 1971 و 1973) ، اكترى المرابطين دكانا لمساعدة البخاري على فتح ورشة صنع وإصلاح الموازين، في نفس الوقت كان هذا الأخير يساعد المرابطين على ملئ الأوراق الرمادية، لأنه يملك خطا متميزا. وأنه عندما رأى  شوجار لأول مرة في تلك الليلة، اعتقد بأنه شيخ العرب ،وذكر شوجار في محضر الشرطة 55/44 بأنه لم يسبق له أن رأى البخاري في مقر الحزب وكان وسائل الإعلام العمومية قد نشرت بلاغا تعد فيه كل من قدم معلومات حول شيخ العرب ، سيحصل على 30 مليون ورخصة حافلة. ( بين أبريل ويونيو 1964، احتلت قضية شيخ العرب الواجهة الإعلامية والشعبية ، مع حدوث اصطدامات مسلحة بين أنصار شيخ العرب و قوات الأمن في الحدود الجزائرية المغربية وفي الدار البيضاء). حين حل الشعبيوشوجار بآسفي، كانا يمضيان الليل بدكان البخاري ، إبان نقاش ساخن بينه وبين المرابطين ، كانت للبخاري قناعة مطلقة أن شوجار هو شيخ العرب.

تسارعت الأحداث بعد ذلك، ليتم اعتقال المرابطين في الدار البيضاء يوم 17 أبريل 1964، اختفى بعدها البخاري من آسفي التي انتشرت فيها قصة البخاري والمرابطين ، وفق رواية هذا الأخير . سيتم اعتقال الشعبي أيضا في غشت 1964، بعد أن التقى صدفة بالبخاري في حديقة بالدار البيضاء ، والذي ابتدأ فيها حياة جديدة . ( حديث خاص للشعبي ) .

يتذكر البخاري تاريخ اعتقال كل من المرابطين والشعبي جيدا ، فقد ذكر في سياق آخر لجريدة الاتحاد الاشتراكي ، بتاريخ 6 غشت 2001، ما يلي: ” …فالمغرب آنذاك كان يعيش حالة حصار وحالة استنفار قصوى من جراء ما كان يعرف بقضية شيخ العرب ، وتحديدا من أبريل إلى غشت 1964 …” إن هذا التذكر الجيد لتاريخ أبريل وغشت 1964، يحيلنا إلى تاريخ اعتقال كل من المرابطين والشعبي ، إثر وشاية من البخاري كما أسلفنا من قبل.

إذا صحت رواية البخاري عن نفسه حين يتحدث عن “توقيفه” من سلك الشرطة حوالي سنة 1961 ، وإذا كانت المعلومات الواردة في محضر الشرطة القضائية رقم 55/44 حقيقية ، وإذا صحت روايتي المرابطين والشعبي وآخرين ، فإنه ليس من المستبعد أن يكون البخاري قد أعيد إلى سلك الأمن في صيف 1964.

وردت في جريدة الأحداث المغربية ، بتاريخ 7 و 8 غشت 2001، معلومات هامة عن مسار الراوي البخاري، وتنحو إلى ما طرحناه أعلاه ، فهو يؤكد قرار الطرد من سلك الشرطة في سنة 1961 ، ويقول: ” رغم قرار الطرد فإن علاقتي لم تنقطع مع الكاب 1 .

إذا كان الرجل قد التحق بمصالح الكاب 1 في النصف الثاني من سنة 1964( بعد اعتقال المرابطين والشعبي ) ، وهو يصرح لنفس الصحيفة ، بتاريخ 8 غشت 2001 ، بأنه ، ” منذ 1965 ، لم أعد حارسا للأمن، اجتزت المبارة، وأصبحت ضابطا للشرطة “، فإن السياق الكرونولوجي للأحداث كما وردت في هذه الروايات يعضد هذا الطرح. رغم أن العشعاشي و زملائه يقولون بتوقيفه عن العمل في شهر غشت 1965 ، وإذا كان هذا صحيحا فعدد التوقفات و الطرد من العمل في الحياة المهنية للبخاري في سلك الشرطة العادية وفي مصالح الكاب 1 وصل إلى ثلاثة.

وإذا كان هذا الاستنتاجات جميعها صحيحة ، فيصعب قبول ما ورد على لسانه أو في كتابه السر من معلومات حول هذه  المرحلة، التي يقول عنها أنه استقى معلوماته عنها حين كان يمارس مهاما داخل مصالح الكاب 1 . و لا يمكن ، مهما كانت هلامية جهاز الكاب 1 ، أن يكون مطرودا أو متوقفا عن العمل ، وفي نفس الوقت حاضرا في مراكز التخطيط والقرار.  وربما هذا الغموض في الزمان والمكان والهوية، هو الذي يفسر نوعا ما التناقضات والاضطرابات الكرونولوجية في حكي البخاري، ويتجلى ذلك بالخصوص في كتابه السر، الذي يتضمن معلومات مضطربة و متناقضة حول التاريخ السياسي المعيش.

2-         تشبه تصريحات البخاري من أول رواية أواخر يونيو 2001 ، إلى كتابه السر المنشور في 2002 ، مرورا بعدد من الاستجوابات في المنابر الإعلامية والمرأية ، تشبه كرة الثلج ، التي تتضخم كل ما تدحرجت. فعدد من المعلومات الواردة في ” السر ” نشرت من قبل في عدد من المنابر الإعلامية والكتابات ، كما أن الاضطراب الحاصل في تتبع القضايا التنظيمية والسياسية داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، يضع موضع الشك أن الرجل كان ضمن خلية مكلفة بحزب بن بركة، فالحديث مثلا عن فرع الحزب بالرباط، يبرز جهل الرجل بالجانب التنظيمي داخل الحزب، فتنظيم الاتحاد كان يتشكل من كتابة إقليمية حزبية وفروع إقليمية للقطاعات و ومكاتب الفروع: المدينة و يعقوب المنصور ودوار الدوم / اليوسفية و التقدم المعاضيد وأخيرا فرع سلا، وهذه التوزيع التنظيمي الذي عرفه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ 1962 على الأقل لا يمكن أن يغيب عن ” ضابط ” مكلف بمراقبة الحزب. ( قارن بين ما ورد في كتابنا ، من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي   والمعلومات الواردة هي أقرب 959-1983، وما ورد في كتاب البخاري السر ، عن الأحداث التي تعرض لها الاتحاد الوطني .هذه المعلومات الواردة في رواية البخاري استندت إلى مقالات صحفية وليس إلى جذاذات استخبارية. ( تضمنت محاضر الشرطة القضائية المرتبطة بمحاكمة مراكش مثلا ، جذاذات صادرة من الاستعلامات العامة حول الأشخاص المعتقلين . أرشيف مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد).

وإذا كانت أسماء الشخصيات في أجهزة الكاب 1 قد ذكرت في عدد من محاضر الشرطة القضائية نفسها ، المستندة إلى محاضر الكاب 1 ، كما اعترف بذلك مسؤولوها في هذه المرحلة، وإذا كانت أسماء أخرى قد ذكرت أيضا في جلسات محاكمتي مراكش( جلسة استنطاق رمسيس والتانوتي وعبد اللهالمانوزي)  و القنيطرة ( استنطاق دهكون ) ، وإذا كان بعض مناضلي الاتحاد قد كشفوا عددا هاما من الأسماء العاملة في مختلف الأجهزة الأمنية منذ 1966، وإذا كان الجهاز نفسه وطريقة عمله ، موضوع اهتمام من لدن بعض قادة الاتحاد ، كما أبرزنا منذ سنة على صفحات هذه الجريدة في دراستنا حول المخطوط الذي كتبه عمر بن جلون في السجن ، في شتنبر 1964 : أمراء النزعة الانحرافية العمالية.، فإن الجانب المتعلق بأسماء جل العاملين بهذا الجهاز يبقى هاما في رواية البخاري ، وكيف ما كان وضعه داخل هذا الجهاز، بوابا أو ضابطا ، وإذا كانت كل المعلومات الواردة صحيحة ، فإنه لأول مرة تكشف مرحلة هامة من تاريخ هذا الجهاز ، على مستوى العاملين فيه، ونعتقد أن الأمر ليس متعلقا بصحوة ضمير من منتم سابق لهذا الجهاز، بقدر ما يكون أقرب إلى قرار للكشف عن بعض من ماضي الأجهزة التي ارتبط تاريخها بالاختطاف والقمع والاغتيال. وما يقلق في روايات البخاري ، المتعلقة بسبب الكشف عن ” تاريخ ” الكاب 1 ، فهو مرة قد تأثر لما رأى صور عائلات المختطفين في التلفزيون ، ومرة أخرى  كان سبب ذلك هو رد الفعل عندما قرأ كتاب سميث ،الذي تضمن أخطاء كبيرة ، ومرة أنه اتصل بلوموند منذ شتنبر 2001 ، وبعث لهم برسالة ” اقترحت فيها خدماتي التي كانت عبارة عن مقالات تهم المصالح الخاصة بالمغرب. وعندما توصلت بالجواب اتصلت ببوكر الجامعي مدير جريدة لوجورنال الذي اهتم بالأمر(…) وكنت عندما رغبت في الحديث لا أنوي إثارة موضوع بن بركة، بل كنت أنوي الحديث عن المصالح الخاصة مثلا الكاب 1…” ( الأحداث المغربية بتاريخ 8 غشت 2001 ).

نصل إلى بيت القصيد ، أي ما تعلق بعملية اغتيال بن بركة،  فكما أوردنا أعلاه ، تضاربت المعلومات  بين أول رواية وما تلاها من تصريحات. ويبقى الشيء الوحيد “الجديد” فعلا ، هو تذويب الجثة . وقد صرح البشير بن بركة في استجواب له مع أسبوعية الصحيفة ، عدد 25 بتاريخ6-12 يوليوز 2001 ، بالقول: ”  لم نفاجأ بشكل كبير ، لأن هناك أشياء نحن نعلمها مثلا بخصوص القرار السياسي في هذه العملية، كذلك حول دور وزير الداخلية ومدير الأمن ، حول دور المخابرات الأمريكية، طبعا الجديد في الموضوع هو مصدر التصريح، أي الشخص الذي كان يشتغل من داخل الجهاز الأمني، وكذلك الأسماء الإضافية التي أشار إليها…” . وهذا دليل على الأقل أن البخاري كان يعرف عدد من هؤلاء.

3-         لقد رد ثلاثة مسؤولين سابقين على تصريحات البخاري ، إضافة إلى مفتش أمن عمل أيضا ضمن هذه الأجهزة ، كما يقول لمدة زمنية قصيرة . و كذبوا جل ما ورد في رواياته. لكن ردهم اختفى وراء هاجس العواقب الجنائية ، الشيء الذي جعل هذه الردود محصورة في نطاق يعطي لتصريحات البخاري قوة إضافية ، فلم تمس هذه الردود بناء رواية البخاري من أسسها ، واكتفت بالجانب الجنائي في تصريحاته . وعندما طرحت أسئلة حول طرق عمل أجهزة الكاب 1 من لدن الصحفي محمد أبو يهدة من الأحداث المغربية، عدد 916،، 24 يوليوز 2001  ، كانت الأجوبة أنهم لا يعرفون دار المقري ، وكما كتب ابويهدة : ” بدأت كل عبارات النفي والإنكار تغلب على إجابات العشعاشي ورفاقه: ” لم نكن في فرنسا.. لم يكن الكاب 1 مهتما بما يقع في الخارج..لم تكن لدينا فرق للاختطاف والاغتيال.. لم نكن نستنطق أحدا..لا تهمنا دار المقري( نحن لا نعرف هذا) ..لم نكن نعلم بقضية المهدي بن بركة …لم ولم ولا…هكذا كانت تبتدئ كل إجابات محمد العشعاشي وصاكا و و المسناوي الذين كانوا يعملون ضمن مصلحة محاربة قلب النظام” . لكن ما يثير الانتباه هو الحديث  عن التونزي  ميلود أو الشتوكي . جاء في إجابة العشعاشي : ” هذا الشخص لا علاقة لي به ولم يكن معنا قط في المصلحة التي عملنا بها، ليست لدينا دعوة به  ميلود التونزي أحيل على الإدارة العامة للأمن الوطني، ومن أراده فليذهب للبحث عنه . لو كان معنا في المصلحة لسجله بوخاري في التصميم الذي وضعه للكاب 1 ..” فقد استعمل مصطلح ” أحيل ” مبنيا للمجهول ، فأين كان التونزي ليحال إلى الإدارة العامة للأمن الوطني  ، الملاحظة الثانية تكمن في النصف الثاني من هذا الجواب ، الذي قد يقود إلى الاعتراف بأن ما ورد في تصميم البخاري للكاب 1 صحيحا .

داخل هذه التصريحات والروايات المتنافرة ، تضيق الدائرة حول العناصر التي خلدت إلى الصمت ، ويتعلق الأمر بالخصوص بعبد الحق العشعاشي وميلود التونزي والحسوني ، أو ما سيسمى فيما بعد بمجموعة الدليمي . التساؤل المطروح ، ألا يعني ذلك كله أن أصدقاء البخاري ، الذين حكوا له عما جرى لبن بركة ، كانوا يستحضرون واقعة البخاري مع المرابطين وشوجار ، إذا ما أخدنا بعين الاعتبار الضائقة المالية التي كان يمر منها البخاري ( قضية الشيكات والسجن في سنة  1998، وهناك قضية ثابتة في روايته عن زملائه الآخرين، هو الحديث عن وضعيتهم المالية الجيدة في خريف أعمارهم ) ، وأنه شحن براوية لترديد فصول معطرة بمعلومات تعود إلى أيامه عن الكاب 1 ،

ما يثير في روايات البخاري أنها تمزج بين معلومات داخلية للتسيير الإداري لجهاز الكاب 1( وقد يكون ما رواه البخاري في هذا الصدد صحيحا) والتاريخ السياسي المعيش المعروف . روايات قد يكون عمقها السياسي إنهاء قضية بن بركة وآخرين ، لا داعي للبحث عن بقايا عظامهم ، لأنها أذيبت في سائل لا يبقي ولا يذر. وإذا كان هذا صحيحا فمن هي الجهة التي تقف وراء كل هذا ؟ هل هي جهات فرنسية أم مغربية أم هما معا ؟ إنها أسئلة فقط …

4 )   يمكن أن يكون البخاري قد استقى معلوماته من لدن ” أصدقائه ” في الكاب 1 ، إذا لم تكن هذه العملية في حد ذاتها فخا نصب للبخاري نفسه، وقد يكون اطلع على ملفات تخص المهدي بن بركة كانت قابعة في أحد مكاتب هذا الجهاز ، وقد يكون عارفا بأسماء مسؤولين محليين وجهويين لهذا الجهاز، لكن أن يكون مالكا لكل تفاصيل ما كان يجري في الكاب 1 ، وحتى في سنوات فصله من العمل ، فهذا لا يستقيم ومنطق الأشياء. وما يقلق أكثر في روايات البخاري سواء للصحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرأية ، هو إصراره على تبرئة المخابرات الفرنسية من عملية اختطاف واغتيال بن بركة . إن الموضوع أكبر بكثير من ضابط في جهاز الكاب 1 أن يعرف ما كان يجري في أجهزة الأمن الفرنسية ، والعكس هو الصحيح ، هو أن بن بركة أصبح في سنة 1965 ، شخصية لها أبعاد عالمية ، واهتمت أجهزة المخابرات الفرنسية والأمريكية والإسرائيلية بملف بن بركة ، وهذا الجانب هو الذي يصر عليه دفاع عائلة بن بركة ، بالمطالبة برفع السرية عن وثائق  المخابرات الفرنسية والأمريكية والإسرائيلية، لأن هذه الوثائق ستبرز البعد الدولي لعملية الاغتيال. ونعتقد ، من خلال وثائق محاكمة باريس و ما نشر من مقالات ودراسات ، أن الأجهزة الأمنية المغربية أيضا لها مسؤولية كبيرة في تنفيذ خطة اختطاف بن بركة ، وحملت مسؤولية مصير الرجل الذي يحمل الجنسية المغربية، وإذا كان بن بركة قد قتل يوم 29 أو 30 أكتوبر، لماذا لم يتم التخلص من جثته في فرنسا، خصوصا وأن الروايات جميعها تقول إن الطاقم المغربي كانت له إمكانية لوجيستيكية هامة في التراب الفرنسي، فهل كان هناك تعاقد بين أوفقير ومن خطط معهم لاغتيال الرجل على حمل جثة بن بركة خارج فرنسا؟

ومهما يكن من التساؤلات حول مصير جثة بن بركة ، يصعب أن نستهلك الصورة التي قدمها البخاري من خلال روايته بأن رجال الكاب 1 كانوا أكثر قوة من جهاز السديك الفرنسي ، في حين أبرزت بعض الكتابات الفرنسية أن جهاز المخابرات الفرنسي كان من القوة بمكان ، بل كان يعتبر المغرب قاعدة هامة لممارسة نشاطاته في شمال إفريقيا بالخصوص . وكما بيننا أعلاه من خلال التعرض إلى التقارير التي حررت في دهاليز السديك أو الاستعلامات العامة الفرنسية ، فإن هذه الأجهزة كانت عالمة بالتحركات التي يقوم بها رجال الكاب 1 في فرنسا.



عن موقع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة

  جولة سريعة في كتاب -ضباط جلالة الملك- إدريس ولد القابلة "ضباط جلالة الملك"، كتاب ألفه محجوب الطوبجي، كومندان متقاعد، تطرق فيه لم...